في الذكرى الخمسين لاندلاع ثورة نوفمبر من أقصى أغنية الثورة
أحتاج منهجيا وعمليا في موضوعي هذا إلى استدعاء محطات من الماضي لأنها تكون مفاتيح ما أزمع طرحه ، وأحتاج كذلك إلى إثبات عناوين داخلية للموضوع ، كونها تحيل إلى القضايا التي ستطرح فيه في ضوء سياقه العام من جهة ، ولأجل منح برازخ مرور عن طريقها للقارئ من جهة أخرى ، ووفقا لهذا المنهـج تكون الانطلاقة أساسا من الجزء الأخير من العـنوان " أغنية الثورة " والتي اعني بها الأغنية الشعبية المغناة عن الثورة التحريرية المباركة .
ذلك أن تحديد هذا الجزء من العنوان بتعريفه يضمن الطرح الشامل للقضية ويضع المتلقي في صميم المقصود من طرح الموضوع هذا في الوقت هذا الذي لا يعني الذكرى الخمسين فقط لاندلاع الثورة ، ولكن يعني أيضا عيشنا ذكرى استرجاع السيادة الوطنية المتوافقة مع الخامس جويلية من كل سنة .
وقد يبدو لأول وهلة أن موضوعي هذا يتماهى من قريب أو بعيد مع الحدث الذي عاشته سطيف في آخر ماي المنصرم ، والذي تمثل في ملتقى أو مهرجان الأنشودة الوطنية ، الذي نظمته جمعية قدماء الكشافة الإسلامية الجزائرية بإشراف وتوجيه معالي الوزير "لمين بشيشي " ، و مشاركة أسماء فاعلة في فعالياته من أمثال الأستاذ "عبد المجيد شيخي "، و"بالقاسم خمار" في حدود ما أعلم ، وكنت من المعينين باللقاء والمحددين لموضـوع مداخلته في النشاطـات تلك ، لكن ظروفا حالة بيني وبين ذلك ، ويبقى الحدث عندي من الأهمية بمكان لأنه الكلمة الصادقة ، والصوت المجلجل المعبر عن أخلد فترة تبقى إلى الأبد في التاريخ الإنساني في العصر الحديث هي فترة ثورة نوفمبر المجيدة . وقد يبدو فيه التذكير كذلك بالتقليد الذي أرساه من قبل معالي وزير المجاهدين السابق الأستاذ" السعيد عبادو" في ملتقى المسيلة ومهرجانها سنويا، والذي اختفى بعد مغادرته الوزارة إلى الآن.
قلت قد بيد و تماهي موضوعي هذا مع هذا أو ذلك والحق أن "مصطلح الأنشودة " وإن كان فيه ما يتقاطع مع موضوعي في مضمونه العام ، فإن البنية والتشكيل و الأداء لا تتماهى مع بعضها البعض إلا في نقاط محدودة جدا مع إغفال الأصل. كون الشعر بعامة و الشعر العربي بخاصة ، والذي منه الأنشودة أو الأغنية قد كان في الأصل يسمى إنشادا ، شأنه شأن الشعر الإنساني كله في طفولته وحتى لا نبقى في دائرة المصطلح و التعريفات الأكاديمية التي تثقل الموضوع ، وقد تغطي قليلا أو كثيرا غايته وهدفه ، فإني أسرع إلى قول بأن " أغنية الثورة التحريرية " التي أعنيها هنا هي تلك التي صدرت في كل أنحاء الوطن عن مغنيين شعبيين معروفين أو عن أي مواطن جزائري كان في الريف بشكل عام ، وفي أحيان قليلة بالمدينة ، أكان المواطن رجلا ، أم امرأة ، ومنهم المجاهدون أنفسهم ،أو أي صنف آخر من أصناف فئات الثورة التحريرية . إذا فالأغنية التي أقصد هنا هي هذه التي نادرا ما يعرف مؤلفها ، و هي التي تؤدى في كل الأوقات والمواقع ، ولا تستوجب ملحنا مختصا ، كما لا تستدعي مغنيا محترفا ، ولا تشترط آلات موسيقية مصاحبة لها ، فهي وعند بعض الغربيين تعني تحديدا "الأغنية الفلكلورية" وتعن عندنا في الوطن العربي بعامة "الأغنية الشعبية". وتنتشر عن طريق الرواية، والأداء في المواسم والحفلات الإجتماعية بمختلف أنواعها، كما تؤدى من لدن أرباب الحرف والصناعات. والمهن، وأثناء الأسفار. وفي الثورة التحريرية كانت تؤدى حتى من لدن المجاهدين، والمناضلين، والمسبلين، والفدائيين بل بعض تلك الأغاني والنصوص أنشئت من لدن أفراد من هؤلاء، وأعرف بعضهم وما يزال يعيش إلى اليوم ولله الحمد.
