عن أية أمازيغية يصارعون
عندما تكون القضية واضحة، يبدو تحديد الموقف منها سهلا، وسهلا جدا، لكن عندما تكون محيطة بضبابية، فإن الجزم لصالح جهة معينة، أو ناحية بذاتها يغدو من أصعب ما يكون، وهذه الحالة تنطبق على القضية الأمازيغية في وطننا، ذلك لأن الأطراف التي تتعامل معها كثيرة، وغير واضحة وضوحا يسمح بفهم مقاصدها ما عدا بعض التشكيلات السياسية، وبعض الشخصيات العلمية وما يعقد القضية أكثر هو وجود اعتقاد بأن إثارتها ومعالجتها وافدتان على المجتمع الجزائري، والغائب الأكبر في العملية هو الباحث الجزائري، الأصيل، المختص، النزيه، والمواطن النقي الطاهر الذي لم يقع تحت طائل التغريبيين، والسياسويين المحترفين، والإنتهازيين المستثمرين لكل حادثة تقع في الوطن، أو خارجه، وتغذي مطامحهم، وتحقق مآربهم ومقاصدهم.
لقد تابت من هنا وهناك، ووقفت عن قرب _ في حدود الإمكان _ على المؤسسة التي أنشئت لخدمتها، وعلى بعض الجمعيات التي تتعامل معها، أو العناصر المتحمسة فيها، وقرأت الكثير مما كتب عنها. وكذلك وجهة نظر بعض الأحزاب التي تستغلها، وتوظفها في برامجها وسبق لي أن قدمت وجهة نظري في الموضوع.
ومن كل ذلك صنفت ما وصلت إليه التصنيف الآتي :
1 _ كتابات الباحثين: المحدودية والتغريب.
2 _ القضية في خطاب الأحزاب السياسية.
3 _ الجمعيات الثقافية والتبعية المكشوفـة.
4 _ خلاصة: تسمع جعجعة ولاترى طحينا.
فبخصوص جهود الباحثين سواء مقالات، أم كتبا لا نجد لها حضورا أصلا في الخطاب الذي يتناول القضية اعتمادا على ما اطلعت عليه وتابعته، ولذلك فإن الحديث عن هؤلاء هنا يستثني تماما لأن فيما يبدو غير مرغوب في جهدهم، وفي وجهات نظرهم، والأمر بهذه الصورة غريب شاذ في واقعه، لأن قضايا كهذه كان ينبغي أن لا يبت فيها إلا هؤلاء لأنهم المدركون العارفون لها، ولأني لا أظنهم يؤدون البلاد إلى ما لا يفيدها، والشعب الجزائري إلى ما لا ينفعه، لعل هذا هو السبب الأول والأخير _ وسيبقى _ لاستبعادهم دائما، علما بأن المقصود بالباحثين أولئك الذين يتعاملون _ على الأقل _ مع أبسط قواعد العلم، أما أولئك المنظرون تنظيرا نظريا متسما بالتوهمات والأحلام، والإنشائية غير المؤسسة، من أمثال صاحب مجلة "أوال" وحمه الله، والغريب عن التراث الأمازيغي فحضور وجهة نظره، أو غيابها سيان وليس استخفافا بها، بل لأنها غير مؤصلة ولا يستفيد منها إلا السياسيون الجدد، وقد استفادوا منها فعلا، لا لخدمة اللغات الأمازيغية، والثقافة الأمازيغية، ولكن اطبعها بتشنج حاد، يثير الدهشة لدى متقني أمازيغية من أمازيغيات الجزائر المختلفة.
إذن فما كتب _ كما قدمت _ مغيب، بما فيه ماكتبه الأجانب، ومن هؤلاء من عد لهجات البربر في محيطها الإفريقي وبخاصة في دول المغرب العربي فوجودها تفوق خمسة آلاف لهجة، والمقصود هنا هو "باصي"، وكان ينبغي " لو أعطيت الكلمة في القضية للباحثين والعلماء، أن لا يقدموا على أي شيء بشأنها إلا بعد القيام بجرد كل ما يخصها، وتبويبه، ثم تحديد صورة تشكيلها، وأسلوب التعامل معها، ومستويات التوظيف والتناول، وعندي في ذلك وجهة نظر مؤسسة، ولكن لا أذكرها، لأني "كما سبق أن ذكرت، فإن مقولة" لمن تقرأ زبورك يا داود" في هذا المقام تنسحب على المثقف فعلا .
