حـداثويو الـزمن المختلـس ونبـوءة مسيلمـة الكـذاب
كنت ألتقي مع الذين يقولون إن الكتابة مغامرة، لأن الكتابة كانت إبداعا، ولأجل ذلك فالكاتب ملزم بالاكتشاف، وبانتقاء الأدوات المؤدية إلى ذلك لكنني اليوم ومع أن الكتابة تظل هي هي، فمن الأحسن أن نقول أن الكتابة مخاطرة، ومع ذلك فمقاربتها واجبة، لأن زمننا هذا الذي أصبح فيه كل شيء مباحا، وكل شيء ممنوعا، وكل شيء صالح وكل شيء غير صالح... إلى غير ذلك من المتناقضات.
زمننا هذا يحتم علينا المخاطرة في الكتابة، بل يجعلها واجبا مادامت الضوابط التي تحدد الممنوع والمباح، والصالح والفاسد... غيبت، أو أن الزمن نفسه هذا بظروفه الخاصة والأجواء التي خلقها سمح للشتات أن ينهش، وللبغاث أن تنتشر في وطن غال متميز عن أوطان الدنيا كلها، وعلى شعب كامل متكامل عظيم، خاض أشرف وأعظم ثورة في العالم المعاصر حررته من العبودية، وهيأت له بنظامها، وفكرها، وأهدافها، مرجعية راسخة تتميز بالتجاوب مع كل المعضلات التي تواجهه بحسب المنحى الذي يختاره، فجعلت من الوطن البلد المتميز، ومن الشعب الأمة المحترمة عند الأمم والشعوب، بل غدت نموذجا يحتذى بها في الجهاديين: " الأصغر" و" الأكبر" معا إلى يومنا هذا على الرغم مما نحن فيه. ومع ذلك لم تزايد الثورة المجيدة تلك، ولا أبطالها الأفذاذ الشهداء منهم، والأحياء على عقيدة هذه الأمة، ولسانه، وثقافاتها، ولهجاتها" إن صح لي هذا التعدد والتنوع" فوجد في أثنائه: المزابي، والقبائلي، والشاوي، والوهراني، والتلمساني، والعنابي، والهقار الترقي وغيره، وكل أبناء هذا الوطن، وجدوا أنفسهم فيها، وكان المرء يخجل أن يسأل الآخر من أية جهة أنت، وإن تجاسر وتساءل كان الجواب دائما بعبارة " جزائري"، وكانت هذه الكلمة هي أعذب كلمة يحبها مناضلوا جبهة التحرير، وأعضاء جيش التحرير، وكل المواطنين الذين يعيشون الثورة، كانت أعذب كلمة يحبون سماعها.
ومع أن أولئك الرجال ما يزال بعضهم حيا، وكالأمس نجدهم في كل جهات الوطن، فإن أولئك الذين حز في نفوسهم أن يروهم، وعز عليهم أن تبقى مقومات هذا الشعب اسمنتا مسلحا صانعا لوحدته، يستغلون كل فرصة للخروج من الجحور للاستئساد، أو الاستنسار بكيفية أو بأخرى. وما أكثر هؤلاء في وطني، في هذا الزمن المختلس من عمره، ومن عمر تشييد هذا الوطن الغالي الجريح. ومن هؤلاء أولئك الذين كلما سمعت أصواتهم، إلا وذكروني بـ" مسيلمة الكذاب"، ذاك الذي في تراثنا العربي الإسلامي، بل ولنقل في تراثنا الإسلامي أكثر، والذي ارتد قبل الرسول محمد ) ص ( فنسب إليه أنه قال من جملة ما قال لفظا، أو معنى، ما لنا وما لأبي بكر، وادعى النبوة وقصته مع" سجاح" التي ادعت نفس إدعائه معروفة، ومن جملة ما ورد عنه من الآثار، أنه عندما سئل عن معجزته، التي تضاهي معجزة محمد ) ص ( المتمثلة في القرآن الكريم، رد أنه الآخر يتلقى وحيا بكتاب منزل ككتاب محمد، أو كما قيل فذكرت له" سورة الكوثر"، فرد أنه تلقى مثلها بالشكل الآتي: " إن أعطيناك العقعق، فصل لربك وأنعق، إن شانئك هو الأبعق" !!
