قبل الإفتاء في إشكالية "الأمازيغية" حقائق و تساؤلات
منذ مدة أصبح طفوُ الحديث عن الأمازيغية مسجلا في كل مناسبة تمس المجتمع الجزائري، ويبدو أن ظروف هذا الوطن العزيز التي عاشها منذ أكتوبر 1988 إلى اليوم، وبالخصوص منذ بداية 1992، والتي سمحت لكل من هب ودب أن يقول ما يريد صدقا، وما لايريد ويفتعل القول لخلق حدث يعطيه موقعا متقدما لدى من يحتل مساحة " الموالين" لهم في بعض المراكز الإعلامية، يبدو أن تلك الظروف والتي أيضا أوقفت أقلاما كثيرة عن التحرك إتقاء لهذا الحساب، أو لذاك سمحت من جهتها بتكريس الأثر الشعبي القائل: "إذا غاب القط حضر الفأر" إذ أعرف أقلاما لها أكثر من كلمة فصل في قضايا عديدة، ومنها هذه، ولكنها لم تحبر شيئا عنها، كما أن مؤسسات إعلامية، وثقافية تقنعت بجلد الأسد يوما، وتظاهرت بإعادة الكلمة إلى الباحثين والمختصين، والواقع أن من اكتوى بنار بحث هذه القضية _ الأمازيغية _ والعرف لها لم تعط له تلك الكلمة، ولم يضع هؤلاء في الحسبان لأسباب لا يعلمها إلا الله، وأولائك الذين يتلونون كل يوم مرات تلون الحرباء، بحيث نجدهم يأكلون من كل صحن، ويسقون من كل إناء. وهؤلاء يطول الحديث عنهم، وهذا ليس أوانه، ولا مجاله .
لذلك لم نشأ الضَّخَّ في تلك الأثناء لأن الإناء الصدئ لا ينتج عن إفراغه أوضخه إلا ماءً أسنًا مرًّا، واليوم، وقد تجلى أن قضيتنا الجوهرية في هذه الأسطر هي من الأهمية بمكان اعتمادًا على تصريح السيد وزير التربية الوطنية الدكتور "عمر صخري" أولا، ثم ما تضمنه بيان مجلس الوزراء الأخير الذي انعقد يوم 9/9/1994 فإن الموضوع يلزمنا بالتناول، لأنى _ ومن قبيل التوثيق للحقيقة _ لا من قبيل تزكية النفس ومدحها _ قد اشتغلت بهذه القضية (الأمازيغية ) أكثر من ثلاث سنوات، فجمعت ما أمكن الوصول إليه من المصادر والمراجع الشفوية، والمكتوبة، وأقصد بالشفوية النصوص الإبداعية : شعر، وقصة، ولغزًا، ونكتة، وحكاية ... ومن أكثر من جهة من الوطن، بل ومن بعض جهات أقطار المغرب العربي، أما المكتوبة فأقصد ما حصلت عليه من النصوص الإبداعية في الأجناس الأدبية السالفة الذكر، والدراسة التي تناولت لغات ذلك الإبداع، فضلا عمَّا كتب عنها تأريخا لها ووصفا لرسمها، وبنائها، ودلالات مفرداتها أي "معجمها اللغوي" وتركيبها النحوي والصرفي، وهي مراجع منها ماهو بالعربية، وبخاصة ماكتبه القدامى والباحثون المغاربة، ثم أخرى بلغات: فرنسية، إنجليزية، وغيرهما، وهي كتابات كثير منها نقل إلى العربية، فضلا عن الرسائل الجامعية وبحوث الطلاب التي أشرفت على إنجازها، أو ساهمت في مناقشتها كعضو في لجنة المناقشة بجامعتنا، الأمر الذي مكنني _ ولله الحمد _ من إنجاز بحث أكاديمي في الموضوع عبارة عن مؤلف جاهز تماما في مسودة، وفي الأيام القادمة سأشرع في تبيضه إن شاء الله لنا إتمام ذلك.
