ما يتاح من البوح
ليس النشيد الرسمي وحده يا رئيسنا المجاهد
تحدث من تحدث، وكتب من كتب، وأثار من أثار محنة "النشيد الوطني" كما يسمونه، وهي التسمية التي لا أدري إن كانت بنص قانون، أو بأكثر من ذلك، لأني أتساءل عن كيفية الفصل بين بقية الأناشيد الوطنية، و "السلام الوطني" كونه محدد أداؤه لأنه تاج تلك الأناشيد لاتصاله. بل لالتحامه بما هو "بروتوكولي" تشريفي رمزي للدولة الجزائرية داخل الوطن، وخارجه. إذ أن صفة الوطنية كنشيد الموسوم بها تجعله ككل الأناشيد الوطنية الأخرى، وما أكثرها ولله الحمد، ومنها ماهو مكتوب، و ماهو شفوي كون صفة الوطنية تعني المضمون، وتعني الشمول، وتعني التداول العادي بخلاف النشيد الرسمي لأي دولة، أو الذي يسمي "السلام الوطني" كذلك فإنه يخضع لضوابط صارمة حتى لا يتعرض لأي عبث، أو يسفسط به أي مسفسط، فيغدو في مستوى من الإبتذال لا يقبل من أي وطني صادق في وطنيته ومنتم إليها روحا ومادة.
هذا التنويه المنطلق منه سبق لي أن ذكرته في أكثر من مقال نشرته أجده على صلة بالموضوع، أو عمود دبجته في الجريدة هذه "الحوار". ولأني اقتنعت أن ما يعنيه توضيح هذه النقطة، والذي يفترض أن تكون وزارة المجاهدين، وبمستوى أقل جهات أخرى. اقتنعت أن ما يقرأ في هذا الوطن، أو يسمع له هو كل ما يمس الأريكة التي يستلقي فيها صاحب الشأن دفاعا عنها إن بالحق، أو بالتسويف، وفي أثناء وجوده على تلك الأريكة، الوثيرة أما إن غادرها فعليها وعلى من يقول ما يقول، والبلد كله، ومكوناته السلام. إلا من ما يزال دمه محصنا بالمضادات الحيوية النوفمبرية النقية الصافية. فإنه يظل القلق عن كل ما يعني نوفمبر ثورة، ووطنا، ودولة، وشعبا، وقيما، وطموحا، وأملا إلى أن يلقى الله.
بل ويصرح بمناسبة، وبغير مناسبة كلما لا حظ أي شبهة تسيء إلى منجزات عظماء نوفمبر شهداء ومجاهدين، ووطنيين شرفاء مخلصين.
وقناعتي تلك بعدم قراءة هؤلاء هذا النوع من الكتابات، وعدم إعارتها أي اهتمام، وتكليف أنفسهم أي جهد للرد عنها تأكيدا، أو توضيحا، أو تصحيحا. فقد تخليت عن هذا النوع من الكتابة إلا في الحالات النادرة. إذ وجدت أن التركيز على البحث الأكاديمي الجامعي هو الذي يلقى صدى ولو في حدود أكثر من غيره ما جعلني أجعله نصب عيني وباستمرار ودون سواه.
أما وأن الموضوع يخص "السلام الوطني" وأن الصحافة يا فخامة الرئيس المجاهد نقلت عنكم استيائكم بما حل بنص السلام الوطني المعروف بحذف مقطع منه، وهو الخاص بمن يسميها شعبنا بـ "فافا" و"قمير"، و"الهنتاسة" و"الخبيثة"، و"ستوت"، وأسماء أخرى لا أسمح لنفسي بإثباتها هنا لسمو المقام، وفق المقولة العربية "لكل مقام مقال". فإني لهذا رأيت القضية لم تكن ممررة إلا بقصد تحقيقها أي أن هذا الفعل في حق نشيدنا الرسمي مدان بكل لغة المعجم ومقاييسها الأمر الذي يسمح بالخوض في الموضوع لا من قبيل تكرار ما نقل عن فخامة سيادتكم، لأن ما يصدر عن الرجل الأول في أي دولة من الدول إنما يكون أمرا نافذا، وعلى الجميع التفاعل مع ذلك بكل احترام وصدق ووفاء. ولا من قبيل كذلك دعم ما صدر عن المجتمع السياسي والمدني والشخصيات الوطنية لأن ذلك تحصيل حاصل. وعنوان هذا الفضاء قطعا يوحي بذلك. لأني وجدت أن المجال المفتوح بهذه المناسبة التي أسمح لنفسي أنها يمكن أن تنطبق عليها المقولة "رب ضارة نافعة". وجدت أنها تسمح لي، وبخاصة عندما قرأت ما كتبه "الميلي". ووقوف فخامتكم عند جناح مؤسسة المجاهد المرحوم "مفدي زكريا". إذ أن الأستاذ الميلي، الذي يذكر المناسبة التي طرح فيها حذف المقطع المسقط من النشيد كان وزيرا آنذاك، والدكتور سليمان الشيخ رئيس مؤسسة "مفدي" أيضا قضى وقتا في وزارة التربية في هذه الفترة. ولأني كنت شاهدا على مجريات الأمور في رحاب المجلس الشعبي الوطني الموقر آنذاك كوني شرفت بعضوية فيه في الفترة الثالثة، وأن أشغال كل الجلسات مسجلة بالصورة والصورة. هل يمكن للوزيرين المحترمين : "الميلي" و"الشيخ" أن يحددا لنا مستوى مسؤوليتهما مما وصلنا إليه من سلوكات في المنظومة التربوية والجامعية كذلك. وقد