رسالة إلى روح أستاذي الشهيد الشيخ عيسى ساسي
ها يا روح سيدي الصادق، الصدوق، الزاهد، الوارع، التقي، المخلص، الوفي، يا محرر الوطن، و فادي الأمة، و مجاهد في سبيل قيمها، و مجدها، و مضحيا بالنفس و النفـيس منأجل حريتها، و سموها و كبريائها و إبائها.
ها يا روحه يقف اليوم واحد من أبنائه في محراب نزوله بجنة الخلد ملتمسا، متضرعا، سائلا، ملحا، منحنيا من أجل قبول وفادته بكلمات هي من صميم سويداء قلبه، و من اعمق أعماق وجدانه، و هو متمثلا قوله تعالى:" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ان لا خوف عليهم ولاهم يحزنون". ها يا روحه يرجوك قبول ما لم يمح من ذاكرة الابن ذاك آبد الآبدين، مما نقش فيها منذ أن احتضنه فتا مع أبيه المرحوم ( الحاج مصطفى ) قداشا في الكتاب بقرية مسقط راسهما ( بديدس ) ، و اتباعهما رحلة الصيف فيه، ورحلة الشتاء في (لحرايق ) كأنهم و أهلها آخذون بتقليد قبلية المصطفى ( ص) في رحلتي الشتاء و الصيف سنويا، ثم و لقداش يكبر ويصير يافعا، و الثورة تنفجر فيعود فيستقر المعلم بالقرية، و ينخرط من اللحظة الأولى التي غادر فيها معهد (عبد الحميد بن باديس) في الثورة التحريرية مناضلا في جبهة التحرير، مكلفا بمتابعة مشاكل السكان ليس في القرية فحسب بل في المنطقة كلها، و هي فضاء يعرف ببلدية أولاد فاطمة لاحقا، ثم ببلدية ( تاكسلانت )حاليا، فإذا استقر الأمر للثورة في المنطقة، واسست مؤسسات دولة الجزائر الثائرة في المناطق المحررة و انتخب إلى جانب ذلك معلما لأبناء المنطقة كلها في مدرسة تسمى ( مدرسة تاجخت) نسبة إلى ضفة النهر الذي تقع عليه، بقرية ( تارشوين ) المشكلة بجبلها مع جبل ( ارفاعه ) منطقة محررة و في قلبها تقع قريتي ( ابديديس ) و (لحرايق ) المدعي سكانها ( أولاد علي بن يحي ) و الذي هو منهم، و التي يقع فيها منزلاه الشتائي، و الصيفي، و منهما يقطع يوميا مسافة لا تقل عن ستة كيلومترات إلى المدرسة لأداء واجبه، و أداء أي نشاط من نشاطه القضائي، و الاجتماعي الآخر، او مما يطرأ في المنطقة، او في الأبعد منها و تكلفه قيـــادةالثورة بالمنطقة للقيام به.
عبر هذا الفضاء الجغرافي الذي سمى المجاهدون لا حقا جبله ( ارفاعه ) بجبل ام المعارك لعدد المعارك التي وقعت فيه، ولشدة ضراوتها، و للويلات التي تعرض بها سكانها من قتل، و حرق، و تدمير لسكناتهم و نهب لأموالهم و كل متاعهم، و اعتداء على الحرمات، و للمجزرة المروعة الممكن وصفها بالخارقة التي وقعت في ( غار بن شطوح ) الـواقــعغرب الجبل بنهر و جبل ( تارشوين )، و التي قضي فيها اثنان و عشرون و مائة شهيد يوم 23 مارس 1959م بالغازات السامة ثم تفجير مدخله.
عبر هذا الفضاء الجغرافي يا روحه الطاهرة الزكية الذي ما يزال تعبق نسائمه بدم إخوانه الشهداء، و تتصبب صخوره، و تجري وديانه بعرق رجاله من أبنائه، و من المـــاكثين والعابرين من أبناء جيش و جبهة التحرير.