فليتصور العاقل وقوع الكلمات السابقة في أذن أي قارئ للقرآن الكريم، أو عارف للعربية ماذا يقول وبما ذا يرد؟ ! سقت هذه الحادثة، وبعض ما جاء عنها من آثار، لأني أعتقد أنها تشفع لي إن قلت أنها تلتقي مع الأثرين أيضا:" ما أشبه اليوم بالبارحة". أو" التاريخ يعيد نفسه"، وإن تكن المقولة الأخيرة هذه فيها بعض النظر، لأن إدعاء النبوة في العصر الحديث ليس بالضرورة أنه يمر بالقنوات التي مر بها أمس، وما جرى في اليابان، والولايات المتحدة، وقبلها ما نجده في فلسفة بعض الميادين خير مثال على أن أدبيات الدعاوى تختلف زمانا ومكانا ومدعيها يحاولون إلباسها اللبوس الذي يلفت، ويغري، دون أن يمس الجرح، لأن ذلك يأتي في مرحلة لاحقة.
إن أصحاب المدن الفاضلة كلهم، أو بعضهم رسموا لنا جمهوريات بحسب مقتضى الحال الذي عاشوه، لأن ما ننشده نحن، وما نملكه اليوم ليس ما كانوا ينشدونه جميعا أو بعضهم، وما نملكه لا يملكونه كذلك جميعا أو بعضهم وما نملكه لا يملكونه كذلك جميعا أو بعضهم، والماديون المعاصرون، وبخاصة الماركسيين أعلنوها صراحة، وحددوا ما يريدون، وهم خارج دائرة مجتمعنا كذلك بدون شك في ذلك، ومع ذلك ففي بعض ما قالوا يمكن أن نجد له محاولة تأسيس مبررة من وجهة نظرهم، لأنهم حددوا غاياتهم، وعدوا أدواتهم، ووظفوا وسائلهم، لكن المدهش عندنا هو غياب ذلك كله.
لقد تساءلت تساؤلا بريئا، وربما أني غبي فلم أستطع فهم بعض من يوصف بالزعامة في تصريحاتهم التي سمعتها، أو التي قرأتها، عندما يرون الاستحالة المطلقة لوجود جمهورية جزائرية ما لم نتخل عن الدين، ونتبن" الحداثة" و" العصرنة"، وما لم نلغ وجود إسلاميين في مجتمعنا، كون العصرنة، بل الحداثة التي تعطينا جمهورية فاضلة لا يأتيها الباطل من" فوق" ولا من" تحت" ولا من" المقدمة" ولا من" المؤخرة"، ومن... ومن... ولم نسمع يوما تحديد معنى" الحداثة" ومعنى" العصرنة"، ولم يدلونا على بلد واحد إسلامي، أو غير إسلامي غابت عنه الحداثة وغابت عنه العصرنة عبر التاريخ، بل أسمح لنفسي- ولو مجازفة- وقد قلت قبل حين، كما قال غيري إن الكتابة مغامرة، أسمح لنفسي لأقول إن أي أسرة كانت لم تغب عنها الحداثة في عهد من العهود، وليست الدولة فحسب علما بأن الحداثة التي أعنيها هي التي تؤدى في عبارة وجيزة جدا، وهي محاولة للوصول إلى أسلوب مناسب للحياة بحسب جغرافية المكان والزمان اللذين أعيش فيهما وليست- أي حداثة- أسلوبا ذاته للحياة، لأنها إن غدت كذلك فهنا يمكن لها أن تطرح كبديل مقنن واضح لأي شيء يراد استبداله وتعويضه في أي مجتمع من المجتمعات، فإذا وصلت إلى هذا الحد أمكن القول أن متبنيها المحدد أو المقنن لها، الواضع لقواعدها يمكن له أن يرقى بها إلى صنمية معبودة، وبذلك يعطيها شكلا قدسيا يسمح لنفسه في النهاية إن إرتدى ثوب ( مسيلمة ) أنه يجمع مناصريه خلفها على أنه دين، كما حاولت الماركسية فعل ذلك.