نبهنا إلى مسائل جوهرية فيهما: "المنظومة التربوية"، و "الجامعية"، وقلنا إن لم يستدرك الأمر وبسرعة فإن مستوى تشاؤمنا من انسلاخ أبنائنا عن مكونات شخصيتهم الوطنية يكون عاليا، ومشروعا دون أية ديماغوجية وقدمنا أمثلة عن برامج منظومتينا آنذاك وعن منظومات الأشقاء في تونس والمغرب مع أن ما نملكه من تراث لكل فترات تاريخنا وباللغات التي عرفها وطننا لا يملكها أي قطر من القطرين الشقيقين. ومن قبيل الذكر لا التذكير هل يعقل أن لا نجد في مراحل التعليم في المنظومة التربوية الوطنية من الإبتدائي إلى الثانوي حتى البكالوريا لا نجد إلا اسمين أو ثلاثة من أبناء هذا الوطن في العلوم الإنسانية، وهو الوطن الذي أنجب شعبه أول شاعر بالعربية في العهد الرستمي ناوأ "دعبل الخزاعي"، ومن هو "دعبل" كما يعرف المختصون، ولا نجد له ذكرا بأي صورة كانت أو ليس من العجب هذا حقا في حين نجد أن كتابا للمرحلة الثانوية في الشقيقة تونس لا يغادر. لا صغيرة ولا كبيرة توصل إلى الشخصية التونسية إلا وتوقف عندها، وأعطاها من الحضور والعناية ما تستحقه، ولنا أن نسأل بعد هذا عن المخزون المرجعي الثقافي والحضاري عند الشاب التونسي عن ذاته عبر التاريخ ونسأل بعد ذلك عن الأمر نفسه عند شبابنا، ثم نكون صادقين مخلصين أوفياء في إجابتنا عن التساؤل من يتحمل المسؤولية عما هو عليه شبابنا في هذا الجانب؟ ولا أجيب بطبيعة الحال.
والأمثلة من الحاضر إن شئنا كذلك كثيرة وكثيرة ولربط الصلة من جهة، وتوسيع إلى الأبعد والاعمق والقريب منا جدا نتساءل وقد أحيينا الذكرى الخمسين لثورة نوفمبر الخالدة نتساءل عن العناوين التي انتخبتها وزارة المجاهدين وطبعتها بالمناسبة، وكم نسبة صلتها بالموضوع. ونتساءل عن تكريمات الفنانين الذين كرمتهم بالمناسبة أيضا من هم، وما علاقتهم بالإبداع في الثورة. بل وهل توجد صلة بين أعضاء تلك الفرق وما يتعلق بالثورة التحريرية، وهل سجلت أي لفتة إلى أية فرقة من تلك الفرق التي كانت تحي حفلات في أثناء الثورة بأناشيد، وأغاني كلها من صميم الثورة، ومن أعضائها مجاهدون في صفوف جيش التحرير. وجبهة التحرير. وهل يعقل أن تسمي تلفزتنا في نشراتها الإخبارية المعالم التذكارية المقامة للشهداء. أن تسميهم بالنصب متجاوزة بذلك تسمية الجهات المسؤولة والمفهوم الديني للمعنيين.
قد أكون سيدي الرئيس قد كتبت بلغة الماء وليس لغة الخشب أعني أن كتابتي هذه ممحوة من الأساس ليس لدى فخامتكم معاذ الله في تصوري لأن ضابط جيش التحرير باليقين يقدر أيما تقدير كل ما يقال عن الثورة التحريرية ولكن عند من أوصلنا إلى ما نحن عليه من الهزلية. بل والبهلوانية في تحديد قضايانا الجوهرية والمصيرية وكيفية معالجتها، والتعامل معها وعند تلامذتهم وأحفادهم ولحسن حظهم، و سوء حظ الوطنيين الأصلاء أن هؤلاء هم النافذون في كل شيء، ومنذ استرجاع السيادة الوطنية، أو من يعد من فاقدي الشيء، وهؤلاء نظلمهم إن ذهبنا إلى تحميلهم ما لا طاقة لهم بالقطع، ولا نفعل ذلك أبدا.
إنني فخامة الرئيس، ومن وجهة نظر مواطن بسيط عادي يتموقع مع كل متموقع في خنادق الوطن. ولا أزايد أبدا بهذا عن أي كان ولكني أقف بكل صلابة وتحد وبكل ماهو مشروع متيح لي في وجه وطريق كل من لا يرى الوطن هذا الغالي الجزائر إلا بطاقة تعريف ومكاسب ومغانم، وأزايد، وأزايد، وأزايد بكل صراحة وصدق عن هذا الصنف، وهذا النموذج من الخلق الذي ما يزال ونحن ما نزال نعيش الذكرى الرابعة والخمسين لثورة نوفمبر المجيدة، ما يزال يعيش بسلوك السيد والعبد، وعقلية التابع بالمتبوع، وفوضى الشخصية لعدم الثقة في نفسه، ما يؤكد لي أننا نحتاج إلى تحرير ثان لمجتمعنا لسانا، وسلوكا، وعادات، وتقاليدا... وإلا فإن كل طموح، وكل مشروع، وكل أمل، وتطلع يبقى يراوح مكانه. ونبقى في حلقة صدى أصواتنا الصارخة التي لا تتجاوز آذاننا. وإذا كان أول الغيث رضاضا، فإن أول ما يضع الحصان أمام العربة في بناء مسيرتنا بسلام وصحة هو أن تعطى القوس لباريها" في كل حياتنا. وأول مسؤول عن فعل هذا هو سيادتكم يا فخامة الرئيس المجاهد ولا شك.