الأمازيغيةُ وطنيةٌ و وطنيةُ الأمازيغيا
عاش الوطن من أقصاه إلى أقصاه، حدثا في الثلاثاء هذّا الأسبوع تجسد في الخطاب فخامة رئيس الجمهورية الموجه للأمة. هذا الخطاب الذي كان تتويجا في الأساس لمسيرة جهود بذلت من أجل تجاوز وضع أظنه عارضا ناشئا عن تراكم تصورات، ورغبات، وتوجهات قيل عنها ما قيل، ويمكن أن يقال عنها لاحقا في سياقات مختلفة ما قيل وأكثر، إذ ومنذ أمدو وسائل الإعلام تذهب في أقوالها إلى وجود شيء، أو أشياء تهيؤ على مستويات الدولة العليا بخصوص منطقة القبائل .
ومن الأكيد أن توقع وسائل الإعلام هذا يستند إلى مؤشرات كانت مرفقة لحملة السيد عبد العزيز بوتفليقة الانتخابية، ثم تجلت في شكل صدمات كان يرسلها من حين إلى حين في بعض خطبه لتتبلور أكثر مع ماعاشته منطقة القبائل طوال المدة المعروفة لدينا جميعا، على أن تغدو مجالا للمد والجزر في السياق الذي ينبغي أن ينتهي بها إلى الآفاق المستقبلية التي تنهي دمَّلها هذا الذي يفقأُ من حين إلى آخر بالمناسبة وغير مناسبة، وفق برامج مؤسسة، وغير مؤسسة لأن فاعليها في الغالب من خلف الستائر لا يعدو طرحهم مقايضات أصبحت مستهلكة لحد القرف وتبعا لهذا التوجه"الصدامي" المحسوب تشكل الفريق العلمي الفعلي،ال>ي ترأسه السيد رئيس الحكومة الأستاذ "على بن فليس"،وهو الفريق الذي اتضح أنه خلاف كل الفروق الأخرى التي اسندت لها مهام في قطاعات معينة، بحيث اتسمت مسيرة هذا الفريق بمنهج مغاير تماما باعتماد ما كنا نتلقاه من رئيسه السيد" علي بن فليس"، وما آنتهى اليه في آخر المطاف، إذ تميزت منجزاته بالدقة، وبالوعي الكامل، وبالمعرفة الدقيقة المشخصة للداء ومسبباته، فكان غائبا (الفريق) عن الأضواء إلا نادرا، ولا يخاطب إلا بما يسند إلى مرجعيات الأمة، وقيمها وتقاليدها المعروفة بالانسجام والتوازن، بعيدا كل البعد عن أية مواجهة على الرغم من الاستفزازات التي وصلت درجة الحدة أحيانا، ومن ثم ينبغي في اعتقادي، ومهما تكن ردود الأفعال على ما انتهى إليه فريق" بن فليس" من جنود الواجهة، والخفاء، ومن رجال آخرين من هيئات أخرى ظلوا في الظل، ومن أبناء القبائل أنفسهم، ينبغي أن يتخذ أسلوبهم هذا وطريقتهم هذه منهجا في معالجة أمهات القضايا التي تشغل بال الرأي العام الوطني. ومن ثمرات تلك الجهود المضنية ولاشك، وبصحة المنهج المتبع، ودقته، ونية أصحابه الصادقة، وتضحياتهم المنظورة تتوج عملهم ذاك بخطاب فخامة رئيس الجمهورية "عبد العزيز بوتفليقة" الذي يمكن أن تعطي المقاربات المتعددة لمضمونه الغني، وفضاءاته المتنوعة الكثير مما ينبغي أن يحاور ويناقش ليحرك الساحة الوطنية وفي مختلف منابرها ووسائلها الاعلامية تحريكا مشهودا يرسي تقاليد أخرى تمضي بنا إلى تكريس ضوابط سليمة لمواجهة كل مستجد في حياتنا السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والإقتصادية، وعلى جميع الأصعدة.
ولما كان الفضاء لايسمح هنا إطلاقا بالسير وفق منهج خطاب الرئيس، ولا يمكن استحضار كل مضمونه بحسب تصنيف مادته، وحقوله، كما هو محدد في هذه الورقة. فإني أكتفي بموضوع الأمازيغية من منظور واقعها، ومنظور توظيفها وفضاءات تقاطعها مع خطاب فخامة الرئيس، لأني ومن قبيل الذكر لا الافتخار من الذين تابعوا ويتابعون موضوع الأمازيغية هذا، وكان لي فيه بعض الكتابات ومنذ مدة طويلة نسبيا، وآخر مانشر لي في"صوت الأحرار" هو مقال مطول في حلقات بعنوان "الأمازيغية واقعا وتسيسا".
