فواصل وطارية: تأسيس و بوح
1- عبور:
بدءا يغدو من الضرورة بمكان التنويه ببسط سجاد عبور منسوج بفضاء ما يضع العنوان في الإطار الأساسي للمستقبل، و ذلك بموسم في التواصلات المحدودة التي تقاطعت بيني و بين المرحوم الأديب الطاهر وطار.
لقد كان ذلك في منطلقه في الستينات بمدينة مروانة حيث أشرف على تأسيس قسمة جبهة التحرير بها، و لأني واحد من مناضليها كنت ضمن الحاضرين في اللقاء من جهة، و الفائزين بعد عملية الإنتقاء من جهة أخرى في قيادة القسمة.
و هناك في اللقاء ذلك و ببسمته المعهودة سألني إن كتبت شعرا عن الحملة الوطنية المنظمة من لدن قيادة الحزب في السياق هذا فأجبته لا شيء حصل من ذلك بعد.
و من ذلك الحين توقف أي تواصل بيننا حتى مؤتمر اتحاد الكتاب في أوائل السبيعينات ( 1975 ) على ما أذكر حيث التقينا مجددا في قاعة المؤتمر بمقر الإتحاد حاليا، و فيه كشفت التنافس الحاد بينه ( وطار ) و بين المرحوم الدكتور ( محمد مصايف ) على المرتبة الأولى في العملية الانتخابية لقيادة الإتحاد، و هو التنافس اتضح لي لاحقا أنه لم يكن أساسه التموقع القيادي الإداري، أو التنظيمي في الإتحاد، و إنما كان أساسه ممثلا في من يتمتع إيديولوجيا أكثر في وسط الكتاب بخاصة و المثقفين بعامة، فضلا عمن يبدو أرقى إبداعا من الآخر. بل و أبعد من ذلك، و هو أنهما استدعيا الإنتماء السياسي لكليهما الذي يخص كل واحد منهما قبل ثورة التحرير، ثم و بعد استرجاع السيادة الوطنية.
و كما هو معروف فإن العملية الإنتخابية أوجدت إشكالا بينهما في صوت واحد حيث أن الورقة التي تحدد الصوت لهذا أو لذاك اعتراها بعض ما يثير الريبة بشأنها ما جعل كل واحد منهما يدعي أنها من حقه.
و بعد المناسبة تلك يعود الإنقطاع بيننا إلا ما كنت اتبعه مما ينشره و بخاصة في الجرائد و المجلات الوطنية، أو عناوينه القصصية و الروائية، الأولى إذ ومن قراءتي تلك لبعض أعماله هاتيك نشرت مقالا مطولا يمكن تسميته بحثا عن قصته " الشهداء يعودون هذا الأسبوع" في مجلة الثقافة الصادرة بالجماهيرية الليبية سنة 1988 بعنوان " الشهداء يعودون هذا الأسبوع بين التخلي و البحث عن البديل". ثم أثبته في كتابي الموسوم ب " دراسات و بحوث في الأدب الجزائري". و الذي سيصدر في الأيام القادمة في طبعة منقحة و إضافات كثيرة عن دار الهدى بعنوان " إطلالات مقارب للأدب الجزائري" و هو بحث أو مقال لم يرق مرحومنا ( سي الطاهر)، كوني مضيت في غير سياقه الاديولوجي من جهتي ووقفت شبه ذلك فنيا أو قريبا منه مع رأي الدكتور (محمد مصايف) بخصوص تعامل ( سي الطاهر ) إبداعيا مع شخصيات ( أعماله الروائية و القصصية ) .
و تتأكد هوة التباعد بيننا بعد أحداث أكتوبر 1988 التي نجمت عنها التعددية في كل شيء بأساس، أو بدونه إذ أنه أطلق شعاره المعروف عند كل متابع لتصريحاته و الممثل في قوله" المغرب الأمازيغي الكبير " ، إذ كنت أرى في ذلك إضافة اديولوجيا أخرى أساسها يكون ما يكون عرقا، أو لسانا، و هو ما لا نحتاجه في تلك الفترة بالذات التي كانت البلاد تعيش أوضاعا أكثر من مقلقة بسبب استغلال المتربصين بها كل الفرص من أجل رفع حالة الإستقرار التي كانت تنعم بها و لمدة غير قصيرة كما نعلم.
و يبدو أن القوة التي تمكنت من الحضور الفاعل في تلك الفترة أكان راشدا ذلك الحضور، أم غير راشد لم يسعف ( سي الطاهر ) في الاستمرار على تموقعه ذلك الذي حدده في شعاره السابق. ما جعله يفتح آفاقا أخرى و فضاءات تتماشى مع الواقع المتحول، و الذي تغطيه عشية المأساة بعض من الملامح التي قد اعتقدها البعض انها ماضية للتأصل، أو على الأقل للاستمرار بمستوى من المستويات.
