الطوارق: الجذور و التموقع و نظام الحكم
أحتاج بدءا إلى التنويه بأن تعاملي مع موضوع "التوارق" محدود، فهو لا يتجاوز مطالعة فضولي بقصد التعرف على بعض ما يخصهم كون بعض سلطناتهم، أو قبائلهم، يكون سكانها جزءا من الشعب الجزائري والمغربي بخاصة، والشعب العربي بعامة.
و من هنا فإن الجهد المقدم هنا ينوء صاحبه بنفسه عن أي ادعاء يتسم بالإحاطة، والدراية، والتمحيص الدقيق. إذ أن كل ما يقرره هو أنه يقدم جملة من المعلومات التي وصل إليها عن طريق القراءة كما تقدم.
ولعله إن تجاوز شيئا من ذلك فإنه يقدم بعضا من التوفيق بين وجهات النظر التي ساقها باحثون بخصوص تسمية "التوارق" بأسماء مخلفة لأن معرفته لبعض اللهجات الأمازيغية، أو البربرية على الأصح مكنته من ذلك.
وانطلاقا من الخطاطة المرسومة للعمل، فإن ما يطرح في ضوئه هو النقاط:
1- التوارق ( التسمية )
2- الجذور و التموقع
3- و النظام الحكم
1- فبالعودة إلى المصادر المتمكن منها وجدنا التسميات:
"التوارق"، "التوارك"، و"الطوارق"، و"سيجلماسن"، و "إمازيغن"، و"كلتماجق"، أو "كلتماشق"، أو "كلتماهق"، وتسمية أخرى هي الأوسع والأشمل هي"الملثمون" التي أوردها ابن خلدون عن "المرابطين".
فإذا فحصنا هذه التسميات بما تقدمه لنا المراجع التي توقفت عندها، وجدنا أن كلمات "التوارق" بالقاف، و "التوارك" بالكاف، و "الطوارق" بالطاء فإنها لا تختلف في عمومها إلا بإبدالات الحروف "الكاف"، و "الطاء"، و"القاف". وقد ذهب من عدنا إليهم إلى القول بأن "التوارك" سموا بها، وكان من معنى "تركهم الهداية". و "الطوارق" وأرادوا بها أنهم ينتهون في "نسبهم إلى طارق بن زياد" القائد العربي الفاتح المعروف. و "التوارك" وتعني أن موطنهم الأصلي كان قرب تاركه و "تاركه" في الأمازيغية أو البربرية تعني "الساقية". وتنطق في لهجات منها كما سبق وفي أخرى تبدل فيها "التاء" بـ "الثاء" و"الكاف" بـ "القاف" فتصير "ثارقه"، و"ثارقة" هذه المتحدث عنها من قبلهم أي الساقيه يذكرون أنهم عنوا بها "وادي درعه" الواقع جنوب مراكش، و أيضا الوادي المسمى بـ "وادي الآجال"، في حين يرى غير أصحاب هذا الرأي أن "تارقا" اسم قبيلة أمازيغية سكنت بالمنطقة السابقة، ومن ثم تسمى "التارقي" بـ "التارقي".
والذي نظنه بالنسبة للتسميات الثلاثة المتقدمة هو أنها تعود في أصلها إلى جذر واحد سواء أكانت من "تارقه"، أو "ثارقه" أو "الطوارق"، أو "التوارك" فإن الإختلاف بينها ناجم في الأساس عن تعدد اللهجات البربرية، أو الأمازيغية، وهو تعدد يمس إبدال حرف في كلمة، أو أكثر بحسب نطق أصحاب كل لهجة، ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الدراسات الإستقرائية التوثيقية، هو أي من الكلمات السابقة الأصل، ولأي لهجة من اللهجات البربرية تعود إليها. بل وأبعد من ذلك ألا يمكن أن تكون، الكلمة الجذر في الأساس تؤول إلى المعجم العربي، ومع الإستعمال والتداول صارت على الصورة التي أعطت المستويات السابقة لها؟ !