عبره و انت يا سيدي تزرع الحب بين الناس، و تصفي القلوب، و تنير العقول، و تزهر الأفكار، و تروى ظمأ أبناء المنطقة بالمعرفة التي حرموا منها، و أنت النادر الوحيد الذي حباه الله بالتعلم و بلوغ معهد ابن باديس في زمنك، و انت يا سيدي و نور عيني اللتين أبصر بهما، و لساني الذي أنطق به، و عقلي الذي أفكر به، و اذني اللتان أسمع بهما، و قدماي اللتان أدب بهما على الأرض، و يداي الراسمتان لكل أثر مما تمناه من منثور القول، أو نظمه عن الامة، و سفرها المجيد، و الوطن و مسك ترابه العــــابق المكلل بتيجان أزهار شعبه عبر الأجيال، و التي لا تجف و لا تبس حتى يرث الله الأرض و من عليها.
إني لم ازل سيدي ذلك الشغوف القابع امامك مع زملائه في تلك الغرفة البدائية على حجر ساقه لكي يعلو قليلا عن الأرض حتى يراك و يرى اللوح الذي تكتب عليه ما تسوقه من المادة العلمية إني لم أزل أعيش حركاتك، و سكناتك، و هدوئك، و اتزانك، و تاملك، و دقة ملاحظاتك لأبنائك أولئك فـ"ودع هريرة". و " وزائرتي ..."، و " إذا اكشف الزمان لك القناع" و "الكشاف هيا ... " و" شعب الجزائر مسلم" ، و " حماة الحمى"، و "اشهدي يا سماء"، و "الجزائر يا ام العرب"، القصيدة الشعبية و " بصوت رخيم تغني الفتاة جزائرنا ستنال الحياة" ما تزال هي ملحمة انشودتي الشعرية التي لم تغادر الذاكرة، أو جل بعضها حتى الآن، و ما أزال أعرف الفرق بين العلم و بين كتاب الله، و قيمة كل منهما فالقرآن إن لم يكن مستوعبا باحكامه، و دلالاته، و مقاصده، يظل سردا لببغوات لا تزيد عن ترديده ليس إلا، و لكنه بالعلم يصير اشراقا، و يصير حياة، و يصير منهجا، و يصير كونا و خلودا، و يصير ذهنا، و عقلا و بصرا و بصيرة، و سياحة في الأرض و طوفانا في رياض الجنة، ونعيما في أرائكها، تلك التي كنت يا سيدي ترى أن الوصول لاستيعابها و التعطر بأريجها إنما يكون بإدراك معجميته اللغوية، و ضوابطه اللسانية، صرفا و نحوا، و بلاغة، و أسباب نزول، و ناسخا و منسوخا، و تاريخ من خاطبهم و غيرها، و من ثم مكونات الانسان طبيعيا و بيولوجيا، و فزيولوجيا... و بما تستطيع ضبط ما تنــوعي عده إن لم تـــكن رياضيا ماهرا بضبط أي عملية تستدعي التحرير، و التفكيك، و القياس، و هكذا دواليك. هكذا يا روحه كان سيدي الجامعة، كان الموسوعة، كان المبتدأ و المنتهي في كل مواد علم زمانه و كان الدقيق في الاختيار و الصادق في التبليغ، و الصارم في المتابعة، فما تقهقر له تلميذ يوما أما لجان الامتحانات الدورية المنتدبة لذلك من قادة الثورة بالمنطقة، و لا بخسه احد جهده قط، و كيف يحدث أي شيء من ذلك، و المنهج يا سيدي كان وفــق قوله تعالى:" و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون" و قول رسول كريم:" العمل عبادة".