لقد انطلق الرئيس في خطابه بدباجة مكثفة محيطة مؤسسة للنتيجة التي أراد الوصول إليها و إقرارها فكانت تلك الدباجة متطابقة مع الأثر "لكل مقام مقال"، يبد أن عمقها في المبنى والمعنى، وصدقها في الأداء، وانسجام سياقها تجعل المتلقي متفاعلا مع مضمونها، إن كان بمستوى وطنية الرئيس، والذين أوصلوا الموضوع إلى تشكيله ذاك، ونتائجه تلك، بينما يحدث الذهول عند المتلقي الآخر الذي لا يقاسم الرئيس قلقه وانشغاله لأنه فضلا عن كون ذلك المتلقي قد وضع أمام المسلمات من الأشياء، والبديهيات من الأمور، فإنه محاصر بمعاناة الرئيس الصادقة التي دل عليها توحد الكلمة مع الأداء الصادق الذي كشفت عنه نفسيته، وايمانه التام المطلق بتطابق أحاسيسه، ووجدانه مع أقةاله، والذي مكن الرئيس من هذا التوفيق في تقديري هو المعطيات التي قدمت له عن الأمازيغية، وبخاصة في جانبها التاريخي، وواقع فضائها الجغرافي، وتلك محْمَدةٌ مثلى تحسب للفريق الذي عالج المسألة ولاشك، إذ كلنا يعلم أن شمولية الأمازيغية للفضاء الجغرافي الوطني مما يحتاج إلى جدل أو إثبات، فهي موجودة بماحة الوطن وإن كانت كثافة هذا الوجود متفاوتة من منطقة إلى أخرى، وأحيانا من حي إلى آخر، بل وحتى على مستوى العائلة الواحدة بالنسبة للتداول و الاستعمال، مايعني أن إقرار الأمازيغية بهذا المفهوم من لدن فخامة الرئيس إنما هو تأصيل لحاصل سائد من أمد، ولل>ين يرغبون في إيجاد تقاطع مع هذه الحقيقة الآن والاستئناس بها في تاريخنا نذكر بـ" إمارة الرستميين" التي هي أول دولة جزائرية تنفصل عن الخلافة الإسلامية والعربية فحسب، بل وحتى الأقليات الأخرى، وبخاصة منها الإفريقية، فهي خير نموذج يمكن أن يستحضر في وضعنا الحالي، ثم الدولة الموحدية بنظمها، ومجتمعها، وحركيتها المختلفة، وكذلك الشأن بالنسبة لدولة المرابطين بكيفية أو بأخرى.
هذه النماذج المستحضرة لنظم سياسية، وسلط حاكمة كانت فيها الأمازيغية كما تسمى اليوم حاضرة في رقعة مساحة هذا الوطن الغالي، ولم تكن يوما عائقا لتطور الأمة، أو مشكلا تصادميا مع لغة الدولة الرسمية، أو لغة تلك النظم التي هي العربية كما هو مؤكد عند العام والخاص بل تعاملت اللغتان كل منهما في مجال قدرتها على الحضور، وافادتها للمجتمع، وإغنائه بما يحتاج إليه عند مقتضى أي حال من الأحوال، فلم تكن هذه الأمازيغية حينئذ متقوقعة في بقعة دون أخرى، ولم تكن ملكا لسكان جهة دون جهة في الوطن، كما لم تكن العربية رافضة لها أو مقصية إياها، أو محتوية لحضورها، لقد كتب بها البعض كما كتب بالعربية، ووظفت في الحياة اليومية بصيغتها الشفوية كما توظف اليوم جنبا إلى جنب مع العربية، وما حدث يوما أن ذكر التاريخ أي تصادم، أو تناحر، أو حتى تسابق بينهما، بل كل ما بين أيدينا لا يؤكد إلا التكامل، والتماهي، والتقاطع، ولم يذكر لنا أيضا التاريخ عزل أي لغة من القطر بخلاف جهة أخرى منه، والحال هذه باليقين القاطع، فماذا تغير بين الأمس واليوم حتى نجد في مجتمعنا مع الأسف الشديد، بل وبكل حسرة وألم من يفرض وصايته على الأمازيغية، ومن يفرضها على الإسلام، وعلى العربية وعلى أشياء وقضايا أخرى لا يستقيم ذكرها هنا؟ إن العاقل واعٍ تمامًا إيديولوجية كل هؤلاء ومنابع مصادرهم، وواع كذلك بأصحاب النوايا الحسنة، وأصحاب النوايا المبيتة، ومن ثم لا يمكن أن تنطلي عليه الحيل المعتمدة، ولا الأهداف المقصودة، وبخاصة، ونحن نعيش في زمن فيه كل الوسائل الممكنة من المعرفة الحقة، والإدراك العميق، والغربلة السليمة.