أ _ التسمية (الأمازيغية) بين المرجعية والنوايا
ومن الجمع والقراءة والتقاصي، والإتقان كذلك لهذه اللغات أسمح لنفسي بسبق صدور هذه الدراسة _ إن شاء الله لها ذلك _ بتقديم هذه الإضاءات مادمنا نسير فيما يبدو إلى تناول هذه القضية تناولا أتمنى أن يكون علميًّا بريئا، بعيد عن الذين يتخذونه وسيلة من وسائل المتاجرة لتحقيق الأرباح، أو أي مكاسب أخرى، أدناها شغل الرأي العام بالحديث عنهم، ومادام الأمر سيتضح لاحقا بالتوثيق العلمي الميسور، والوصف والتحليل في الجهد الذي بذلته في بحثي ذلك، فإني هنا أكتفي بطرح مجموعة، من الاشكالات التي تدعو إلى التأمل، والتمحيص، ثم تقرير ما ينبغي أن يقرر بشأنها، وأولى هذه الإشكالات هي التسمية نفسها، والتي أعطي لها، أو أختير لها اسم" الأمازيغية "، وهو الذي تكرسه الدولة، لأن التلفزة كونها مؤسسة عمومية لا تعتمد في المسائل الرسمية إلا مايعبر به لسان هذه الدولة، بحيث أن الذي نعرفه عن تاريخ هذه اللغة، أو اللهجة، وهو الأقرب إلى الصواب عند بعض اللغويين المعاصرين، ما نعرفه عنها، هو أن الأمازيغية لا تعني بالنسبة للجزائر إلا لهجة القبائل فقط _ قديما _ وربما وجد اليوم عند بعض التوارق ما يقابلها، وبالتحديد أكثر فإن الذين ينطقون هذه اللهجة هم سكان بعض مناطق الأطلس الشمالي ليس إلا، وهنا يكون التساؤل المشروع هو أنه إذا كان هذا الإسم المختار"الأمازيغية"، هو الذي كان يطلق على لغات سكان شمال إفريقيا قبل الفتح الإسلامي، فإنه باطل تاريخيا وعلميا، لأننا نجد سؤالا آخر أدق وأعمق من هذا، وهو: هل هذه "الأمازيغية" الحالية المتداولة في منطقة القبائل هي نفسها المتداولة في العهود الموغلة في القديم _ آلاف السنين _،بل هل هي نفسها كانت تتداول في العصور الوسطى؟ٍ واليقين أنها ليست هي ذاتها، أما إن كان الاسم اختير على أساس النسبة لناطقيها "الأمازيغ" واختيار حديث، فهذه مسألة فيها نظر، ولكن لا ينبغي أن تكرس هكذا بصمت مطبق، ودون احترام بقية اللغات، أو اللهجات الأخرى، بل ينبغي أن يعرف الناس ذلك، وأن يكون المعجم المستعمل في التداول آنذاك آخذا من كل هذه اللغات، بل معتمدا المعجم القريب إن لم أقل المتفق تماما مع لغة كل الشعب الجزائري وهو موجود بالقطع واليقين .
وعلى فرض أن التسمية بـ" الأمازيغية" اعتمدت للسبب السابق، فإن المدهش، هو أن أمازيغية القبائل الأصلية ليست هي أمازيغية "بشير معمري" في موجز، أونشرة في التلفزة الوطنية، ولا هي أمازيغية " مولود معمري" رحمه الله، أو الدكتور "سعيد سعدي"، و" آيت أحمد"، وبعض رؤساء الجمعيات التي تتبناها عند القبائل، إذ بين يدي نصوص عديدة في القصة، والحكاية، والقصيدة، والمثل، وغيرها من عمق جبال الأطلس الشمالي تؤكد الانفصام الحاصل بين الشخصيات المذكورة، وبين المجتمع القبائلي، الحقيقي الأصيل، وهو ماسيلا حظ عند نشر نماذج من تلك، وعلى سبيل المثال نجد أن نصوص الأمازيغية هناك خالية خلوا كاملا من ألفاظ اللغة الفرنسية، وأن الألفاظ، والتعابير التي يستعملونها باللغة الفرنسية حاليا يستعملها السكان بالعربية، ولا نجد في أحاديثهم، ونصوصهم من الألفاظ الفرنسية إلا ماكان متصلا بأدوات صناعية حافظت على اسمها الأصلي بالفرنسية، أو بأية لغة أخرى، وهذا شأن كل اللغات تقريبا، أكثر من هذا يفتعل أحيانا مصطلح، أو اسم من لدن شخصية ما على أساس أنه أمازيغي، ويمرر إلى جهات معينة "إعلامية" للترسيخ، وبالتداول المستمر يصبح وكأنه مصطلح لفظ أمازيغي حقيقة، وهو بعيد عن الأمازيغية كل البعد .
إذن فالإشكال الأول الذي ينبغي أن يطرح طرحا علميا سليما بعيدا عن كل الأهواء والميول هو مامر في هذه التساؤلات، وتلك التوضيحات، لأننا نملك تسميات أخرى لبعض لهجات، أو لغات سكان شمال إفريقيا، ومنهم سكان الجزائر، وهي تسميات أصلية، عريقة ومنها" الليبية"، و"البربرية" التي هي الإطار العام الشامل لكل هذه اللغات كما عند القدامى، وبعض المعاصرين إلى جانب ما يسميه الأشقاء في المغرب بـ:"الريفية"، و" الشلحية"، وأيضا " التفيناغ"، والتي أطلقت على حروف هذه اللغة.