أين هيئات ومؤسسات ذاكرة الأمة؟
ولما كانت القضايا عندنا لا تثار إلا في مناسبات، ولا تطرح إلا في سياقات مهرجانية احتفالية عابرة، كثيرا ما يكون العابر فيها "الشاطر" الذي يتقن فن التسلق إلى كل المواقع، ويجيد كيفية إعداد سلالم التسلق تلك وفق مقولة الشاعر بشار بن برد:
من راقب الناس مات هما وفاز باللذة الجسور
أو قول الشاعر أحمد شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وكون مجاهدي الكلمة هؤلاء إيجادا، ولحنا، وأداء ليسوا من أصحاب المطالب ولا من مراقبي الناس وإنما هم من مضحي هذا الوطن لأجله، ولأجل حريته، وشعبه، واستعادة سيادة دولتهم من عدو استيطاني فريد من نوعه إلا ماكان من اسرائيل في فلسطين، كونهم كذلك، فلا نرى لهم حضورا في أي مناسبة، وما نسمع لهم صوتا بحال من الأحوال، لأنهم آمنوا أن ما قاموا به إنما هو من أوجب الواجبات، ومن أثمن ما يقدم للوطن بعد النفس والمال، فكانت راحة بالهم، وكان اعتزازهم بما أنجزوه في خضم كل منجزات الثورة، وكانت بساطتهم، وتواضعهم، وقناعتهم مما جعلهم لا يسألون عن مصير ما أبدعوه بعد غيابهم، وهم يوميا يسافرون إلى الأبد.ثم ولأنهم كذلك يعيشون في دولتهم التي تتمتع بهيئات، ومؤسسات تحشد لها طاقات، وترصد لها أموال طائلة أحيانا، وتسخر لها وسائل في حجم وسائل بعض الدول الإفريقية فإنه من تحصيل حاصل اعتماد هذا التساؤل الجاد المسؤول الذي يجد مكانه بامتياز هنا، وهو من يتحمل جريمة تغييب أو إقصاء هذه الذاكرة الفذة الخالدة من مدونة ذاكرة الأمة ليس على مستوى الكلمة التي هي الثورة كل الثورة، ولكن على مستوى اللحن الذي وجد أصلا لكل نص من نصوصها بخصوصية الموضوع، والمكان، والزمان، والمغني، والمتلقي، والوظيفة، والرسالة إلى غير ذلك مما يتقنه العازفون، ويندمج معه المتلقون، ثم وأين موقع أولئك الشعراء المغنون، والمغنون، والمرافقون بالآلات التقليدية التي هي من صميم تراث الأغنية الجزائرية، والتي بعضها يوغل في آلاف السنين، وبخاصة القصبية منها والجلدية وهي وحدها المستعملة مع أداء أغاني الثورة؟
إن بين يدي ما يتجاوز ألف نص من هذه الأغاني بالعربية بنسبة خمس وتسعين بالمائة، وخمسة بالمائة بالأمازيغيـة تغطي الجهـات الوطنية المختلفة من حـدود المغـرب الأقصى إلى "أم الطبول" و"بوشبكة"، ومن "الإليزي" إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ومنه حتى ما تغنى بمستشفى المجاهدين الواقع على أقصى حدودنا المغربية وهو الكم الذي مع قصائد طوال املكها كذلك خارج هذا العدد الذي راسلت جهات مسؤولة عن القطاع بمراسلتين بخصوصها قبل ستة اشهر تقريبا ولم اتلقى حرفا واحدا عنها وكأن الأمر يعني الشخص المراسل وليس ذاكرة الامة واية ذاكرة لأي زمان وأي موضوع وكشفا عن نماذج عنها تمثيلا فقط نسوق الآتي تقول مغنية على حدودنا الغربية متحدثة عن الدكتور هدام رحمه الله والممرضات المساعدات له في علاج المجاهدين:
"واش أداني الدار الهدام الجنديات دايرين أسطار"