و جاء اللقاء الآخر بيننا في منتصف عقد 2000 بباتنة على ما أذكر حيث استضافته جمعية طلابية مع الكاتبة ( زهور ونيسي ) بمناسبة يوم العلم، و فيه أهدى لي نسخة من رواية (الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي) و ألتمس مني أن أكتب عنها شيئا، و هو ما لم أفعله بعد مع الأسف الشديد، علما بأني لم أعده بشيء من ذلك بسبب انشغالاتي الأكاديمية التي لا تسمح بوقت إضافي لي لأستغله في غير التدريس و متابعة رسائل الطلبة إلا نادرا و لحد الآن.
لقد كان في الجلسة فاعلا بقوة إن لم أقل فارسا على الرغم من أنه لم يتقاطع مع كثير من مناقشيه، و يبدو أن هذا الاختلاف هو الذي جعل مشاركتها في الندوة شبه غائب لدرجة تحرجه كما قال لي ذلك بعد الجلسة أورده كما قاله لي في " البوح".
و دون أن أسترسل مع اللقاءات الثلاث التي تمت بيننا في مقر الجاحظية، و منها بخاصة اللقاء الذي تم بدعوته لي عندما علم بوجودي في العاصمة حيث طلب مني تقديم محاضرة أختار موضوعها فاقترحت عليه" عفيف الدين تلمساني و ديوانه بين بتر المشارقة، و إكمال المغاربة..." كما أذكر بقصد الكشف من قبلي عن الإساءة التي يتعامل بها بعض المشارقة مع تراثنا. فبرمج الموضوع في أجندة نشاط الجمعية و حدد له تاريخا لكن الإيجاز لم يتم لأن شروط تنقلي من باتنة في الموعد لم توفر لي ما جعلني أغيب عن الموعد.
2- تأسيس: ( أربعينية السعداني و جائزة الرواية)
و بلفتة مني و من مجموعة من مثقفي باتنة، و في حالة شاذة منهم تجاوبوا مع اللفتة فتمكنوا من الحصول على ما ينبغي من المساعدات لإحياء أربعينية الروائي القاص المرحوم ( الهاشمي سعيدني ) من تحصل حاصل أن تكون أسرة المعني متماشية مع المبادرة، و مساهمة فيها بكل ما تستدعيه، و ما يمكن أن تقدمه.
و ذاك ما حدث بالفعل، إذ أشرف أكثر من عضو منها على اللقاء الذي تم بدار الثقافة بباتنة، و الذي تم في جلسته تشكيل لجنة إشراف و تنظيم فعاليات الأربعينية، و لاعتبارات كثيرة لا أستطرد معها هنا أخترت رئيسا للجنة غيابيا كوني في يوم اللقاء كنت في الجزائر العاصمة. و ككل لجنة، فإنها و منذ تشكيلها لم يلتتم شملها قط في كل الجلسات التي عقدت للغاية، حتى لم يبق فاعل فيها في النهاية إلاي و أسرة المرحوم ( سعيداني). وبخاصة رؤساء الجمعيات الذين تحمسوا للعملية و حين وجدوا أن لا مقابل يجنونه أمسوا في خبر كان. و لما كان ( سعيداني ) رئيس فرع الجاحظية بباتنة، و صديق رئيسها فمن الأساسيات أن تكون الجاحظية ملزمة بحضور أن لم يكن استثنائيا يكون مقبولا على الأقل، فضلا عن شيء آخر سأذكره في البوح لاحقا. و هو ما جعل ( سي طاهر ) يتجاوب تجاوبا مطلقا مع الحدث. دون أي مساهمة من جمعيته بأي جهد، أو رمزية مادية تذكر.
و من هنا كان يجري التنسيق بين اللجنة و الجاحظية، وولاية باتنة المعنية كذلك بالحدث كون ( سعيداني) كنا موظفا فيها. و أسرته. ثم تختزل الجهود في النهاية في جهدي الشخصي، و جهد الأسرة الكريمة.