أما اسم "اسجلماسن" فالذي بين أيدينا من المراجع تقول أنها تسمية أطلقت على كل الطوارق وأنها تعني "الملثمين"، ومن هنا كانت تسمية ابن خلدون لسكان الصحراء، الذين هم الطوارق بهذا الإسم "الملثمين" عندما تحدث عن دولة المرابطين كما هو معلوم في تاريخنا العربي الإسلامي ولعلنا إن أخذنا بهذا الرأي نجد تقاطعا بين تسمية هؤلاء الملثمين وبين منطقة بـ "المغرب" تدعى "اسجلماسن" وإليها ينسب صاحب الكتاب الشهير "المنزع البديع في الروض المريع" المعروف باسم السجلماسي وأما "إمازيغن" فإننا نجدها مستعملة أكثر من غيرها من كل التسميات التي ذكرناها، وتستعمل كذلك بإبدال بعض حروفها من سكان منطقة إلى أخرى، فهي ومع علمنا تاريخيا حتى الآن أنها تطلق على سكان المغرب العربي ومناطق أخرى متصلة جغرافيا بالمغرب العربي، ومع علمنا كذلك أنها تعني جد الأمازيغ المسمى "أمازيغ بن حام بن نوح". وجمعها "أمازيغن" فإنها عند طوارق "مرق"، و"غات"، و"تمنغست" تنطق "ايموهاغ" وفي "كيدال" و "أزواغ الغربي" بنهر النيجر فتنطق بـ "أيموشاغ". وفي "أيير"، و"أزواغ الأوسط"، و"أضير"، و"أزواغ الشرقي"، فتنطق "إيماجغن"، أو "إيموجاغ".
معنى هذا أن كلمة "إمازيغن" حدث لها ما حدث لكلمة "الطوارق" نتيجة إبدالات الحروف التي تدخل عليها، والتي هي في الأصل تعود إلى اللهجات الأمازيغية المتباينة فيما بينها شأنها شأن كل اللغات القديمة.
وإذا حاولنا اعتماد شيء من الترتيب التاريخي زمنيا لهذه التسميات فإننا نضع "إمازيغن" في المرتبة الأولى، ثم "الملثمين" في المرتبة الثانية على أساس أنها ترجمة لـ "اسجلماسن" الأمازيغية إن صحت الرواية التي تذهب إلى هذا الرأي.
ذلك أن الكلمتين "أمازيغن"، و"اسيجلماسن" متصلتان بتسمية أخرى تعني كل سكان المنطقة إلى حد أنها تلتقي مع الآراء التي تربط أصول السكان بالمشرق العربي وهي "البربر"، والتي تنسب إلى قائلها "افريقش" كما ذهب إلى ذلك "الكلبي" وابن خلدون في قوله: "البربر قبائل شتى من حمير ومضر ولقيط والعمالقة وكنعان وقريش تلاقوا بالشام ولغطوا فسماهم "افريقش" البربر لكثرة كلامهم، وسبب خروجهم عند المسعودي، والطبري، والسهيلي، أن افريقش استجاشهم لفتح افريقية وسماهم البربر، وينشدون من شعره:
" بربرت كنعان لما سقتها من أراضي الضنك للعيش الخصيب"
بيد أن "اسيجلماسن" أو "الملثمين" أنفسهم يفخرون بنسبهم العربي القديم. يقول أحد شعرائهم:
"قوم لهم شرف العلا من حمير وإذا دعوا لمتونه فهموا هموا
لما حووا علياء كل فضيلة غلب الحياء عليهم فتلثموا"
وتبقى كلمات التسميات الأخرى، فإنها كما رأينا تتفرع عن التسميتين هاتين "إمازيغن" و "اسيجلماسن" إلا تسمية "الطوارق" وما يطرأ عليها من تغييرات فإنها تعد عند الباحثين حديثة يقول في هذا المعنى د. محمد عبد الرحمن عبد اللطيف: "ولا يعرف أصل لهذه الكلمة (الطوارق) ولا كيف بدأ استعمالها لتكون اسما يطلق على الملثمين من سكان الصحراء الكبرى..." إلى أن يقول: "... فأخذت هذه الكلمة من الكتابات الأوروبية التي نقلتها من المراجع العربية في غرب أفريقيا فكتبت باللغة العربية على شكلها الحالي الطوارق بإبدال التاء طاء. أما قبائل الطوارق فإنها تسمي نفسها "إمازيغن".