بحيث يصور هذا البيت من النص تأسف تلك السيدة التي رأت مجاهدات مع الدكتور "هدام" يشرفن على علاج المجاهدين، وهي لم تنل ذلك الشرف العظيم الذي كانت كل جزائرية شريفة أصيلة في أثناء الثورة تسعى إلى نيله بكيفية أو بأخرى، ومثل هذا هو ما يغطي المدونة التي أشرت إليها سابقا ويمكنني أن أستطرد مع نماذج منها بما يشكل كتابا ضخما، وهو ما لا يمكن ولذلك أورد أمثلة أخرى ولتكن من الشمال والشرق، ومن القبائل، ومن الجنوب، فمن الشمال مثلا هذا النص:
"العسكر جانا، جانا على قنلاني اضرب يابنديش ياخويا العسكرالسركاني"
العسكر جانا جانا لابس لرقط اضرب يابنديش يا خويا الجنود تتفرق
العسكر جانا جانـا على مزار اضرب يا الهدنة يا خويا حرقونا بالنـار
العسكر جانا جانا عالركنية اضرب يابنديش اضرب كلهم قوميـة
العسكر جانا جانا على عزابه شجعهم يابنديش الخاوه راهم غلابـه 
اليوطنا بولحية طالع يــبايع سكان مليلة قتلتها الفجــــايع
إن النص وهو يخلد أسماء من أبطال الثورة "يابنديش"، و"الهدنة"، ويشير إلى وضعية المجاهدين وإلى الملازم الفرنسي وتصرفاته، ويذكر أماكن كذلك كانت مسرحا لمعارك جيش التحرير "فيلاني" و"مزار" و"الركنية"، فإنه كذلك كان يؤدي غناء في المناسبات، وإذا تمكن أفراد من الباحثين بحهودهم الفردية من حفظه مكتوبا فمن ذا يحفظه لحنا إن لم تكن الهيئات المسؤولة والمؤسسات المكلفة بجمع ذاكرة الثورة التحريرية، وهو ما ينسحب ولا شك على كل النصوص المغناة في الثورة.
أما من القبائل ومن جرجرة المجيدة فليكن هذا النموذج بأصل إنشائه بالأمازيغية مع ترجمته والنص هو:
"أثسطه نرمان أثنين إديغمين ذا أثمان
إغضاني أحمد أمرى يموث ذاق ربي أذلمان
الله الله أمري إيثخذع أوعزابي
وترجمته:
"ياشجرة الرمــان يانابتـــة في الماء
عز علي أحمد أمري مات شهيدا مطمئنا
الله الله على أمري الذي خدعه العزابي".
ومن دون شك أن ما قيل على النموذج السابق يقال عن هذا النموذج مضمونا، ولحنا، وأداء أي أن النص ككلام قد وجد من يصونه، ولكن كلحن فمن دون شك أنه قد لا يجد من يتولاه، إذا لم يسجل قبل رحيل الأجيال التي تداولته غناء في أوانه.
والأمر لايختلف مع الجنوب ومنه آخذ النموذجين الآتيين الاول يعد الإنسان الجزائري للتضحية في سبيل الوطن بحيث أنه يذكر أن الموت آت آت. مما لاشك فيه أكان اليوم أم غدا، أكنت في الوغى أم خارجه، وما دام الأمر كذلك فإن البقاء في القصور تجنبا للموت لا جدوى منه أبدا يقول المغني:
"الموت في اليوم مضبوط ومالك حياة غير بالله
وكل حي لابد ما الموت مهما القصر بيك علا
والثاني ويتحدث عن"جيش التحرير " مسجلا تهيئه،واستعداده،وتكوينه، حتى يؤدي رسالته على اكمل وجه:
"بين الصحراء وحاسي مسعود أشحال دربوا جنود" 
إن اختبار "حاسي مسعود" فضاء لتدريبات جيش التحرير" يستحيل أن يكون اعتباطيا لأننا تعرف جميعا موقع حاسي مسعود في قلب حكام فرنسا وأحلامهم وأمانيهم ونتذكر ماقدموه من تضحيات من أجل الاحتفاظ بحاسي مسعود وبالصحراء كلها وللغافلين العودة إلى ما قدم من أجل ذلك ماديا ومعنويا، والاطلاع على شتى المراوغات التي كانت السلطات الفرنسية الاستعمارية تعتمدها من أجل فصل قاعدة الجزائر عن بقية جسدها.
وإذا كان هذا ليس هو المطروح عندي هنا فإنه ومن قبيل تسجيل هامش يبدو لي مفيدا أوردت الفقرة السابقة والمستخلصة من البيت الشعري المغنى كما سبق ذكره.
