شباب باتنة النشأة و الانتماء و التجلي
نص المحاضرة التي ألقيتها يوم 27/01/2011 بدعوة من إدارة الفريق بمناسبة عيد تأسيسه التاسع و السبعين و أداء المقابلة مع فريق النصر الليبي بملعب أول نوفمبر.
يقينا أن أدبيات الحديث عن أي جمعية، أو هيئة، أو تنظيم، أو شخصية، تستدعي الإقرار سلفا أن شروط ذلك يتطلب جهدا غير هين يفضي في النهاية إلى الحصول على مدونة معلوماتية تسمح بالحديث بكيفية من الكيفيات على أن تخضع تلك المدونة لمنهجية تتوجب التصنيف، و التوزيع وفق الفضاءات المستنتجة منها. ثم الوصول إلى إقرار ما ينبغي إقراره في ضوء الحيثيات التي سمحت بحصر القضية، أو الإشكالية المتناولة. و اليقين أيضا أن مقولة القائل " إن الكلام على الكلام صعب" تعد و في موضوعنا صالحة بل تشفع بأخرى نظيرة لها من قبلنا، و هي أن الكلام على الكلام صعب، فكيف بالكلام إذا كان على الرجال، و على الوطن، و على الحرية، و السيادة في ظل احتلال استيطاني لم يعرف له التاريخ مثيلا إلا في الفترات الرومانية القديمة، أو ما عليه فلسطين الآن.
و تقيدا منا بالوقائع و الحقائق السابقة فإن واقع الحال، وفق المقولة " لكل مقام مقال" يلزمنا على السير بمنهج ثنائي يجمع بين صرامة التوثيق، و بساطة التقديم، و نمذجة المرجعية أو التمثيل. معترفين من البداية أننا لم نحصل على كل ما ينبغي الحصول عليه من المعلومات، منوهين كذلك إلى أن المقام لا يسمح بقول كل شيء، ولعل الظروف تسمح لنا بذلك يوما إن تمكنا من اصدار مؤلف عن هذه الجمعية ( المؤسسة ) شباب باتنة.
و فتحا للمجال و الخوض فيه فإننا نرى أن أحسن طريقة كذلك هي التوزيع التاريخي لمراحل نشأة الفريق إلى اليوم، أو السير التتابعي لمراحله وفق محطات فصلت بينها أحداث ذات شأن بدءا من إرهاصات التأسيس إلى الآن.
و تلك تتمثل في العناوين:
- النشأة و التسمية ( 1930-1937).
- العودة و التأصيل ( 1946 – 1954 ).
- بيان أول نوفمبر الواجب والغياب و الفاعلية و الإنجاز ( 1954- 1962 ).
- (1962 – حتى الآن) الطموح و العوائق و النتائج و الإصرار.
يؤكد أعضاء أسرة الجمعية ( الشباب ) أن واقع الجزائر في الثلاثينات من القرن الماضي و الذي كان يعج بحركية متنوعة، و متداخلة و بخاصة في المستوى السياسي و الذي فجرت حقائقه أكثر فاعليات احتفال الاستعمار الفرنسي بمرور قرن على استعمار الجزائر، و الذي دام سنة كاملة كما نعرف جميعا، فضلا عن التواجد السياسي لجمعيات سياسية ثقافية بباتنة قد خلقت عند ثلة من شباب المدينة آنذاك تفاعلا مع ذلك المحيط، و بخاصة حين رأوا بعض من أوجد تنظيمات تمضي في ركب المحتل، و تدعمه على الأقل بما ينشد من الأفكار الحامية لتكريس الوجود الفرنسي و طمس الشخصية الوطنية و التغييب الكلي لما هو وطني إن قولا أو ممارسته و سلوكا.
هذا يعني بالضرورة هؤلاء الشباب أو تلك الثلة منهم يكونون بقلقهم ذلك، و تطلعهم ذاك إنما يتفاعلون مع إخوانهم الذين على نفس النهج، و السياق، و بخاصة وهم يعلمون أن تنظيمات جمعوية قد جسدت أفكارهم عمليا في جمع نفسها في تشكيل معين، و بغطاءات مختلفة و بخاصة منها الرياضية، لأنها أقل إلفاتا لنظر الاستعمار إليها، كونها رياضية في مظهرها العام و الذي يسمح بتمرير ما يراد تمريره سياسيا تحت هذا العنوان "الرياضة".