يبدو لنا بعد العرض السالف للكلمات التي تسمى بها "الطوارق" كما تتداول الآن أكثر من غيرها يبدو أن تنوع اللهجات البربرية " الأمازيغية" كما تسمت الآن عند جل الدول التي تستعمل فيها قد كانت سببا في تغيير التسمية من مجموعة سكانية إلى أخرى بحسب إستعمالها لحروف أبجديتها. و أن التطور الحاصل الآن في مجتمعات هؤلاء قد أدى إلى إعتماد تسمية واحدة هي "الطوارق" و هي ما يعتمد في الخطاب الرسمي للدول التي يتواجد فيها هؤلاء، على أنه وفي كل الأحوال فإن ملاحظة جوهرية ينبغي أن تذكر هنا، و هي أن كل الكلمات التي أعطتها تسميات هؤلاء إنما هي عربية متداولة في حياتنا، و ما كان منها غير متداول فقد أخذ من جدر لغوي عربي صميم و للراغب في تأكيد ذلك العودة إلى المعاجم اللغوية العربية فإنه واصل إلى تأكيد هذا الرأي و لا شك.
2- الجذور و التموقع
لعلنا من بعض الإشارات التي وردت عن التسمية نكون قد أوجدنا منطلقا بكيفية مهيئة للسبيل الذي نسلكه لذلك، و إني لأجد أحسن ما ينطلق منه في مقاربة البحث عن أصل هؤلاء أو نسبهم تمثله الأبيات الشعرية لشاعر من شعرائهم حيث يقول في نص طويل عن نسبهم:
" و من طالع الأنساب أيقن أنه للمتون أصل لا يفاوقه أصل
إذ الأصل إما حمير هامة العرب و إما قريش المنتهى فيهم الفضل
و حمير ذو القرنين منهم و مالك و تبع منهم تابع الحق من قبل
فيا عجبا و الدهر جم عجائب و أنى ترى العمي الشموس التي تعلو
لقد حدد الشاعر نسب قومه، و أنه و إن حصره في قبيلة "اللمتون". أو في المجموعة التي تتكون منها إنما كان منه ذلك لأنه يتحدث في عموم النص عن "الملثمين" أي الذين أقاموا الدولة المعروفة بدولة المرابطين بقيادة "يوسف بن تاشفين".
أما شيوخ الطوارق فإننا حاورناهم عن نسبهم فإنهم يجيبوننا بما أثبته محمد سعيد القشاط عنهم حيث يورد الآتي:
" ولقد إلتقيت بكثير من كبار السن من الطوارق في الصحراء فوجدتهم ينسبون أنفسهم إلى العرب و يقولون إنهم من حمير جاءوا إلى الشمال الإفريقي بعد خراب سد مأرب، و بعضه تراه يحتفظ بشجرة نسبه في جيبه أو صندوق متاعه يريكها كلما دار الحديث عن أنساب التوارق تراه واصلا نسبه لقريش أو بالرسول (ص)، أو بأبي بكر الصديق أو بعمر بن الخطاب و بعضهم يرى أنه من سلالة عقبة بن نافع أو بعض الفاتحين المسلمين لشمال إفريقيا".
و بالعودة إلى أغلبية التوارق الحالية و التي تتشكل من القبائل (كل انصار) و (افوغاس)، و (ريقتاتن) و (كل المندل)، و (كل السوق)، و (منغاسن). و بالعودة إلى هذه القبائل فإننا نجدها كلها عربية فـ(كل انصار) تنسب نفسها إلى الأنصار بالمدينة المنورة، و (افوغاسن) و معناها (أهل النار) فيقولون إن جدهم (محمد المختار) من المغرب، و هو شريف عربي ينتمي إلى الحسن بن علي.." وريقتاتن قبيلة كبيرة من منطقة مالي ، ويعود أهلها إلى أحفاد محمد المختار كذلك و (كل اغلال) و معناه (أهل الأغلال) أي أنهم من حملة القرآن الكريم و الثقافة العربية و يقيمون في (شنقيط الموريتانية) و بعضهم رحل إلى (النيجر).
و (كل السوق) معناها (أهل السوق)، و هم من (برقة) إلتحقوا بمناطق عدة حيث يقيم التوارق ما يزالون لا يستعملون إلا العربية الفصحى فيما بينهم، و يستعملون التارقية مع التوارق ليس إلا.
أسما (منغاسن) فسكانها يتواجدون في درج، وأوياي.
إن توزيع القبائل التارقية العربية بحسب التسمية السابقة هذه، إلى جانب مناطق تواجدها في واقع الأمر يظل مغيبا لإسم يجمع أكبر القبائل العربية، و كذلك بجهل المنطقتين الأصليتين اللتين تواجدت فيها أول الأمر كما تهمل هجرات عربية حديثة أغنت القبائل الأصلية بالمنطقة عددا و عدة.