متى تعط القوس باريها؟
هذا"غيض من فيض" ولكنه يسمح بطرح تساؤلات عديدة من صميم ما ينبغي أن يعالج بسرعة وهذه التساؤلات تعني مؤسسات أنشئت بالقطع لهذه الغاية وعليها وصاية كل جهدها ينبغي أن ينصب على كل ما يتعلق بجهاد،وكفاح ونضال الشعب الجزائري وبخاصة المتعلق منه بالثورة التحريرية على أن تعضدها مؤسسات وهيئات أخرى ولا شك وهذه المؤسسات معروفة لدى العام والخاص لأن "الاحتفالية " و" البروتوكولية" التي نطبع نشاطاتها المحدودة عندنا والتي لا يمكن التفريق بين أساليب تقديم أنشطتها تلك لافراطها الاحتفالي والبروتوكولي لدرجة عدم النمييز بين مهمتها في مثل تلك النشاطات وبين نشاطات الوصاية التي هي الوزارة المعنية والعاضدة لها.ويكفي هنا الاستدلال على اننا لا نعثر على قرص واحد مثلا في السوق الوطنية او شريط بنزر يسير من هذه الاغاني. والمؤكد هنا كذلك أنه وبهذه المحايثة والتقرب من بعض محتكري بشبه أبدي مواقع التنشيط وتحديد المواد وتناول مضامينها فإنه يسمح لنا بالقول وفي الغالب أن القوس اعطيت لغير باريها جملة وتفصيلا وعرضا لبعض ما نراه حقيقة وحقا لذلك بالملموس المباشر أطرح التساؤلات: من قرأ منا في أية سنة ثقافية، أو جامعية، أو نسميها أي تسمية برنامج المتحف الوطني للمجاهد، أو المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر أو مديرية التراث الثقافي والتاريخي تحدد فيه موضوعات النشاط وتفتح المشاركة أمام كل الباحثين والإعلاميين والمثقفين والسياسيين والفنانين وغيرهم ثم تصنف مادة المشاركين ويبرمج منها ما يبرمج بحسب الوقت والأهمية والموضوع ومناسبته والباقي يحفظ في الأرشيف لتمكين الباحثين من مادته، وطبعه حين يتاح ذلك؟
بل من يمكنه أن يقول لي أنه قرأ مرة في أي عنوان إعلامي بأي لغة أن إحياء أي مناسبة من قبل المؤسسات السابقة مركزيا أو محليا قرأ إعلانا يحدد محاور الندوة أو اللقاء وتفتح المشاركة ومن يفهمني في اعتماد أسماء نفسها بشكل دائم إن لم يكن بنسبة مائة بالمائة أو ثمانين بالمائة على الأقل اعتمادها محاضرة في كل المناسبات ولمدة فاقت أحيانا عشر سنوات فهل يمكن للمنطق لا أقول الطبيعي ولكن العلمي والأكاديمي وحتى الأخلاقي أن يقبل هذا والله إن كان ذلك ممكنا فليقنعني من يقنعني وأقول أبدا " رب زدني علما" ؟ كذلك الشأن بالنسبة لبعض من تسند له وظيفة لجنة الحكم في المسابقات التي تخص دائما الموضوع، بحيث أني عشت مناسبة، وقرأت عن أخرى فالتي عشتها وجدت وبالدليل المدون أن بعض إداري المؤسسة أعضاء في لجنة التحكيم وأحيانا مؤلفين لنصوص ممسرحة أو مغناة أو تولوا مهام فنية والأبعد أن تصنيف بعض مواد المسابقة صنفت في غير الجنس الذي تنتمي إليه وأما التي قرأت عنها فتلك التي حكمت مسابقة القصيدة الشعبية بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة نوفمبر بحيث أن أسماء فيها لا صلة لهم ليس بالشعر الشعبي فحسب بل بالأدب الشعبي بعامة.
والسؤال الآخر وليس الأخير والذي أسميته سؤالا وليس تساؤلا كما أسلفت لأنه الشامل لما ينبغي أن يطرح، والملح انجاز ما يطرحه وهو هل تملك وزارة المجاهدين أو المنظمة الوطنية للمجاهدين أو وزارة الثقافة أو وزارة الاتصال أو المؤسسات المتخصصة هل تمللك بيبليوغرافيا كاملة لأغنية الثورة التحريرية بأسماء مبدعيها ورواتها ومغنيها وألحانها وتصنيفها بحسب أغراضها على الأقل وتوثيقها وشرحها والتعليق عليها لتكون بين أيدي الأجيال الشابة وكل الأجيال.فإن لم يتم ذلك فهل يستطيع أحد أن يقدر قيمة ما سنخسره بخسارة هذا التراث بل هل يستطيع أي كان أن يجرؤ على مجرد الأقدام على محاولة تحديد قيمة أي قيمة لذلك التراث المجيد؟ وإنا والله لنبقى نتساءل ونتساءل ونأمل ونتمنى حتى يتحقق المثل العربي المؤدى في قولهم " يا إبلي عودي إلى مباركك".