دوغول ساركوزي: "ما أشبه اليوم بالبارحة"
كان ذات زمان في قمة عنفوان ثورة نوفمبر الخالدة كان من اعتقد أن، مشكلة الجزائريين وهمومهم تختصرها لقمة العيش فإن نالوها أعادوا الهدوء والأمن إلى ربوع بلادهم، وتعايشوا مع فرنسا الإحتلال، والإستيطان، والقمع، والتجبر، والتسلط. فأعلن "دوغول الرئيس" عما يعرف بمشروع قسنطينة، والذي أراد من خلاله عزل أبناء جيش التحرير، وجبهة التحرير عن عمقهم الأصيل، وخزانهم العميق الذي لا ينضب، فبشر برفاهية، و بسعادة، و بعز مقيض الأمس القاتم، المدقع، المجهل، والممرض، والمفقر، وهكذا دواليك.
لكن شعبا بهامة الشعب الجزائري، وأمة بعمق الأمة الجزائرية أصالة، وعراقة، ومجدا، وحضارة، وثقافة، وسموا، وكبرياء، صهرها التاريخ عبر أزمنته المختلفة، وعهودها المتعددة المتباينة يستحيل أن يكون البطن همها، والخبز حاجتها و غايتها، وذاكرة كل أجيالها تعبق بتضحيات قلما عرف لها التاريخ مثيلا دفاعا عن عزتها وكرامتها، وشموخها... فقلب ظهر المجن على صاحبه، كما هو مدون بدماء مليون ونصف مليون شهيد.
وشاء القدر أن يعيد الزمن المقولة "ما أشبه اليوم بالبارحة". مع "ساركوزي" الرئيس والدوغولي الإنتماء كذلك، وفي مدينة "الإمام ابن باديس" نفسها. إمام الأئمة بما حمله من مشاريع استثمار كما قيل، والفرق الوحيد أن "دوغول" أتى على أنه رئيس على الجزائر عنوة أيضا، و "ساركوزي" أتى على أنه رئيس فرنسا فقط. أما ما عدا هذا فإن حناجر أبناء وأحفاد جيل نوفمبر قد صرخت، وفي كلمة واحدة "وان،تو،ثري فيف لالجيري". و "لالجيري مونامور".. تماما كما قال آباؤهم وأجدادهم ذات يوم لـ "دوغول" عندما أطلق شعار "الجزائرية جزاية" فيما عرف بالجبهة الثالثة "الجزائرية عربية مسلمة".
قطعا لدينا نحن أيضا "كارزايات"، و"شلابيات"، و"دحلانيات" ... ولكنها ولله الحمد. وبالرغم من وخزها الدائم بجسم الأمة، فإنها تظل في حجم جحورها التي تضيق مساحتها يوما بعد آخر. وقطعا فإن صورة أبناء الجزائر في قسنطينة التي انسحب عليها الأثر: "من شبه أباه فما ظلم" فإنها بالغة وعاجلا إن شاء الله إلى غلق تلك الجحور إلى الأبد.