يعني أنه من الضرورة بمكان اختيار إما التسمية الأصلية:" الليبية"، أو "البربرية "، أو "التيفناغ" على أساس رسم هذه اللغة، أو اختيار التسمية الحديثة "الأمازيغية" لأن التسمية في اعتقادنا ينبغي أن تبنى على حقائق تاريخية وعلمية لتسهيل انتقاء الحرف الذي سترسم به وذلك سيأتي لاحقا توضيحه لأنه من الأهمية بمكان.
ب _ الرسم بين التيفناغ و اللاتينية و العربية
نلاحظ اليوم في الساحة الوطنية أن غياب سياسة لغوية صارمة أو حتى ثقافية واعية مؤصلة قد فتح أمامنا مشاهدة أكثر من واجهة لرسم اللغات البربرية ، أو لهجاتها هذه، أو اللغات الليبية كما أسلفت، والذي توصلت إليه، من جهة _ خلال قراءاتي _ وعشته _ سمعا ومشاهدة _ من جهة أخرى هو الاضطراب الحاصل في الحروف التي ترسم بها لغات البربرية هذه فبين أيدي أعمال لكتاب مغاربة كثيرة، وباحثين جامعيين كتبت كلها بالحرف العربي، وأعمال قليلة جدًّا كتبت بالحرف اللاتيني، والأمر كذلك عندنا في الجزائر، وهو ما يعني أن اختيار الحرف في حد ذاته لا يخلو من خلفية مسبقة معينة إلا عند القليلين من الباحثين النزهاء، الذين يريدون خدمتها بوسائلها الحقيقية الأصلية بعيدا عن الغوغائية، والضوضاء، وعن ترضية زيد أو عمر، أو خدمة ايديولوجية محددة، أو تصفية حساب مع عنصر جنسي معين، أو توقيع صفقة تجارية مع أي شاطئ من الشواطئ، أو وجهة من الوجهات، وهؤلاء محجوبون عن الرأي العام، وأعمالهم في عمومها لا ترى النور لأن احتلال الساحة الثقافية اليوم _ بما فيها ساحة الكتاب_ يخضع لتوفير شرط من الشروط السابقة، أو لكثير منها، والل>ين تحدثوا عن هذه القضية في العالب من الذين لا يملكون أدنى المعلومات عن تاريخ هذه اللغات، إذ كثيرا ما وجدت عناصر شابة تناصر كتابتها بالحرف اللاتيني وهم لا يعرفون السبب، إنما كل ماهنالك هو أن فلانا رئيس جمعية ينتمون إليها أمرهم بفعل ذلك، أو أنهم ناقمون لأنهم لم ينجحوا في داستهم بالعربية في المراحل التعليمية الأخرى، أما الكبار فمنهم من حاورته طويلا فلم يكشف عن الأسباب التي دفعته إلى اختيار الحرف اللاتيني لكتابتها وظل هاربا من الإجابة المقتعة معتمدا في ذلك لغة الأسطوانة القائلة: " إن الفرنسية لغة العلم ... الخ" وكأن كتابة هذه اللغة بهذا الخرف، أو ذاك يكفيها لتصير لغة علم، وفن، وابداع، وثقافة ...
أما الطرف الذي يقترح كتابتها بالحرف العربي، بل يلح على ذلك فمن جهته لا يقدم السند التاريخي والعلمي الذي يدعم رأيه، وهو سند مؤسس، مؤصل وشواهد الآثار التي تؤكد ذلك كثيرة جدًّا، وتعود لمراحل مختلفة من مراحل الزمن.
وهنا _ وفي تقرير وجهة نظر سريعة_ نسأل هل هذه اللغات البربرية، وأضف لهجاتها التي تفوق خمسة آلاف لهجة بحسب وجهة النظر الفرنسية لم تكتب إلا في العصر الحديث حتى نكتبها بالحرف اللاتيني، وإن كتبت قديما فبأي حرف كتبت هذا إذا أردنا تقريب المسافة الزمنية، أما إن أردنا الإيغال فيها للوصول إلى الجذر الأصل _ وهو الأساس وما جب أن يكون _ نسأل بشكل آخر، وهو من أين تنحدر هذه اللغات البربرية، ولهجاتها، أو لتقل مع أي لغات العالم تلتقي في الكمية، وفي صورة الرسم كذلك ؟
من الأكيد أن العرفين يدركون الإجابات عن هذه التساؤلات، ومنهم من يخفيها، ويمر عليها، وكأنه لا يدركها، والكثير لم يحاول طرحها، ولا الإجابة عنها، ومجمل القول حينئذ هو أن "التيفناغ" تلتقي مع السامية، والآرامية، والكلدانية، في الزمن، وفي الكلمة، وفي بعض صور الحروف، أما مع العربية فلا نحتاج إلى ذكر ذلك في الحقيقة، لأن ذلك يعد من تحصيل حاصل، إذ أن أول دولة جزائرية تكونت بعد الفتح الإسلامي، والتي هي الدولة المتميزة بازدهارها، والمعروفة بالدولة الرستمية كانت لا تستعمل إلا الحرف العربي باللغتين معا، وهي ما بقي متواصلا مع الدول البربرية الأخرى، التي تعاقبت بعد هذه الدولة وهي كثيرة، علما بأن الإستعمال المقصود كان موقوفا في الحقيقة على الضرورة ليس إلا .