2 _ القضية في خطاب الأحزاب السياسية.
لست هنا مطالبا بالعرض التصاعدي لموقف الأحزاب بخصوص هذه القضية، ولذلك أسلك السبيل نفسه الذي تسلكه الأحزاب في أفكارها وتعاملها مع القضية، وكون الأحزاب غير مجمعة في أفكارها وتعاملها مع القضية فإن التقسيم الممكن تحديده هو الذي يتجلى لنا في الوطنيين والإسلاميين والإستئصاليين، أو التغريبين " الحداثويين" فالمجموعة الأولى: الوطنيين والإسلاميين يتفقون تماما، أو يكادون على معالجة القضية بالطريقة التي عالجتها بها جبهة التحرير في مواثيقها المختلفة بدءا ببيان أول نوفمبر وانتهاء بالمشروع المقترح للمؤتمر القادم، الذي بين أيدينا، والذي بدا أكثر وضوحا وصرامة في التعامل مع القضية، وأكثر دقة _ كذلك _ في الحجم الذي أعطاه إياها، ومرورا بملف السياسة الثقافية الذي يبدو مازال يشكل أرضية صالحة بعد لمعالجة القضية، وهم يتفقون في ذلك مع كتابات بعض المفكرين الجزائريين الأصلاء كالدكتور"أحمد طالب الإبراهيمي" .
ومجمل مايستنتج من معالجة القضية هذه من لدن هؤلاء هو أن الأمازيغية أعطى لها موقعها المعروف تاريخيا، والسائد في المجتمع الجزائري منذ الفتح الإسلامي، بدءا من أول دولة جزائرية مستقلة في المغرب الأوسط، وهي الدولة الرستمية، ومعنى هذا أن اللغات البربرية والأمازيغية تعالج نفسها بنفسها في حدود مستواها ومحيطها، ودرجة الحاجة إليها، وعدم تكليفها ما لا تطبق بإدخالها في مواجهة من تعلوها كثيرا دلاليا، ولسانيا، وصوتيا، وفكريا، وحضاريا،أو استفادت من تجربتها احترمت الأمازيغيات اللغوية، والناطقين بها وغير الناطقين لأن مفهوم الأمازيغية عند هؤلاء لا يعني مفهوما عرقيا بحال من الأحوال، بحيث نعرف غربيين من فرنسيين بالخصوص تمثلوا الأمازيغية وكتبوا عنها، وأصدروا بشأنها مؤلفات، فهذه المجموعة كونها لصيقة بالمجتمع تعرف ما ينفعه، وما يضره جنبت نفسها، والشعب الجزائري متاهات" أدلجة" القضية، والتنظير من أرائك صالونات قد تكون منطلقة في تنظيرها ذاك من سياسات غربية أتتهم وراء البحر، والتي اطلقت بداية مع التطهير البربري في مطلع الثلاثينات وفجرت بالمغرب الأقصى، ثم أعيدت كرتها في الأربعينات بالجزائر، وألت كل تجاربها تلك إلى الفشل، لأن القصد لم يكن يوما خدمة الأمازيغية، ولا سكان هذه الأوطان، بقدر ما كانت تخلق جو التوتر الذي يبحث عنه الإحتلال الفرنسي آنذاك لتفويت فرص اجتماع الجزائريين فيما بينهم، بل الوصول إلى حد أدنى من التقارب، ولذلك لا تطرح معالجة هؤلاء للقضية أي إشكال بعد بل بنظرتهم هذه يمكن لهم أن يحملوا الأمازيغية، وأن يعطوها موقعها كأي لغة من اللغات القديمة في العالم.
أما المجموعة الأخرى مجموعة " الإستئصال"، أو "التغريب"، أو "الحداثيون"، أو "النجبة" عند البعض، وهي صفة تحتاج إلى النظر اليوم بوجود النخبة الجزائرية الأصيلية بالمفهوم المعرفي الشامل، وليس بالمفهمو الطبقي، أو اللساني" كما عند هؤلاء" هذه المجموعة هي التي توظف الأمازيغية، وتنطلق من توظيفها من مسلمة تستنتج من أفكارهم وآرائهم مؤداها أن هناك لغة أمازيغية شاملة، جامعة، مانعة، مهمشة، ومبعدة، وأحيانا مضطهدة، والأمازيغية المقصودة عند هؤلاء ليست كالمعنية عند الباحثين والمختصين، والتي يعنون بها اللغات البربرية بعامة، وإنما هم يعنون بـ"الأمازيغية" لهجة بعض جبال الشمال ليس إلا، أي لهجة القبائل، وأغلب أعضاء تشكيلات هذه الأحزاب لا تعرف قيادتها الأمازيغية هي نفسها، ولا تستعملها في خطابهم إلا نادرا جدا، وفي مقام" ذر الرماد في العيون" ويكفي أن نذكر هنا أن جميعنا يعرف أن هؤلاء لم يقدموا شيئا يذكر عن الأمازيغية، وللأمازيغية، وما أصدروه حتى الآن من كتابات أتى بالفرنسية، وأغلبهم طبعه وراء من سماها البحر عند من سماها شعبنا"قمير" و"ستوت " .