و هكذا اتفق على مادة نشاط الفاعلية وحددت لها أمسية بالمسرح الجهوي بباتنة، فدعي إلى تنفيذ نشاط الفاعلية اسماء من الجاحظية، و أخري من باتنة و في اليوم الموعود من سنة 2006 استقبل ( سي الطاهر) معبعض من مرافقه في الصباح ببلدية ( جرمة ) التابعة لدائرة (المعذر) موطن مولد الكاتب ( سعيداني ) من قبلي و المسؤولين المحليين، و أقيم على شرفهم حفل رمزي بالمناسبة و ألقيت كلمات ترحيبية و في السياق المقصود، ثم انتقلنا إلى مدينة باتنة حيث المسرح الجهوي الذي تجري فيه فعاليات المناسبة و هو ما تم مساء مع الأستاذة و المسؤولين و هم ( أحمد منور ) ، و ( ابراهيم صحراوي ) و ( محمد الهادي بوطارن ) ، و الأمين العام لوزارة الثقافة آنذاك، و الدكتور ( بلعيد عزيز) ( الطبيب )، و مدير الديوان الوطني للثقافة و الفنون السيد ( لخضر بن التركي) و آخرون ربما نسيتهم، و في جلسة الأربعينية تلك التي توليت تسييرها كان السيد والي الولاية يتصدر حاضريها، و تحدث فيها ( الجلسة) ( د.أحمد منور) من الجزائر و (د. الطيب بودربالة) من باتنة، و الطالب ( ابن حركات) الذي قدم رسالة ماجستير عن المرحوم سعيداني، فرئيس الحاجظية ( سي الطاهر) و في الجلسة أعلن عن تأسيس جائزة ( الهاشمي سعيداني ) للرواية محددا مصدرها التمويلي الذي يأتي من فوائد البنك من المبلغ المالي الذي أودعه فيه، موثقا ذلك بوثائق رسمية حتى تبقى الجائزة مستمرة في حياته، و بعد مماته أيضا مشيرا إلى الأسباب التي دفعته إلى تسمية الجائزة باسم ( سعيداني) و منها أنه ( حركاتي) أي من ( الحراكة) و هو نفسه (سي الطاهر) كذلك من ( الحراكة) و أن سعيداني لم ينل حقه في حياته كذلك بالرغم مما له من مميزات شخصية، و بخاصة منها شخصيته القوية التي لا تستسلم بسهولة إلى جانب جهده في الجاحظية، و قناعة ( سي الطاهر) بالمستوى الجمالي، و الفني لأعمال الكاتب.
و في هذه الجلسة ولدت جائزة ( وطار) للرواية باسم ( الهاشمي سعيداني) و أذاعة التلفزة الوطينة الخبر في تغطيتها للحدث في حين لم تحضرها الصحف الأخرى. و بخاصة منها الورقية و التي نستغرب أن إحداها الآن تفتخر بتكريم المرحوم ( وطار) و أين في (باريس) !! التي جاهد وطار طوال حياته من أجل إخراج أبنائها من الجزائر كمستعمرين عمليا و ماديا ثم فكريا و ثقافيا، و بتبعية مخزية إلى الآن. و المدهش أن يصل تكرار هذه الحادثة إلى درجة أنها أمست قميص عثمان بشيء من المن و التلذذ إلى درجة أن صار في موقع المقولة " الشيء إذا زاد عن حده إنقلب إلى ضده" و في مقابل هذا، فإن تساؤلا مؤرقا لي لم أجد له مسبوغا كذلك كنت سأوجه إلى ( سي الطاهر) لو كانت حالته تسمح بذلك و هو كيف قبل هذا في بلد عرف ما يكن نظامه لبلدنا و يكفي إصداره قانون " تمجيد الإستعمار ". و قد نشرت عنه بحثا مطولا في حينه في أكثر من جريدة وطنية و هو ما جعلني أيضا لم أهاتفه بالرغم من طلبه ذلك مني عن طريق د. (علي قادري) الطبيب المقيم بفرنسا حاليا.
و في اليوم الموالي لجلسة الأربعينية زرت و ( سي الطاهر) قبر المرحوم سعيداني مع إفراد من عائلته يتقدمهما ابنه الأكبر، و ابنته الكبرى، حيث قرأنا فاتحة الكتاب عليه و ألزمني ( سي الطاهر ) بقول كلمة للضيوف في الموقع، كونه لم يحدث له أن قام بشيء من ذلك في حياته، و لم يحدث أن زار أي مقبرة و أنه يتحاشى ذلك إطلاقا حتى قبر أبيه لم يزره، و هي فكرة راسخة في ذهنه قال لي أني أتساءل عن سبب تكونها عندي عن المقبرة و الأموات. فحسبه أنه لأول مرة في حياته يزور مقبرة و يتلو فيها فاتحة الكتاب.