وعندما يكون فهم الحداثة على أنها أسلوب للحياة بهذه الصورة، وليست محاولة للوصول إلى أسلوب متميز، فإنها لا تكون بالضرورة نابعة عن تطور المجتمع، بل يمكن لها أن تستورد بصفة أو بأخرى، وبصورة من الصور، أو كيفية من الكيفيات، وبقوالب معينة تساهم بل تخلق نشازات في المجتمع، وتبقى ناظرة في بنياته حتى تنهي كل خصوصياته، وتلك- الخصوصية- شرط من شروط تحقيق الحداثة من لدن أي مجتمع كان، فضلا عن ذلك، فإن دعوى الحداثة بمفهوم متزعميها هو إلغاء أهم شيء فيها وهو الجانب الجمالي الذي يضمن تواصل محاولة أسلافنا وما قدموه في سبيل تحقيق أشياء عظيمة عن طريق تلك المحاولات من جهة، وجعل الحداثة خرائط بأسلاك وأقبية بعضها محظور، وبعضها مباح بأقبية وفق تحديدات صارمة في حين أن الحداثة تتجاوز ذلك إلى تحقيق المتعة والإعجاب عن طريق مدونة ما يمثلها، ومن ثم يكون المتنبي قمة الحداثيين في الشعر العربي، بل والشعر العالمي في وجه من وجوهه.
إن الذين سبقونا في التعامل مع مصطلح" الحداثة" أنفسهم لا يزال الجدل قائما بينهم حول تحديد معناها، ومجالاتها، وجغرافية زمانها، ومكانها ومن ثمة هل تكفيها حركة واحدة، أو لا بد لها من مجموعة حركات تمس كل فضاءات الحياة، كذلك هل هي حداثة الرغبات، أم حداثة الفوضى التي لا حدود لها، أم حداثة اللافني، أم حداثة اللغة، أم حداثة التهكم و الإيغال في الخيال، أم حداثة الإبداع والتحطيم في الآن نفسه، إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال للاستطراد معه.
لقد كانت هذه التساؤلات وغيرها هي التي طرحها الفنان الأوروبي عندما حاول تأريخ تحولات حدثت في مجتمعه، فكان من أعاد بدايتها منهم إلى الرومانسية، ومن أعادها إلى" إميل زولا" على أساس كتابه: " الرواية التجريبية" وإلى أسماء أخرى من أمثال" ولتر بيتر" و" نيتشه" و" ستيرن" و" أودن" و" قيلون" و " بودير" وغير هؤلاء من الأسماء، لكون تحديد المصطلح نفسه غير واضح- كما أسلفت- ولكون التساؤل المشروع هو أي مجتمع يجد نفسه ملزما بالبحث عن التحديث... ؟ !
ومن الأسماء السابقة يقينا نكون قد حددنا جغرافية الزمان والمكان، التي اقتضت مجتمعاتها أن تكون باحثة عن بدائل توجد لها أنماط تمكنها من تحقيق طفرات نحو تجاوز المألوف، لأنها كانت مشدودة إلى قيم اجتماعية فيها من الاضطهاد ما فيها، إن جاز لي هذا التعبير، فإني لا أدري وضع هذه البلدان قبل نهضتها، ومن منا لا يعرف الحياة الصعبة التي كانت تعيشها في العصور الوسطى، ومع ذلك لم نسجل حضور دعاوى حادة بمثل التي تجري في بلدنا منذ أمد للركض فوق كل ما هو نقي، أصيل في وطننا، ولكي لا ينكشف سحر الساحر وينقلب عليه وزعت أدوار التمثيلية على عرائس القرقوز، فهذه حداثية بل وهو الأصح " حداثوية" وتلك" لغوية" بل" ببغائية" وهاتيك ديمقراطية والهدف في النهاية هو الوصول إلى استئصال جذور هذه الأمة فتعود بدون ماض روحي، وتاريخي، واجتماعي، وسياسي، وثقافي، وعلمي... وتمسي شتاتا بألسنة مرطنة، مقعرة، بدائية، لكل قبيلة لسانها فلا يبقى شيء مما يجمعنا جسدا واحدا، وعند ذاك نجد كل المغفلين الذين انطلت عليهم الحيلة- وما أظن ذلك حاصلا لا قدر الله- نجده يقول في أسى وحسرة:" أكلت يوم أكل الثور الأبيض" أو" الأسود"، فلا فرق.