و لأن من كان من شباب المنطقة ذا صيت متقدم، و موقع محترم في الفترة كان ممثلا في الشهيد "مصطفى بن بولعيد"، و الشهيد " العربي بن مهيدي ". فقد اتجهت مجموعة الشباب تلك إلى الرجلين، و استشارتهما في الإقدام على تكوين فريق رياضي يكون ظاهره كرة القدم، و باطنه خطاب الحركة الوطنية. و من تحصيل حاصل أن لا نقول أن جواب البطلين الشهيدين كان بالإيجاب بل نقول أنهما فرحا لذلك، و ابتهجا به، وظلا يدعمان الفريق لاحقا توجيها، و تمويلا كما حدث باستغلال حافلات (بن بولعيد).
إذن لقد كانت صدمة الاحتفال الفرنسي بذكرى استعمار وطننا، و نشاط الحركة الجمعوية المسجلة هنا و هناك، و الاستفزاز الذي كانت تمارسه جمعية أو جمعيات بالمدينة بممارسة ضد كل ما هو عربي إسلامي، وطني وفق المنظومة الاجتماعية الاستعمارية و بمضمون فكرها العنصري، و المهين للانسان الجزائري.
كانت هذه و بحمية وطنية، و أنفة جزائرية، و كبرياء قومية، و مجد تاريخي عظيم، و عراقة سيادية لهذه الأمة.
كان استدعاؤها عمليا من الأنا الوطنية العظيمة التي وقعت موقع العظم في حلق المستعمرين في المدينة و أذنابهم بخاصة، و في كل الوطن و بعامة أدت إلى تحرك جدي و فاعل من الشابين الوطنيين" محمد بوروبة" و "بشير بن غزال" هذا الذي يؤكد الجميع أنه بلي بلاء حسنا للوصول إلى تحقيق رغبة أقرانه من الشباب الوطني الصادق إذ تقدم و أخيه (بوروبة) بطلب اعتماد فريق يدعى" شباب باتنة". و كما هو معروف فإنه لا اعتماد لأي جمعية رياضية آنذاك ما لم يكن فيها فرنسيون، و يكون منهم رئيسها إلزاميا، و ذاك ما تم حيث تشكل المكتب من (بوروبه)، و (بن غزال)، و( جورج بوناك) و (الفاردو) و (اسحاق قج) و هو يهودي.
و اختير للفريق اسم " شباب باتنة" - كما تقدم - و لونا بذلته الأزرق و الأحمر و رمزه المتمثل في الديك. و لأن ابن خلدون يقول إن " المغلوب مولع بتقليد الغالب" فإنه و مع أن هؤلاء الشباب الذين حققوا إنجازات تكوين فريق لا ينطبق عليهم قول ابن خلدون بلاشك، فإنه و مع الأسف الشديد وجدنا من ابناء هذا الوطن من كان كذلك، فراح عن حسن نية، أو عن سوئها، و عن معرفة، أو عن جهل و قصد يربط اللونين، و رمز الفريق (الديك) بفرنسا و هنا أجد نفسي ملزما بتساؤل من شقين وهو من ملّك فرنسا اللونين الأزرق و الأحمر، و من أوقف الديك عليها دون غيرها من الأمم و الشعوب، أكان ذلك عن طريق عقيدة سماوية، أم عن منظومات و أدبيات هيئات أممية..؟ أم عن ماذا؟ أو ليس اللونان هما من صميم مكونات ألوان طبيعة الكون، و الديك أو لم يكن معبودا عند الشعوب في طفولتها، و قد نصت عن ذلك أساطير تلك الشعوب، و منها الأساطير العربية كونه يتميز بخصوصية طبيعية لم يتمكن إنسان تلك الأزمنة من تحديد سببها، و هي الصياح، و الدقة، في وقت الصياح، و المهتمون بالدراسات الانتروبولوجيا و الثقافة الشعبية بعامة يعرفون ذلك حق المعرفة، بحيث وصلوا إلى التأكيد من أن الشعوب البدائية حين تعجز عن تفسير ظاهرة من الظواهر، متصلة بأي شيء في الكون، فإنها تحولها معبودها تشاؤما منه، و دفعا لشره. كونها لا تستطيع التحكم فيما يصدر عن هذا المخلوق أو ذاك.