فالأمازيغية عند هؤلاء لا تعدو الخطاب السياسي الديماغوجي الشعبوي، بل بعبارة أخرى هو "قميص عثمان" عند هؤلاء ليس إلا فهؤلاء يريدون دخول صناديق الانتخابات بجلابيبهم، والحصول على المواقع التي يرغبون فيها، والامتيازات التي يحلمون بها .
واقترابا مني أكثر من تأكيد هذه الحقيقة حتى لاينسحب علي قول القائل رحمه الله :
" لاتنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم".
فإني لا أسأل هؤلاء لأنهم لا يحبون السؤال أبدا، بل منهم من هو عدو السؤال، ولكن لا أحد يمنعني من التساؤلات:
أ _ ماذا قدم الضجيج الذي أزعج الآذان، وأقلق الشارع في أكثر من مناسبة، ماذا قدم للأمازيغية المسكينة، النقية، البريئة ؟ .
ب _ وعبر مدة الفترة التي مكن فيها أصحاب هذا الضجيج من اثارة زوبعاتهم، هل يمكنهم أن يذكروا لنا عملا علميا بريئا تناول الموضوع، وانتهى فيه إلى نتائج كشفت غطاء أو غبارا عن شيء مهم خص الأمازيغية ؟ .
ج_ هل قدمت للمتابع الجزائري للقضية، معطيات أو مرجعيات فكرية، فنية، وعلمية، وتراثية تمكنه من الإنطلاق لإيجاد معجمية لها وقواعد لسانية ككل لغات الدنيا بل وأبجدية مشتركة بينهم يعتمدونها حتى لا تتفرق بهم السبل ...؟
إن أي لغة في العالم قادرة على أن تكون ذات شأن ينبغي لها عندما تقعد ذاتها الإعتماد على تراث لهجاتها، أو لغاتها الإبداعية، فهل يستطيع أحد أن يقدم للمجتمع نصا إبداعيا من القرن التاسع عشر ميلادي مدونا، ومؤرخا، مؤكدا من أنه يعد إلى ذلك القرن، ولا أقول نصا من القرن العاشر ميلادي مثلا، لأن ذلك من مستحيل المستحيلات ..؟
د _ في حضارة ما بين النهرين، وفي حضارات الشرق بأنواعه، ودرجاته بصفة عامة لغات عديدة، تركت أثارا إبداعية، وأبجاديات تقرأ اليوم بسهولة، ويسر، وهي من أقدم ماتوصل إليها التنقيب حديثا، وتشرف أهلها لأنها قدمت لهم أشياء دقيقة عن دول شعوبهم، وعن أنظمتها، وحضارتها، تقريبا كل مايتصل بها فهل طلبت هذه الشعوب اليوم، وقد تحولت إلى لغات عديدة، هل طالبت بالتنصيص عليها في دساتيرها، وهل حملت عصا التهديد، والوعيد، والسب، والشتم، لمن يخالفها، ومتى كان للغة العصا نجاح، ألا يعد هذا في حد ذاته جناية على الأمازيغية ؟ .
إن أي جزائري اصيل يعرف لهجة من اللهجات البربرية، أولا يعرفها، لم أسمعه يوما يرفض هذه الأمازيغيات،بل على العكس يشرفه أن يجد امتداد جذوره في التاريخ إلى أبد نقطة ممكنة، ويشرفه كذلك أن يرى تلك الجذور حاضرة في تراثه اللغوي، والفكري بعامة، لأن عراقة شعب من الشعوب لا تزيده إلا احتراما، ووقارا ، وتميزا، وحضورا، بما ساهم به في الحضارة الإنسانية، ويعد ذلك عنده قوة، و رسخا في التلاحم، والتعاطف، والتمازج.. ولعل في نظرة الشعوب التي استعملت اللاتينية، أو اليونانية أصلا، إلى نفسها، وإلى لغاتها تلك اليوم خير مثال على ذلك، أما أن تصبح طبقة معينة، والعجب أن تكون سياسية، موظفة لتراث هذا الشعب للتغرب، أو التفسح، والتشتيت، فذلك والله" الجريمة" بعينها في حق ذاتها قبل غيرها، وفي حق مجتمعها ووطنها، وما أظن عاقلا يبارك جرما، والعقلاء كثيرون ولله الحمد .