بالخلاصة السابقة عن الحداثة في المجتمعات التي تحدثت عنها، والتي ظننتها أسلوبا من أساليب الحياة، كما عند متزعميها ومن يندرج في سياقهم، والتي تجاوزتها اليوم حتى أصبحت مقرة أنه من اليقين عدم إمكانية الوصول إلى إثبات وجود شيء اسمه" الحداثة" يمكن أن يتفق عليه عامة الناس، بل حتى خاصتهم، فأصبحنا نطرح مصطلحا آخر بقصد تحديد الزمان لا أقل وهو الذي يعرف بـ" ما بعد الحداثة" وهو مصطلح أيضا ما يزال لدى من يريد تأصيله مغشى بضبابية حجبت جغرافيته الزمانية والمكانية، وتضاريس تلك الجغرافية أصلا.
[ فهل للحداثة معنى في المجتمع الجزائري] بمفهوم المسلمين الجدد؟ ! .
والحال- كما أسلفنا- فإنه من تحصيل حاصل أن التساؤل: هل للحداثة بالمفهوم الذي يطرحه به هؤلاء في الجزائر هل يمكن أن نجد لها معنى على أساس أنها- كما يزعمون تتعارض مع الإسلام- وعلى أساس أنها المنقذ للشعب الجزائري مما هو فيه، وأن عزل" الإسلامي" عن الفعل الوطني، ومنه الفعل السياسي، هو توجه حداثي ! كون" الإسلامي" رجعي، ومتخلف، مناهض لكل تطور ينبغي أن يواكب تحولات المجتمع الجزائري؟ ! . والأكيد أننا لا نجد معنى لها بهذا الطرح لأن الواقع العلمي يؤكد سفسطائيته، والنصوص الإسلامية تفضح دعاويهم الباطلة، فالحداثة بمفهوم" تحديث" ما ينبغي له ذلك يحصل حنى مع ربات البيوت بحسب الحاجة، والطاقة، والتمكن، والتكون ... وذلك ما ينسحب على الشعوب نفسها بحيث أنها تمارس" الحداثة" من داخلها، ومن مكوناتها، وبوسائلها، ولعل التجربة اليابانية خير نموذج وكذلك التجربة الماليزية إلى غير ذلك من تجارب الشعوب التي نجد فهمها للحداثة والتعامل معها زاد ماضيها تثبيتا، ورسوخا، وأعطى بمواكبتها الحادث اليوم نموذجا تسعى شعوب كثيرة لتحقيقه في أوطانها. خلافا لل" حداثوي" الذي يدمر الماضي المتمثل في تراث الأمة وكل ما يفصل بها.
إن النص الإسلامي: القرآني الكريم، والنبوي السني الشريف ناصعان في مضمونهما الذي يبطل مزاعم" الحداثويين" الذين يتسترون خلف الحداثة، وهم ما هم إلا" حداثويون" يسعون جادين، وبكل الوسائل استئصال كل ما هو أصيل بما فيه الحداثي الذي يحمل تميز مجتمعنا، والذي نبع من عمقه. ولعل قوله تعالى:" إن الأرض يرثها عبادي الصالحون"، وقوله:" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت"، وقوله أيضا:" وابتغ فيما أتاك الدار الآخرة، ولا تنسى نصيبك من الدنيا" وآيات أخرى كثيرة في هذا السياق لا داعي للاسترسال معها لأن المقام لا يتطلب ذلك، ثم الأحاديث الصحيحة مما في الصحاح كحديث:" اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وأعمل لأخراك كأنك تموت غدا" و" أطلب العلم من المهد إلى اللحد". و" لو تعلقت همة امرئ بما وراء العرش لنالته"، أو غير ذلك من النصوص، وهي أيضا كثيرة، وتنص كلها على الإبداع والابتكار وترفض التواكل، وتفرض الجد والكد وتحدد الوسائل التي تمكن الإنسان المسلم من الحضور في الحياة دوما، هذا الحضور الذي يحققه بالتأمل وإعمال الفكر، والعمل والعلم، والسعي الدءوب دون توقف، والبحث والانتقاء... وهي معان تمثلها أسلافنا جيدا، فكأن ما تزخر به الأندلس إلى اليوم من حضارة الفكر العلم والمتمثل في المخطوط، ومن حضارة العمران الناطقة المشخصة في البناء والسند، وفي أجزاء أخرى من المعمورة، إلى جانب ما سجلته في الطب، والجغرافيا، والفلسفة، والقانون، والاجتماع، والتاريخ، والسياسة وباختصار في كل معارف الدنيا وما يخص الآخرة.