ثم أو لم يكن الديك و صياحه خاتمة كل جلسة من جلسات (شهرزاد) و (شهريار) البالغة ألف و ليلة، و هي من صميم التراث العربي الاسلامي لعهد أعظم دولة عربية اسلامية كذلك، و قد اعتمد نصها كتاب فرنسيون في أدبهم، و منهم (بودلير) و (موليير) و غيرهما من الألمان، و الانجليز وذهبوا إلى الحكم بأن "ألف ليلة و ليلة" بمتنها و أبطالها، و منهم الديك المراقب و المنظم لجلسات الملك شهريار و الملكة شهرزاد من ابدع ما عرفته الآداب العالمية.
إنه ليخجلني، و يحزنني، و حتى يؤلمني، و بخاصة حين يكون الأمر متعلقا بالنخبة و الصفوة أن نجلد ذاتنا عن قصد بما يسوق لنا من سم مباشر، أو مبطن بالدسم، فنصّير أنفسنا نحن العظماء بلا جدال أقزاما، و نستسلم لذلك أي استسلام، و نرتاح له أي راحة. إنه لعجب والله. و مثل هذا ينسحب على اللونين الأزرق و الأحمر اللذين من جوهر مكونات الطبيعة الكونية، و من معتمدات جل شعوب الدنيا بحسب حاجة كل واحد منها إليها.
وبعد اعتماد الجمعية، أو الفريق بتاريخ: 31/10/1932 انطلق من هذا التاريخ بشباب هم: (ابراهيم بورغدة)، قادري ...؟ (ابن ادريس الهاشمي) (موسى رزوق)، (لخضر ماضوي)، (عمار ميهوبي)، (علي كشيدة)، و (مصطفى سفوحي)، (بشير بن غزال)، (ليفي جورج) و(هيبار قليو)، و (ليفي جيل) و(هوبهودي).
واتخذ الفريق مقهى (بوعبسة) مقرا له حينا. و(النادي) أو ما كان يسمى كذلك آنذاك حينا آخر مع ملاحظة أن قيادة المسيرين حينئذ كان يتولاها (جورج بوناكو).
مضى الفريق من حينذاك في مهمتين الظاهرة (كرة القدم)، و (الباطنة) غرس الروح الوطنية في الشباب، والتنسيق في ذلك مع جمعيات أخرى، والإستفادة من توجيهات الشخصيات الوطنية لإعداد الناشئة إلى اليوم الموعود، يوم الثورة ضد الإستعمار الفرنسي، وقد تحقق ذلك فعليا إلى حد اعتبار تجاوب أعضاء الفريق هؤلاء، والآتين بعدهم لاعبون ومسيرون مع الثورة تجاوبا خرافيا كما سيتضح بعد حين. ومن المقابلات التي تأبى أحداثها مفارقة ذاكرة أعضاء الفريق الأحياء أبدا تلك التي جرت بالبرج سنة ،1935 و التي تعرض فيها الفريق إلى اعتداءات، ووقعت فيها أحداث يبدو وبحسب الأحياء من أعضاء الفريق إلى اليوم أنها لا يمكن أن توصف لتنوعها، وقوتها.
فإذا اندلعت الحرب العالمية الثانية أمسى الحاصل الذي لا يحتاج إلى تحديد و توضيح صانعا الحد الفاصل بين الانطلاقة، و الايقاف. باعتبار الواقع السائد على جميع الأصعدة، كما هو معروف، عند العام و الخاص سواء بسواء، فإذا وضعت الحرب أوزارها كان للفريق و قيادته حضوره في انتفاضة الثامن ماي .1945 بحيث قبض على أحد أعمدته، و هو الدكتور (سعيد بن خليل )و إخوانه (علي بوروبة) ، و (بومعزة)، و (موسى حرسوس) و (ابن غزال) و نفوا إلى معتقل الجرف، بالمسيلة و هو معتقل كان له ما كان في تعذيب، و تصفية الجزائريين في أثناء الثورة التحريرية. و حين هدأ الوضع، استأنف الفريق نشاطه بقيادة إدارية يرأسها(قاضي قدور) و عضوية (الطيب