إذن ورئيس الجمهورية يعلن عن مشروع، أو عن دسترة الأمازيغية، هل تكون الفرصة قد فوتت على الصائدين في الماء العكر، وعلى صناع الأزمات، وافتعال الأسباب لتلك الغاية، وهل النصية في الدستور يجعل الأمازيغية لغة وطنية، يجعلها فعلا كذلك، فإن كان الأمر لغاية ظن البعض أنه قد حقق انتصارًا على خصم افتعالي أو افتراضي موهوم، إنما يكون مخطئا تمام الخطاء لان التشريع لا يكفي للوصول بالشيء وبخاصة حين يكون في واقع الأمازيغية التي هي كما ذكرت لها من الشمولية ما جعلها حاضرة في كل الوطن بمستوايات متفاوتة.
إن الذي أخشاه ليس هو ما خشيه فخامة الرئيس بخصوص هذا الموضوع، لأن فخامة الرئيس يتحدث من موقع صاحب مركز القرار، وله من المعطيات و الديبلوماسية مالا أدركه، ولا أملكه، ومن ثم كانت عبارة "وطنية الأمازيغية" تحدد خشيتي من وجه آخر، وهو أن شمولية الأمازيغية كما أسلفت وجعلها قاسما مشتركا بين جميع الجزائريين لا أظنه يشكل أي تخوف، ولكن الذي يثير خوفي المشروع هو إلى أي مدى أطمئن لوطنية الإنتماء لكل ماهو جزائري مكرس في الثوابت الوطنية لدى أولئك الذين لا تتجاوز نظرتهم حدود مرمى حجر في أحسن الأحوال، وأولئك الذين جبلوا على وضع العربة أمام الحصان، وتشبعوا بثقافة "عنزة ولوطارت " على حد قول الأثر الشعبي.
هذا هو مربط الفرس في الموضوع، ولا أقول القضية، أو المسألة، أو الاشكالية لإيماني أنها لم تكن يوما كذلك في المدونة التاريخية العبقة، ولا الواقع الوطني النابض بتراثه المزهر، وفكر أبنائه النير، ولا في المعايشة الاجتماعية لمجتمعنا عبر العصور ولا في أدبية خطاب عريق لأي اتجاه ظهر قبل العقود الأخيرة من القرن الماضي، والذي لم يتجاوز أسماء في حينها لا تكاد تتجاوز رؤوس أصابع اليد الواحدة .
لتكن الأمازيغية إذن وطنية بنص الدستور، وكانت وطنية في الحياة اليومية للمواطن بحسب موقعها ودرجة وظيفتها، ولا أحد اعترض على ذلك، ولتكن حقلا للبحوث، والإستنطاقات في جانبيها اللساني والثقافي إن وجدت لها مواد تعطي شيئا عن ذلك، وما يضر هذا قط، ولكن في المقابل أيضا ينبغي لها أن تكون ضمن زخم التراث الوطني الشامل، ويكون تناولها، وتوظيفها، والتعامل معها بروح وطنية الوطنيين الذين "يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" والمتجذرين في هذه الأرض بالوجدان، واللسان، والعقل معا، و المصدرين لخصوصية شعب هذا الوطن بالكشف عن ثقافته الوطنية الأصيلة الغنية المتميزة، لا بروح المنهزمين الممسوخين الذين قالوا يوما في مكان ما بأصواتهم، أو بلا فتاتهم " أن الجزائر بلقان آخر"، وفي كل الأحوال يبدو لي أن أوان سقوط الأقنعة قد حلت فمرحبا بها .