و في منتصف النهار تناول طعام الغداء في بيت أهل ( سعيداني ) و الذي تغيبت عنه معتذرا بقصد تركه مع الأسرة (السعيدانية)، و بخاصة بعدما علمت أنهم ينتمون جميعا إلى الحراكتة ( كما قال ) و ألبس برنسا تقليديا من أجود الأنواع المعتز به، و لعله يكون المرة الأولى التي يكرم فيها ( سي الطاهر ) هذا التكريم، و هو خلاف ما زعم البعض بدعوى سبقه لهذا الفعل.
و في المساء من اليوم نفسه هذا عاد إلى العاصمة في حين سبقه بعض المرافقين له القادمين بسياراتهم.
3- البوح
أردت بهذا العنوان ما أعتقده إفضاء لي وحدي دون سواي- على الأقل – في اللقاءات السابقة و الذي لا يريد ( سي طاهر) قوله لكل الناس و ذاك منه ما أشرت إليه قبل حين و مالم أشر إليه ويجمل في الآتي:
1- "انتشاؤه المطلق في جلسة التنظيم الطلابي بالجامعة المتقدم ذكرها حين رأى الحوار مقتصرا بينه و بين الطلاب و ظلت السيدة (زهور ونيسي) شبه مغيبة إذ قال لي في نهاية الجلسة بغبطة و نشوة حرفيا: " هذه المخلوقة ظلموها لما جابوها معاي و راني و الله نشفق عليها المسكينة، راك معاي لأنك لاحظت هذا طبعا."
2- ندمه على الاعلان في جلسة الأربعينية على أنه " حركاتي" حيث قال لي بعد انتهائها: " لقد تسرعت باعلاني ذلك، و قد تم بانفعال مني، و دون مراقبتي ما أقول" ثم سألني " أترى ذلك يسيء لي و بخاصة في حضور السيد الوالي".
3- و باطمئنان تام، وقناعة كاملة أكد لي ان المرحوم" لهاشمي سعيداني، انتحر، و لم يمت موتتا طبيعيا معتمدا في ذلك على ماضي الرجل الذي يقول عنه إنه حاول ذلك قبل هذه المرة، و عندي أن هذا يثير سؤالا حقيقيا على الوسط الثقافي الوطني بالخصوص، لأنه صادر عن أقرب الناس إلى المرحوم سعيداني فعلا. بل و حافظة اسراره في كثير من القضايا.
4- سألني عن سبب عدم حضور زوجة ( سعيداني ) الثانية في الحفل و عن إمكانية لقائها، كما سألني عن غياب مساعدة المرحوم كذلك التي لم تكن لها الفاعلية اللازمة في المناسبة.
5- سألني إن كنت مرتاحا للوضع الجزائري السياسي و هذا في جلسة الجاحظية ليذهب إلى القول أنه جد متذمر من سيادة القبلية و الجهوية في حياتنا السياسية بشكل مخيف و لا أخلاقي و لم يحدث ان عاش مثله قط.
6- كان مرتاحا جدا لما يجري في العراق لظنه انه يقود حقيقة إلى الديمقراطية هو ما خالفته فيه جملة و تفصيلا طالبا منه استحضار تاريخ العراق قبل الحكم عليه و الاستعمار وصوره عبر التاريخ و سؤال نفسه بعد ذلك إن وجد خيرا في أي استعمار كان مهما تكن الأقنعة التي يتقنع بها عند غزو أي شعب من الشعوب في الوجود؟ !
هذه الفواصل " وطارية" كما اسميتها أوردتها هنا - مع أنه غير معروف عني الكتابة عن الأموات من الكتاب ممن عاصرت حتى الآن – و غايتي من ذلك هو أن فيها ما يعد شهادة عن أعمال قام بها المرحوم ( سي الطاهر ) و لأن ما نراه في الساحة عنه و عن غيره من الكتابات نادرا ما نجد منها التأصيل الحقيقي، و التماهي الواقعي مع المكتوب عنهم، و عن القضايا التي أثاروها، و غيرها و قد يكون ذلك إما بدافع الجهل، أو التجاهل، او النفعية، و الوصولية، و الإنتهازية، أو النرجسية، التي يبدو أنها تؤصل بشكل عجيب من قبل البعض حتى لنرى أنها ماضية لتكون سيدة حياتنا الثقافية و الإعلامية إلا مع من هدى الله، و احترم نفسه و يستحضر دائما الأثر العربي " يا ابل عودي إلى مباركك". رحم الله سي وطار و سخر لثقافتنا من ينزل كل أحد منزلته وفق مقاييس انصاف مثقفينا، و نجاها من قانصي الفرض، و الغوغائيين المرضى بالظهور بالأردية و أقنعة هي أو هن من بيت العنكبوت، و أضعف من مفرقعات الأطفال في المناسبات المختلفة و أتلف بسرعة الفقاقيع و أكثر.