3 _ الجمعيات الثقافية و التبعية المكشوفة
ومثل الأحزاب، فإن الجمعيات يمكن أن تصنف التصنيف نفسه، فهناك الصنف الذي يتعامل مع القضية بهدوء، محترما في ذلك خصوصيات الشعب الجزائري، ومشاعره، محتضنا للقضية بالمنظور نفسه الذي أصلته جبهة التحرير الوطني، في مواثيقها وسلوكها، ثم التشكيلات الإسلامية التي حذت حذوها،فهي إذا لا تنظر إلى القضية على أنها إشكالية من الإشكاليات، وإنما تعدها قضية من القضايا التراثية الوطنية، التي ينبغي أن تطرح للنقاش، وأن تعالج علميا في السياق نفسه، وبالتالي، بعيدا عن كل تهريج، ولاشك أن هذا الأسلوب هو الموصل _ كما أسلفت _ .
أما الصنف الأخر فهو الصنف الذي يتبنى" أدلجة" القضية بدرجة الأحزاب الإستئصالية نفسها، وهو الصنف الذي لا يحاور الأخر في هذه القضية، فقد حدث مرة أن أحد متحدثيهم في القضية عندما أبطل محاولة دعاويهم هاجموه وودوا ضربه، فهم في طرق حوارهم لا يختلفون في شيء عن الشيوعيين، فكلما تبين لهم أو كاد أنهم يخسرون المعركة عمدوا إلى الفرار، أو العنف" إن كان باستطاعتهم ذلك " بيد أنهم يفترون عن الأمازيغية افتراءات مكشوفة، ولذلك فهم في ندواتهم، وملتقياتهم لا يسمحون لأي متخصص لا يتبنى مذهبهم، وإديولوجيتهم بالمشاركة في أية ندوة، أو أي ملتقى، أو حتى أي حوار فهم العلماء، وهم المنظرون، والمقننون، وهم كل شيء يخص الحل و العقد في القضية، وهذا ما جعل كثيرا من أنشطتهم لا يعلن عنها، وتمرر في شكل ترهيب أحيانا، ولدي أمثلة قد يأتي موعد التفصيل فيها .
ومن أمثلتهم على زيف كثير مما يقولون إنه تراث أمازيغي احتفالهم بما يسمى برأس السنة البربرية الذي حددوه دون توثيق له، فعندما سألت أكثر من واحد من أعضاء بارزين في جمعيات عن مصدرهم في ذلك سكتوا، وبعضهم قال أن هذا وارد في وثائق توجد بفرنسا، فسألت أي مكان بفرنسا جامعة، مكتبة، مركز ثقافي لم يرد كذلك، والذي أسجله هنا باندهاش هو أن بعض وسائل إعلامنا، بما فيها التلفزة عندنا غطت هذا الحدث وأحداثا أخرى تقبل كل ما يقال لها على علته من لدن هؤلاء، دون القيام بأي بحث أو تنقيب، أو العودة إلى أي متخصص، إنه لجميل جدا أن نعرف لأجدادنا الأمازيغ عيد رأس السنة، وأن نحتفل به، ولكنه عيب كبير أن نكذب عليهم، وهم قد قضوا إلى بارئهم .
إن الجمعيات هذه أغلب من يقودها أمي وإن يكن متعلما، فهو أمي فكريا، وأن حدود آفاقهم محدودة جدا، وأحيانا مستغلقة، ولذلك عندما يردون على أي كان فهم لا يحاورونه محاورة نقية نظيفة، ولا يمدونه بمعارف. ولهذا فإني أتساءل إن كانت الجمعيات بمثل التي اقتربت منها واطلعت على بعض أنشطتها، وقرأت بعض منشوراتها، أتساءل إن كانت قد أنصفت الأمازيغية، وأنصفت تاريخ الجزائر القديم، والحديث على السواء، وأتساءل أكثر إن ظل الصمت هذا عن أعمال هؤلاء ملازما للعارفين، أتساءل أيضا أين يصل بنا المطاف في النهاية، ألا يجوز القول لنا بأننا سنضيع كل شيء صحيح أصيل، سليم، جميل، في هذا البلد، بما في ذلك البربرية نفسها وخصائصها، وإن حدث لا قدر الله، فمن يحتمل إدانة التاريخ منا لاحقا ؟ .