شيخي)، و معهما (صالح بوقره) و ( خزندار عبد العزيز) و (سعد العود حميده) لمدة سنة ثم يعقبه بعد ذلك (كمال مصطفاي) بدءا من 1947، و نلاحظ هنا اختفاء الفرنسيين من القيادة ما يعني تحرر الفريق منهم، و هو ما يمكنه من التخندق للوطن، وشعبه، و حركته التحررية التي كانت آنذاك ممثلة في حزب الشعب كما نعرف. و تكون الفريق من الشباب: (محمد نزار)، (شنوف بودي)، (بشير شوحة)، (مصطفى سفوحي)، (عبد السلام شاوي)، (درانه)، (صالحدحمان)، (ميلود هوامل و أخيه) و (بزوح) ،(زموري عمار)، (فرشه أحمد)، عمامرة صمودي)، (رشيد بوعبد الله)، (شناف عمار) ، (علي النمر)، (دخينات عيسى)، (سالم أحمد)، (عبد القادر قليل)، (حمودي قليل)، و(الهاشمي سفوحي)، و(جمال بوعبسة)، (عبد الحميد عمراني)، (مصطفى بوعكاز) ، (عبد المجيد بوعكاز)، (مستيك رشيد) و (مستك حسين) ، أعدم بالمقصلة بقسنطينة 1955 (عبد الله قليل)، (عمار حمامي)، (أحمد الشريف)، (رشيد دخينات)، (حسين قرداش)، (صالح نزار)، (عبد الوهاب شلغوم)، الأخوان دباش، (جياري)، (محمد عثامنة)، (عباس غزيل)، (ابراهيم حريزي)، (بلقاضي رزوق)، (بن ساعي عبد الله)، (أحمد سالم)، (بوليلة أحمد)، (بوليلة مسعود)، (رشيد نزاري)، (شعبان حزام)، (عبد اللطيف شاوي)، (صالح بخوش)، (رشيد سعيدي)، (عامر خلافنة)، (عبد الحفيظ خلافنة)، (سعيد دماغ)، (محمد بورغده).
و في هذه الفترة كان الفريق يؤدي دوره وفق منهجه المرسوم على المستويين الكروي و السياسي، محققا نتيجة متميزة حتى أن (ملبال) عندما قوم نتائج الفريق قال ".. إن حزب الشعب هو من كان وراء هذه الاستحقاقات و و النتائج و ليس فريق (الكاب)".
لقد كان (ملبال) صادقا في مقولته هذه لأنه تحدث عن الفريق بدراية و اطلاع. بيد أنه كان و كل من في المجلس البلدي لبلدية باتنة، طبعا و من ورائهم كل الفرنسيين كانوا يستعملون كل الوسائل المتاحة لعرقلة الفريق، و من ذلك مثلا حرمانه من الملعب البلدي، و الذي خص به الفريق الثاني بالمدينة التابع لهم، وملاحقة اللاعبين واستنطاقهم، واستفزازهم بمناسبة وغير مناسبة. ومن جملة الأحداث التي يحكيها أعضاء الفريق الأحياء اليوم بغصة ومرارة، وحزن عميق ما تم في المقابلة المحلية ذهابا وإيابا بتاريخ 03/12/1950 ذهابا، و 17 مارس 1951.والتي كانت فيهما النتيجة لصالح الشباب بهدف مقابل صفر ذهابا. وهدفين مقابل واحد في مقابلة الإياب. علما أن الفريق لعب مقابلة الذهاب بعشرة لاعبين منذ الدقيقة الخامسة من الشوط الأول حتى نهاي المقابلة، إلى جانب تفاصيل أخرى من الأهمية والدقة بمكان لعلها تجد مكانها يوما في عمل لنا عن الفريق إن أتيحت لنا الفرصة لذلك مع التنويه إلى أن السيدة المحترمة (فطيمة دخينات) قد خرجت متحدية كل الأعراف في ذلكم الزمن إلى الشارع راقصة و مزغردة تعبيرا عن فرحتها العميقة و الصادقة بالنتيجة التي حققها الفريق بما تعرفه عنه من المعاناة التي كان يعيشها و الظروف الصعبة التي يعمل فيها.