نعم يا سيدي قطعا إن روحك في الملإ الأعلى مع الأنبياء و الشهداء و العلماء .. لتدري أن الرياض التي كنت زرعت فيها أشجارا لتورق في الوطن بعد الاستقلال، و تثمر لتظل أبناء الجزائر الاحرار و تطعمهم سكرا و عسلا، و ترسم لهم معلم ما استشهد من اجله. نعم إنها لتدري أن منهم من تموضع في العدل و القضاء، الأستاذان المجاهدان ( عبد الرزاق فلاح) و المرحوم ( إسماعيل سكيو). و منهم من إعتلى صدارة مؤسسة جيش التحرير، فالجيش الوطني الشعبي لاحقا المرحوم ( العقيد محمد بدري)، و منهم من تموقع في المؤسسات الصناعية المجاهدان ( الصديق فلاح)، و ( عمار شطوح) و ( يعقوب مخلوفي) و من ارتقى في مؤسسة أسلاك الأمن الوطني ( السعيد سكيو)، و [ ( عبد الله)، و ( عبد الله بوزيد)] و ( الطاهر خرشوش) ومنهم من التحق بك ليجاورك شهيدا ( مبروك حناش ) أو اكمل دروته في الحياة المرحومون ( حمنه جنان ) و ( باله نكاع) و (عمارة حويش) و منهم من تفرغ للأعمال الخاصة و أفاد يقينا ( صالح جنان ) و من تابع مسيرتك في التربية و التعليم ( الأستاذ ادريس فروج) و ( الراشدى سكيو) و ( عمران شطوح).
و اما الطيبات، الفضليات، الشريفات الأصيلات، التي حواها رياضك سيدي فقد أعطين للجزائر، المنتصرة بتضحيتك، و تضحيات امثالك شهداء و مجاهدين، و مناضلين ... اعطين شبابا آية في الروعة، و هم الآن يتموقعون في شتى مؤسسات الدولة، أساتذة، أطباء، مهندسين، إطارات دولة في إدارات و هيئات شتى و رجال أعمال و عليهم انطبق الأثر القائل" من شبه أباه فما ظلم". و هن على قلتهن عددا كثيرات بالأثر، و عظيمات بالفعل، و الاعداد، و التوجيه و التكوين، و هن تحديد (ش،م و ف،م)، و (ج،ط)،و (و،ن)،و (ب،م)،و (ح،ل) و (ف،ف)، فمنهن من انتقل إلى جوار ربها، و الجل منهن ما يزال على قيد الحـــــــياة يواصلن رسالتهن سيدات عظيمات، و أمهات فاضلات عزيزات كريمات.
اما فتاك هذا الهرم، الآن، و كما أردته أن يكون ذات دعاء له من قبلك له حين عدت من مهمة امتحان في مدرسة سفيان ذات شتاء حيث وجدت أن زوجتك و أبناءك المحاصرين بالثلج الغامر لولا فطنتطه، و اهتداؤه بفضل الله إلى فكرة من وحي حبه لك الذي لا يعادله أي حب لأي كان، قادته إلى تقطيع شجرة عرعار و حملها في حزمة حطب إلى بيتك حيث وجدها خالية من أي وقود تمكنهم من طهي طعامهم، و تدفئة أجسادهم، فكان ذلك و بتوفيق من الله، وفاء تلميذ لمعلمه حين كان التلميذ تلميذا، و المعلم معلما، كان ذلك مفرجا للمحنة التي حاصرت العائلة.