4 _ خلاصة : تسمع جعجعة ولا ترى طحينا
إن قضية الأمازيغية في الجزائر بطرحها القائم أدت خدمات مهمة للذين افتعلوها، كونهم مكنتهم من صرف الأنظار عن القضية المركزية الأم، التي هي لغة الدولة الجزائرية الرسمية الحديثة، حيث وجد صراع هامشي شكلي غير مؤسس، وغير مبرر من أجل حماية اللغة الفرنسية، أو لغة فرنسا كما يسميها بعض كتابنا في الحياة الوطنية العامة، وحماية مصالح أفراد قد لايتجاوز عددهم أصابع اليدين، بينما بقية المتعاطفين مع القضية. والعاملين من أجلها عن حسن نية، لا يعلمون نوايا هؤلاء، وخلفياتهم، وهو ما يعد مهما عندما يلاحظون تغييب الأمازيغية في المناسبات التي يقال تنظم لأجلها حيث تتخذ غطاء لكسب الحضور، ثم تحل محلها الفرنسية خطابا، ورسما على اللافتات و الملصقات .
ومن هنا تصبح المقولة" تسمع جعجعة ولا ترى طحينا" هي المظهر العام لهذه القضية و الحقيقة التي تحكمنا، وتصبح مسؤولية الدولة أساسية لترشيد القضية نرشيد مؤسس، ومؤصل في مجتمعنا عبر مئات السنين، إذ لم أقل آلاف السنين .
ويمكن لها أن تجد أسس الترشيد هذا وطريق تحقيقه في تاريخنا العريق، وفكرنا الأصيل، وثقافتنا الغنية ليس بدءا من الفتح الإسلامي، كما يريده أعداؤنا اليوم، وكأن بربرياتنا، أو أمازيغيتنا كانت سيدات قبل هذه الفترة، وقهرت بعد الفتح الإسلامي، والعكس هو الصحيح، ولكن بدءا من وجود الإنسان على ربوع هذا الوطن المفدى إلى سنة 1830، سنة البلوى المعاصرة العظمى لهذا الوطن العزيز، وشعبه العظيم، والتي ماتزال بقاياها تنهش أجسادنا، وتمتص دماءنا وتسمم هواءنا، وتلوث أطعمتنا، وتشل حركتنا، وتبدد وحدتنا، إلى يومنا هذا. والذين يمكنهم تحقيق ذلك هم العلماء، والمفكرون والباحثون، والمبدعون الأصلاء بعامة، لأنهم هم أجدى بالكشف عن كل مايخص هذه القضية، والأصدق في تثمين حقائقها، ومستواها، وإنزالها منزلتها التي تستحقها، على أن يكون رادعا للتجاوز، والإفتراء، والتزييف ردا لدعاوي التزيف، والسمسرة، والسفسطة، والشعوذة، والتدجيل .
وبالمنهج، هذا وضماناته، يغدو "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" فنكشف زيف الصراع المفتعل اليوم حول هذه القضية، ونعرف الأمازيغي الوطني الأصيل، من المستلب تغريبا، والمهجن لسانا، وفكرا، والمغرب تكوينا، وأحلاما،وله آنذاك أن يخرج إلى الطبيعة عاريا فإن كان على صواب احتضنته _ ولاشك _ وأوجدت له صدرا دافئا، وحفته بالرعاية، والإحتفاء، وإن بدا شاذا خيرته بين التطهير و الإنتماء.. والتأصل، وبين شد الحقائب، وإلحاق الجسد بالروح حيث تقيم هناك. وما أكثر من شد الحائب، ولم يرعووا ليتركنا نحيا جزائريتنا الرائعة بكل مرها وحلوها، لأننا معجونون من ترابها، ومرضعون من لبنها، ومتنفسون هواها، ومغذون بأطعمتها، وساجدون على ترابها، وناطقون بزقزقة عصافيرها، وندفن في ترابها، ولا شرف لنا أشرف من ذلك .
المجاهد الأسبوعي : من 3 إلى 10 ديسمبر 1996 عدد 1896 .