ويظل الأمر هكذا مع الفريق بين المد والجزر بحسب مقتضى الحال، وكان بمسيريه ولاعبيه من الذكاء ما يمكنه من تفويت كل الفرص على من يتربص به، أو يكيد له إلى آخر مقابلة له لهذه الفترة وهي مقابلة اليوم الأخير من أكتوبر 1954 بالقالة. إذ وجد المدينة حين عاد والتي وصلها في الساعة الثالثة صباحا من ليلة أول نوفمبر، وجدها محاصرة من القوات الفرنسية، وعلم أن الثكنة العسكرية المقابلة للجامعة الآن، والتي كانت للخيالة الفرنسية أساسا، وجدها قد هوجمت من مجاهدي ثورة نوفمبر، ووجد أعضاؤه بيان أول نوفمبر ينتظرهم، والذي دعت فيه جبهة التحرير الوطني كل التنظيمات إلى الإلتحاق بالثورة فرادى، وقد أكون كمن يفسر الماء بالماء حين أقول إن اللحظة هذه هي التي كان ينتظرها الفريق بشغف، ولكن التوثيق الحدثي سياسيا وعسكريا من هذه اللحظة يلزمني القول أنه، ومن تلك المقابلة، (بالقالة والشباب) وهذه اللحظة التي تلقى فيها الفريق بيان أول نوفمبر، وخبر الهجوم على الثكنة توقف وبكيفية آلية، وتلقائية عن كل أنشطته التي كان يمارسها من قبل، وتفرغ للعمل السياسي المباشر والمعلن، والعسكري المتمثل في التحاق جل أعضائه تقريبا بجيش التحرير الوطني، أو جبهة التحرير الوطني على مستوى الأحياء، والقرى كل بحسب تواجده، بالعمل الفدائي الذي عرفت في بداية أمره فرقه بـ "اسم المسبلين". وهو ما يقتضي التنويه إلى أن فرقا عديدة، وترى نفسها عريقة في الحركة الرياضية الوطنية قد توقفت هي الأخرى في بداية الثورة ولكنها عادت لاحقا لتمارس نشاطها بكيفية اعتيادية وكأن شيئا لم يكن.فإذا انتصرت الثورة الجزائرية المباركة، في التحرير، وتوجه مجاهدوها، وكل أبناء الشعب الجزائري الشرفاء الذين آزروها وواكبوها إلى الثورة الأخرى، ثورة البناء والتشييد، وعاد من بقي من أبناء الفريق إلى موقعه الأول، واستعرضوا تضحياتهم التي لم يبخلوا بها عن تحرير الوطن وجدوا أن عدد الشهداء وحدهم من اللاعبين والمسيرين يتجاوز ستين شهيدا، وأن من ما يزال على قيد الحياة منهم وشرع ينخرط في مسيرة البناء لا تتيح الوسائل الممكنة ضبطه أو عده لتوزع هؤلاء على مناطق مختلفة من الوطن.
ومن المؤكد أن الأثر الذي يقول:" من شبه أباه فما ظلم" يجد موقعه الدقيق هنا عندما نستحضر تضحيات شرفاء أبناء الجزائر في كل مقاوماته، وثوراته ضد الإستعمار الفرنسي، وقبله كل استعمار حاول نقل الوطن الجزائري إلى خريطة بلده، وضم الشعب الجزائري إلى حظيرة عبيده. فأبناء فريق الشباب إذا وبما قدموه من أجل الجزائر ماهو إلا وسام، المجد، والفداء، والأباء، والتضحية، والكبرياء، والشرف، والعزة في عقد أوسمة شعبنا الجزائري الذين لم تخل مرحلة من مراحله عبر التاريخ إلا وفعل ذلك بكل سخاء، وبلا حدود.
ومع يوم 19 مارس 1962 يوم إعلان "دوغول" انهزام جيشه، وديبلوماسيته أمام جيش التحرير، وجبهة التحرير الوطني، وخرج الجزائري المنتصر بالقيادتين جبهة التحرير، وجيش التحرير هاتفا في أهازيجه من مثل:
حررها جيشنا
********* 
فرنسا لمي قشــــــــــــك وما يغيضكــش الحــــــــــال
احنا ادينا الحريـــــــــــــــة وليلـــــــــــة الإستقــــــــلال
********* 
هزوا لعلامـــــــــــــــــــــــــــات هــــــــــــزوا لعلاـــــــــــات
افرحوا يا ســـــــــــــــادات الجزائــــــــر احيــــــــــــات
*********
جيش التحريـــــــــــــــــــــــــــر جانا مــــــن قبلــــــــــــــــه
اربحنا الإستقـــــــــــــلال والدولة عربيــــــــــــــــــــة
*********
دوغول ما نتاع الهمه نيفو طويل امليح للشمة
ثم ومع استكمال تقرير مصيره في (الثاني من جويلية من السنة نفسها 1962 ولأن الحياة ستكون أجمل، وأسعد في ظل استرجاع السيادة الوطنية شرع مجموعة من أبناء الفريق في التهيئة للعودة إلى الميدان، فتعرضوا إلى عراقيل شتى غايتها إيجاد فريق واحد بالمدينة، أو بالولاية على أن لا يكون الشباب، لكن عزيمة ثلة من أبنائه المخلصين أبت الإستسلام لحجج واهية، ولمصوغات هي أشبه ما تكون بتلك التي وجدت في طريقهم في مرحلة التأسيس نفسها، فرفعوا راية التحدي وبخاصة وهم يمتلكون مرجعية ناصعة نصاعة الشمس تتمثل في المجد الذي صنعه الفريق في مراحله المختلفة السابقة.