و حين عدت بعد الامتحان اخبرتك زوجتك أطال الله عمرها بالامر، و بعده بأيام، و حين انهينا الدرس و في طريق عودتنا إلى قرية ( لحرايق ) التي نسكن فيها معا، و معنا ثلاثة تلاميذ آخرين هم المرحومان ( حمنه جنان )و ( باله نكاع ) و ( صالح جنان )، و بعد عبور نهر ( ليروق) الذي سقط فيه اول شهيد بالمنطقة، وهو الشهيد (احمد شيباني)، و بالقرب من ديار (...) قلت لي و على مسمع اخواني الزملاء الثلاثة السابق ذكرهم، قلت لي نصا بالتعبير اليومي العادي أنك رأيت اخاك الشهيد ( إسماعيل) في المنام، و أنك ملتحق به لاشك، و دون ان أفهم ذلك كما يفسر عند العارفين، و كونك الزاهد الورع التقي فقد رأيتك غير مرة تختلي بنفسك حين كنت تعوض أباك بتعليمنا بنفسك القرآن الكريم بـ ( حد عمر ) بـ ( بديدس) في عطلتك تحت شجرة ( الكروش ) ( البلوط) رأيتك تبكي برهة ثم تعود إلينا، و لاحقا عرفت انها دموع خيشة الله، و دموع الورع التقي الناسك المتعبد، الزاهد على درب اتقياء الأمة و زهادها ...
ما يعني ان ذكرك لنا رؤياك تلك انما كانت بمستوى رؤيا نبوية، فقد كنت متأكدا أنك في أثر اخيك الشهيد و عاجلا، و لعل بالطريقة نفسها، فقلت لي فقد فعلت في غيابي ما لا ينسى أبدا إسمع لي جيدا إن لم تفلح في مسيرتك فإن بقيت حيا فكلما تلقاني ( ...على وجهي ) و إن مت فكلما عبرت عن قبري أدع علي و [... عليه]. اما فتاك ذاك الهرم الآن فقد تموضع في موضعك، و مضى على نهجك، و ما يزال و يظل كذلك حتى يلقى الله، فالتربية و التعليم وظيفته منذ أن انهى واجبه مع إخوانه المجاهدين و المناضلين في تحرير الوطن، و الكلمة إلقاء و صياغة، بحثا، و انشاء، توثيقا و إعلاما، هي محرابه المقدس و فضاءه المطلق فأمسى له من الحضور ورقا و منابر بالحبر، و تعليما و توجيها ... في جل مواقع ذلك في شتى الهيئات، و المؤسسات ليس في الجزائر المستقلة فحسب بل و في خارجها بأوطان عديدة، ومؤسسات دولية مشهودة...
لقد كانت رؤياك، و دعاؤك كأنهما مما قرأته مقدرا لي يا سيدي في قضاء الله و قدره، فما عزمت الاقبال على أي شيء مما هو في قدراتي و امكاناتي العقلية، و الفكرية إلا و نلته فمن معلم ابتدائي إلى اكمالي إلى ثانوي إلى جامعي، إلى كاتب إلى ناظم شعر إلى باحث إلى مؤلف مبوإ صدارة المؤلفين الجزائريين مع إخوانهم منهم من المتموقعين في الصدارة في حقل اختصاصه، و هم قلة لا يبلغ عددهم أصابع اليد الواحدة، وأني متعب بسبب ما أخذته على نفسي وفاء لتربيتك، و توجيهك و مبادئك، و نهجك و التي اتخذتها قدوتي، و نبراسي في مسيرتي و لن أحيد عنها ما حييت. فهؤلاء خاصموني لأني لا أشاركهم الزيف، و لا أجاريهم رياء و غشا ... و أولئك قاطعتهم انا لأني صنعتم، و حين اشتد عودهم أداروا ظهورهم، و تخلوا كلية عن القيم و المبادئ التي سرنا وفقها مع بعضنا البعض، و اتخذوا القاعدة المكافيلية لهم منهجيا " الغاية تبرر الوسيلة" و غيرهم سرق مني ما أمكن سرقته حتى من حقي، الذي يضمن قوت أطفالي حسدا، و حقدا، و غيرة .. و آخرون من معتلي الأرائك في مؤسسة عملي التي اعطيتها عمري بكل جوارحي، و هم أفشل الفاشلين فيها على جميع الأصعد، و كون الزمن زمن البلادة، و الرداءة، والاحتيال، و الضغائن، و تصفية حسابات، فقد بذلوا قصارى جهدهم في سبيل إلقاء متاعي المنزلي في الشارع و تشريدي أنا و أهلي و مثلهم من أقام علي دعوى قضائية و في مجموعة تحت عنوان جمعوي معروف و بأسلوب مجموعة مشركي قريش بتوزيع دمي على القبائل كإدخالي السجن، و تغريمي ماليا لأني كشفت جهلهم فيما نشروه مما يمس لسان الأمة و عقيدتها و تاريخها و قيمها و قيادتها.