إن الذي ينبغي- في تقديري- أن يعرفه" الحداثويون" عندنا هو وقوعهم في دائرة مغلقة، هذه الدائرة وصفت فيها بعض المصطلحات المبهرة بفضفاضتها وبأفكار مغرية في ظاهرها، فعدوها من المسلمات، واكتفوا بها، فلم يحاولوا تجاوزها أو الخروج من دوامتها إلى قراءة تراث الشعوب التي تداولت فيها هذه المصطلحات والتي تجاوزوها في الغالب، ثم تراث شعوبهم وأمتهم الإسلامية، ليجدوا أن الإشكالية تتمثل في النظارات التي يفحصون بها إن فحصوا وما أظنهم فاعلين ذلك. ما اعتنقوه من أفكار مستوردة لا تنسجم مع مجتمعاتها التي ولدت فيها في أحيان كثيرة، فكيف بها في مجتمعنا نحن الذي ما يزال في طور الفرز، والتأصيل، والتأسيس، فرز ما ورثه عن الاستعمار، وما يوجه إليه باطراد من أفكار، ووسائل، وتأصيل قيمه التي صودرت منه طوال فترة الاحتلال، وجاهد من أجل استرجاعها، وعبر عنها بشمولية جامعة في بيان أول نوفمبر وفي بعض صفحات مواثيقه المختلفة، والتي لم يتمكن من تأصيلها كلها للظروف التي كانت تخلق ضده من هنا وهناك حتى يعرقل بين الحين والآخر لكي لا يحقق أهدافه، التي تتعب كثيرا حاقدي الداخل والخارج معا، وما أكثرهم وهم في مواقع متقدمة في دواليب التسيير، وتأسيس تحول متوازن يوفق بين قطبي المعادلة الأساسية، وهي "التراث" و" المعاصرة" والتي بمراعاتها تمكن مجتمعنا في الفترات التي تحكم في ذاته بذاته من تحقيقها، ومن تسجيل حضوره المتميز على الصعيدين الداخلي، والخارجي معا، وباستنطاق تاريخه المجيد نجد تلك الفترات شاخصة للعيان.
وفي الخلاصة تجدني متيقنا أن" حداثوي الزمن المختلس" بعيدون البعد كله عن مشروع" التحديث" الذي يدعون أنهم يسعون إلى تحقيقه، لأن برنامجهم ذلك غير مؤسس أصلا، ولأن" التحديث" يتولاه الشعب، وينطلق من كنهه لكي يستوعبه، ويطوره بحسب حاجاته المتجانسة مع مقوماته، وقيمه، وخلاف هذا يذهب الحداثويون عندنا، بحيث أنهم يرون في كل مشروع له صلة بالإسلام خطرا عليه- كما يزعمون- وذلك إلغاء للشعب الجزائري كله تقريبا، ولم يبق سوى الدعوة إلى استيراد شعب كذلك الذي ينسب إلى بعض أفراده في المجتمع الفرنسي عندما اعتقد أن الحداثة تتمثل في" البوهيمية" وبخاصة في سنة 1830م أو مرتد ردة " مسيلمة الكذاب"، وقومه، وآنذاك قد يتمكنون من تحقيق مشروعهم هذا، وإن كنت أظن أنهم إن وصلوا إلى ذلك، ولن يحدث، فالمستورد ذاك، سيتجاوزهم فكرًا، وعلمًا، وثقافة، وسياسة، و حنكة الخ ... ومن اليقين في الحال هذه أنه سيدعوهم إلى تمثل الأثر العربي:" يا ابل عودي إلى مباركك".