فالتسمية التي تشمل أكبر عدد من القبائل العربية بالمنطقة، و المستعملة البوم هي التي تعرف بـ"الأزواد" والتي يرى "إبراهيم ولد سيدي" و هو واحد من علماء التوارق أن بعض قبائل الأزواد المقيمة بالهقار ترجع إلى الأدارسة و تسمى بـ"الأفوغاس" و أن بعض هؤلاء يعودون في نسبهم إلى بني أمية.." و يضيف قائلا "و دون شك فإن معظمهم كانوا من أشرف البربر، وقد اختطلت دماؤهم و أحسابهم بأشراف العرب، سواء أكانوا من المغرب و الأندلس، أو من صحراء الجزائر اليوم، و تدل أسماؤهم و لهجتهم على الأصول البربرية ". يضاف إلى هذه الآراء التي تعيد بعض القبائل إلى عرب النيل إلى جانب هجرتي القرنين الحادي عشر و الثاني عشر اللتين قامت بهما قبائل عربية من البدو الرحل و بخاصة منهم بنوا هلال.
إن التعدد السابق المكون لقبائل التوارق، و توزعهم الذي يشغل مساحات شاسعة بحسب الفضاءات التي ذكرناها و التي تعود اليوم إلى دول عديدة: الجزائر، النيجر ، مالي، الصحراء الغربية، و موريتانيا، و المغرب، وليبيا و بقية مناطق أخرى في بلدان إفريقية أيضا.إن التعدد ذاك جعل الدراسات التي اهتمت بالموضوع في عمومها تكتفي باجتزاءات بحسب غاية الدارس و الهدف الذي يريد تحقيقه، و الخطاب السياسي الذي يسعى إلى تبليغه، فضلا عن العزف على مرجعيات تاريخية حدثت بين هذه القبائل و تلك. أو بين هاتيك و تينك، و بخاصة منذ دخول الاستعمار إلى المنطقة ما جعلها غير مستقرة و لن تستقر. بيد أنه من الواجب القول إننا نحن العرب إن لم ندرك المنطقة فإن ما تبقى من العربية فيها سيغدو في خبر كان كما حدث مع بعض القبائل التي اتخذت الفرنسية اليوم لغة لها تدريسا و ممارسة.
3- نظام الحكم
تطلعنا الدراسات أن التوارق لم يؤسسوا نظاما سياسيا وفق مفهومه المعروف عند الدول عبر التاريخ إلا ما كان من الملثمين أي المرابطين إلا أن للتوارق في الصحراء نظاما سياسيا يسيرون عليه. إذ تعارفوا عليه جميعا، و توافقوا على مكوناته، فحافظوا عليه عبر التاريخ.
هذا النظام هو الذي سموا مناطقهم عليه، و يعرف بـ "السلطنات" موزعة على سبع مناطق، و هي مناطق لا تعرف حدودا معينة وفق المألوف، و المتعارف عليه بين الدول كذلك و تلك السلطنات هي :
1- آزقر و تتكون من سبع قبائل موزعة على (التاسيلي) و (اغدامس)، و (إليزي) و مركزها بـ "غات" بالجنوب الغربي بليبيا.
2- سلطنة الهقار و أهما قبائلها أربعة. و مقرها الرسمي (تمنغست) و تتواصل مع أجزاء من النيجر و مالي.
3- سلطنة والليمدن كل أطرام، و تتكون من اثني عشرة قبيلة و الليمدن تعني (أهل الغرب) و تشمل مناطق من النيجر، و موريتانيا، و تمتد إلى سلطنة الهقار و إلى (بلامالانكي) التي تسكنها قبائل الزنوج البامبارا.
4- سلطنة تقريقريت، و تتكون من خمس و عشرين قبيلة، و معنى كلمة تقريقريت (الوسطى).
و هي في موقعها الطبيعي كذلك أي أنها تتوسط بقية السلطنات السابقة الذكر تضاف إليها سلطنة آيير، و سلطنة تمزقدا، و مركزها يقع بمدينة (طاوه) بشمال النيجر.