و هناك الادهى و الادهى يا سيدي، و لعل قمته أن يصل المطاف إلى حد تأكيد السطو العلمي في أعمال و الصراخ يملء الفم في وجه من يشرف على ذلك و يؤطره و يسلك برأسه مسلك رأس النعام حين يواجه بحقيقة من الحقائق، و يعلم به من بيده الحل و العقد فيغض الطرف، و يتغاضى و كأن شيئا لم يكن فتصدم أي اصدام و تنتهي إلى القناعة المؤكدة أن على ما استشهدت من اجله و اخوانك السلام، و تتيقن إلى ان مقوله القائل " الانسان ذئب لأخيه الانسان" هو ما يسود سيادة تامة هذا الزمان.
إنه زمن يا سيدي يقطع بي مسافات، و يحلق بي أجواء، و أجواء ان استرسلت في ويلاته، و فضائحه، و استحضرت مكائده، و فتنه، و لأني متاكد أن روحك داركة لكل ذلك، و عالمة به لأنك حين ممن "... و يستبشرون بالذين لم يحلقوا بهم من خلفهم ان لا خوف عليهم و لا هم يحزنون". فلتكن بعد هذا حال فلذات كبدك وكيفية رحيلك نهاية المطاف و المقام.
نعم سيدي فـ( جنان ) و ( أحموده) و ( ز )، و (ن) هم من تركت حين حلقت إلى الملإ الأعلى، فهم يا روح سيدي ولأنك من أرواح أولياء الله فقد غمرتهم بحمايتك، و رعايتك، فقد مروا بما مر به إخوانهم من أبناء شهداء الامة المخلصين الاطهار في زمن الردة و التخلي، فعثروا و اعتلوا، و حفوا، و بردوا، و ظمأوا، و جاعوا، و ... و لولا فضل الله و فضل الشرفاء من ذوي القربى لما امتد بهم العمر إلى الآن، و لأنهم من طينة عظيم، ورع، تقي، زاهد، صادق الإيمان، وفي الواجب، فإن رعاية الله كانت دوما حاضرة معهم، فمنهم من هو الآن في أرقى مؤسسة علمية وطنية و عالمية (جامعة) و منهم من في مؤسسة تربوية موظفا، او أستاذا، و جلهم قد أعطى للوطن و للأمة ما يعطيه من يمضي على لهجك حتى يلقى الله.
إنها لدورة الحياة يا روح سيدي يا كل شيء في حياتي هكذا تمضي، فالغث منها، و الزبد، و القشور تنتهي، و تعدو نسيا منسيا، و الجوهر، و اللآلئ، و الماس، و كل ثمين تبقى مشعة، في الوجود كما أراد الله ذلك، و تبقى كذلك إلى أبد الآبدين، أبد الآبدين ...