ولكي تضع المجموعة تلك المعترضين والمعرقلين لعودة الشباب أمام الأمر الواقع لجأت إلى ما يمكن أن تعبر عنه عملية "وضع العربة أمام الحصان"، وليس العكس كما تقتضيه الطبيعة، إذ لجأت تلك المجموعة إلى جهدها الذاتي، ووسائلها الخاصة، يقودها المرحوم (كمال مصطفاي) والذي يظل رئيسا للفريق عمليا ثم شرفيا حتى سنة 1975 سنة وفاته ليعقبه كذلك المرحوم (صالح دحماني) فـ (الطبيب شيخي) فــ (الدكتور شرفي)... وفي هذه الفترة تمكن الفريق من الصعود إلى القسم الوطني الأول. وفي سنة 1977 عندما تقررت إصلاحات رياضية على مستوى النخبة الوطنية، والتي حدثت بسبب حادثة الملعب الخامس جويلية بمناسبة مقابلة كأس الجمهورية. تقرر أن تلحق كل الفرق بمؤسسات اقتصادية وطنية. فألحق الفريق بمؤسسة النسيج، وأخذ تسمية (شباب نسيج باتنة)، و(آمال باتنة) حينا، وفي أخرى (شباب الأوراس باتنة) واستبدلت ألوان الفريق بأخرى. وظل الفريق يراوح مكانه بسبب تدخلات كل من هب ودب في شؤونه ما أثار حفيظة بعض أبنائه وبخاصة منهم الشباب (فرحي)، (بوعبد الله)، (سامعي) فسعوا جادين بتوجيهات من قيادات الفريق السابقة، وعناصر من أنصاره. سعوا إلى إعادة الشباب إلى خصوصياته كلها فانطلقت المساعي لتحقيق ذلك بدءا من الجلسة التي عقدوها بدار الصم البكم سنة 1988 لهذه الغاية. وفيها طرحت قضية رئاسة الفريق، فاقترح لها السيد (شيخي) ولكن (رشيد بوعبد الله) أعرب عن رغبته في الترشح للمنصب فأجابه (شيخي) بمقولته المشهورة: "نحن لا نتنافس على المناصب فهنيئا لك رئاسة الفريق". ولأن الأثر القائل "ما ضاع حق وراءه طالب" صحيح، فقد انتهت تلك الجهود باستعادة الفريق لكل خصائصه ومميزاته سنة 1991، وهو على ذلك إلى يوم الناس هذا، وعاد مرة أخرى إلى النخبة الوطنية سنة 2003، ووصل إلى نهائي كأس الجزائر، ثم تغيب عن النخبة الوطنية سنة 2003، وفي مدة وجيزة عاد إليها أي في الموسم 2004، ثم غاب مرة أخرى عن النخبة الوطنية 2005 وعاد في 2009، ليعود مجددا إلى الوطني الثاني وهو فيه حاليا، والأمل معقود وكبير أن يسترجع تموقعه في هذا الموسم في النخبة الوطنية، العليا كذلك.
  والخلاصة إنها ورقة مستدعاة من سفر عظيم، مجيد، خالد لا يمكن حده بحال من الأحوال، ولا ضبطه وإلى أبد الآبدين.
ذلكم السفر المدون بدم شرفاء وطنيي شعب الجزائر، والمرصع بذهب تراب وطنهم.
حاولت تقديم شيء فيها عن شباب آمنوا بمقولة (أبي بكر الصديق): "اطلب الموت توهب لك الحياة". فطبقوها، فتم لهم ذلك، وحققوه لشعبهم أيضا. فلأرواح الشهداء منهم وكل شهداء الجزائر الإنحناء والخشوع. وللأحياء منهم الشكر كل الشكر والعرفان. وكل الزمن وإلى الأبد وجزائرنا الحبيبة الغالية بخير، وعزة، وسمو، وهيبة، ووقار ولدولتنا الإزدهار والتقدم والنجاح
. بقلم الدكتور العربي دحو