5- سلطنة آيير، و سميت كذلك نسبة إلى جبال تدعى (آهيير) التي يسكنها رعايا السلطنة و تلتقي في حدودها مع سلطنتي (آزقر) و (الهقار) و (تمزقدا) و (الليمدن)، و تنتمي أسرة السلطنة هذه إلى أصول تركية عثمانية ما جعل سلاطينها يدعون نسبهم إلى الأتراك. 6- سلطنة تمزقدا، ويبلغ عدد قبائلها أربع عشرة قبيلة، وقد ذكرها (ابن بطوطة) في رحلته و تقع بين سلطنة (آيير) و مملكة (كستنة) الهوساوية و (تقريقريت).
7- سلطنة كل أقرس و عدد قبائلها خمس. و هي أقصى سلطنات التوارق و تحاذي الهوسا، و منطقتها التي تحتلها تعرف بإسم (آضر). فإذا بحثنا عن نظام الحكم في السلطنة فإننا نجده يتكون من ثلاث هيئات، أو مؤسسات وتتمثل في السلطان، ويدعى بلغتهم "الأمنوكال" وشيخ القبيلة، ويسمونه (أمغار)، والإمام ومن الوسائل التي توضع تصرف السلطان، أو الأمنوكال (الطبل) الذي هو رمز أمور عديدة عندهم في السلطة، كما سيأتي. و السلطان أو (الأمنوكال) ينصب من طرف (لاماني) وهو مجلس يعرف عندهم بـ (الأتابالان) ويعني رؤساء المجموعات، ويعزل من قبل هؤلاء إن أرادوا، وهو الذي يتولى السلطات السياسية والعسكرية، يساعده في ذلك قانونيون (و يقصد بالقانونيين المتمكنين من الأعراف التي تحكمهم ) وحكماء وعلماء، يقومون بوظائف المستشارين، والقضاة وأئمة المساجد، والبعثات والسفراء، في حين يساعده في الجانب العسكري ما يعرف عندهم باسم (أمغار أنغامان)، ومعناه القائد العسكري ويتولى تدريب الشباب على القتال بالأسلحة المختلفة. أما الطبل الذي تظل مع السلطان فإنه عندهم رمز للسيادة، ولذلك فلكل قبيلة طبل عند (أمغارها) أي رئيسها على أن يكون أقل من حجم طبل السلطان.
ولأنه رمز السيادة فقد حددوا له وظائف يؤديها، وعينوا الأماكن التي يدق فيها وعن ذلك يقول (الخجي آمي) وهو من توارق (والليمدن) يقول: وأهم الأشياء التي يضرب فيها الطبل هي: (الأماني) أي التجمع العام. واختفاء احدى القوافل وتغيير مخيم الأمنوكال والإشعار بهجوم أعداء، وإعلان حرب، والعودة من عملية حربية، والهم بغزو وملاقاة الأعداء. والقيام بتغييرات خاصة بالسلطنة.
ولكل هذه الحالات شفرات معينة تبعث عن طريق دق الطبل، فإعلان الحرب يدق اثني عشرة مرة ليلا ونهارا بدون انقطاع، أما غزو الأعداء فيدق ست مرات، وعند اختفاء إحدى القوافل المهمة يدق مرتان، وهكذا دواليك مع بقية الحالات.
أما شيخ القبيلة (أمغار) فمن مجموعهم يتكون المجلس، وهو من يتولى تسيير شؤون قبيلته. وبخصوص الإمام فإنه يختار من بين الفقهاء المتمكنين من الدين الإسلامي ومهمته إرشاد السلطات وتنويرها في المسائل الدينية.
هذا غيض من فيض حاولنا عرضه بشيء من التكثيف الذي نتمنى أن لا يكون قد مسه الإيجاز المخل، أو الإطناب المسرف ربما عند البعض. منوهين إلى أنه ومهما نكن قد حاولنا منهجة جهدنا للوصول به إلى مستوى من التسلسل الشيق، والتبليغ الموفق، فإننا لا يمكننا الوصول إلى مسعانا هذا بحال من الأحوال لأن جهدنا في كل الأحوال يظل جهدا بشريا يعتريه الكثير الكثير، ولمن كان حظه مسعفا له يعتريه القليل على الأقل. وإنما الذي نؤكده فإن ما بدا من النقص إنما كان لسبب القصور لا التقصير، ويقينا أن ما وصلنا إليه هو ما نقر بأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأنه يكون عند البعض لو تولى أمره أبدع مما كان.