و الآن و قد آن لي الأوان يا روح سيدي لأقول ما قالته سيدة من سيدات الأمة يوما عن ابنها المعلق في محراب بيت الله الحرام :" اما آن لهذا الفارس ان يترجل" آن لي ان أقول ذلك، و انا مقبل في أثرك آجلا أو عاجلا، و يقيني أنك لا تترجل أبدا لأنك ممن قتل في سبيل الله، فأنت الواقف أبدا، و انت المتخندق دوما، و انت الغر المحجل، و أنت الثابت الصامد، الحاضر، المفصح، البليغ، بآثارك التي تنطق بها كل شبر حيثما حللت، و أينما نزلت، و بين من أقمت فمن الكتاب بقرى أجدادك، و سهول جبالها إلى المعهد الباديسي، .. إلى فضاءات التي انتدبت إليها في الثورة المجيدة الخالدة، إلى مقاميك حين أخرجوك ذات يوم من مخبئك بنهر ( ليروق ) أسفل منازل آل شيباني، بوشاية واش ممن أقام فيه ذات قبل إلقاء القبض عليه من عساكر فرنسا الظلم، و الطغيان، و القمع، و الجبروت، و الاجرام ... حيث عذبوك، و أي عذاب، و لأنك النحيل، المحدود الطاقة، و الناشد للشهادة، التي دعاك اخوك ( إسماعيل ) الشهيد للالتحاق به عن طريقها – كما قلت – فلم يطل أمرك حينها فحين تأكدوا أنك من صنف من عناهم شاعر العربية [ أبو الطيب المتنبي ] بقوله :
" عش عزيزا أو مت و انت كريم بين طعن القنا و خفق البنود "
فجروك على أرض وطنك الطاهرة، و العبقة بدماء إخوانك الذين سبقوك و دمك الذي أضفته لدمائهم، جروك، ثم أصعدوك ٍرأس كهف مكون من عدد من الشرفات، و أطلقوا الرصاص على رأسك، و يشاء القدر، و يريهم إن كانوا يفقهون انك لن تسقط في أسفل الكهف بل سقطت في الشرفة الأولى بعد رأس الكهف متوجها للقبلة واقفا كأنك لم تصب قط حتى التحق بك أبناء القرية، و كنت اولهم حيث انزلناك معززا مكرما، و اقمنا مقامك في المكان نفسه، و ظللت هناك إلى ان انجلى ليل الاستعمار عن وطنك، و قررت قيادة الثورة التي استشهدت تحت لوائها جمع كل رفات الشهداء، فكان الشرف لي مرة أخرى ان أكون المشرف على نقل رفاتك مع رفات إخوانك الشهداء ( ارفاعه ) حيث اتخذتم مقامكم هناك، و ما تزالون إلى الآن في أعلى عليين مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء و الصالحين فاللهم أسأل ان نكون في زمرتهم إنه سميع مجيب.
و لأن العمل الإنساني مهما جد فيه صاحبه واجتهد، و نوع و اغنى، وعد و انتقى ، فالمنتهى إليه بالقطع و اليقين انه لا يستطيع أن يجعله كاملا و لا يمكنه الوصول فيه إلى الكمال الأمثل.
ومن هذا فإن هذه الرسالة كما أسميتها و لانها عندي مما يظل صفحة من الصفحات المكتوبة من سويداء قلبي، و اوعية و شرايين المهجة، و شعاع العقل، و نور البصيرة، و روح الحالم المحلق، في سماء ملكوت الله و عوالمه، الأخروية، فإن عذري فيها إن لم تحقق القصد و الغاية و جاءت في غير اتساق و في غير صياغة متأنقة، متألقة فمصدرها الذاتي و تدفق لواعج الشوق و الوفاء، والحب، و الصدق، و استحضار لحظات الروح الحميمة المنقوشة في الذاكرة بقمة فترة معاناة هي مما لا يخطر على بال احد عن هذه هي التي تسوغ عذري للمستقبل الملتقى، فتجعله مقبولا، و تضع ما قصدت نشره في موقعه الذي إن لم يكن ملفتا فلا شك ان فيه من الاستثناء لقلة مثله في كتاباتنا الوطنية و العربية ما يبقيه على مر الزمن و أولا و أخيرا فانحناء و إلى الأبد إليك يا روح معلمي الشيخ عيسى ساسي الشهيد تحية لما قدمته للأمة و الوطن، و لي وقد صرت شيئا مذكورا في أمتي ووطني و المؤمنين بقيم الامة و ثوابتها المنافحين عنها ما عاشوا.