قد يذهب البعض من الإيماء بهذه الإشارة السريعة إلى واقع لغوي أصيل عرفته ديارنا أني أتحيز لحرف دون أخر _ وذلك من حقي، وهو الحقيقة _ ولكن ليطمئن هؤلاء أننا في زمن لا مكان للحقيقة فيه، وإنما المكانة كل المكانة يتبوؤها الكذب والسفسطة، وما قصدته بهذه الإيماءات كما أسلفت هو أن أصل إلى الإجابات عن التساؤلات السابقة، وأختم هذا العنوان الفرعي بأخرى، وهي: أنه إذا كان اليقين هو ما أسلفت ذكره في وجود علاقة وطيدة بين لغات البربرية، أو الليبية، واللغات السابقة: كلدانية، سامية، أرامية ثم فنيقية، فعربية، ونقر جميعا بوجود تراث يعود إلى مئات السنين إن لم أقل آلاف السنين بلهجات اللغة الليبية هذه مكتوب بحرف اللغة العربية، فهل ذلك التراث ليس جزائريا، وإن كان جزائريا فعلى أي أساس نلغي أصله الأول، حرف التيفناغ، ثم حرفه الثاني حرف اللغة العربية، لنعطيه حرفا أخر هو الحرف اللاتيني، هل من الوفاء للوطن، وللأجداد أن نفعل ذلك أم أننا أكثر وطنية من آبائنا وأجدادنا منذ أن كانوا إلى اليوم، وأكثر وعيا منهم لهذه القضية، وأحسن منهم تمثيلا للعلم والثقافة، إذا كنا كذلك فماذا قدمنا في المجال هذا،وفي غيره، وبما فقناهم، وأي أخطاء سجلناها عليهم، وفي ظل مسيرتهم حتى دخول فرنسا إلى الجزائر، هل طرحت هذه الإشكالات، متى، وكيف، وأين، وهل سجل _ تاريخيا_ صراع لغوي في الجزائر بالخصوص بحدة اليوم، أيضا متى، وكيف، وإلى أي شيء أنتهى هذا الصراع، وإن لم يحدث شيء من ذلك فهل كانت المدرسة الجزائرية في تاريخها القديم منذ الفتح الإسلامي إلى الأربعينات عندما بدأ المشكل اللغوي هذا يطرح، هل كانت مزدوجة اللغة البربرية وعربية، أين، وكيف، ومتى كذلك، وإن كان غير ذلك أيضا فكيف عاشت هذه اللغة إلى اليوم وفي كل مواطنها التي وجدت فيها قديما، وهل منع الناس من المحافظة عليها اليوم حتى تطرح هذا الطرح البهلواني، و الحال هذه أترانا عندما نقررها في المدرسة الجزائرية هل يلزم من لا يريد تعليمها بتعلمها، وعندما يتعلمها هل يحل الإشكال اللغوي عندنا، وعن حل في المجالين البربري والعربي، فما موقع من لا يفهم اللغتين معا أو يرفضهما معا ويريد التركية، أو يريد الأثيوبية على رأي أصحاب الفرضية الذين يقولون إن أول من سكن شمال إفريقيا هم الحراطون، وليسوا البرابرة. أو يريد الفرنسية وهم موجودون، وهل نفرض على أبنائنا دراسة بربرية توارق، وبربرية ميزاب، وبربرية الشاوية، وبربرية القبائل، وبربريات عديدات داخل هذه البربريات على مستوى الدائرة أحيانا لا على مستوى الولاية وإذا سلمنا أننا سنتفق على الحرف الواحد، وليكن الحرف الدولي، والذي أذكره الآن فقط، فإن هذا الحرف قاصر لأنه لا يستطيع تحقيق مخرج الحروف التي تستعمل في الكلمات البربرية، وإذا أجمعنا على معجم لغوي بربري واحد، فأي طرف يسلم للآخر باستعمال معجمه، ومن يعلمها، ومتى يتم ذلك له حتى يعلمها .
ليكن قارئ هذا الأسطر على بينة أني فيما أذكر أول من نشر نصوصا بالشاوية في جريدة النصر تتحدث عن الثورة الجزائرية سنة 1971 ، وأن كتابي عن الشعر الشعبي والثورة التحريرية بدائرة مروانة الذي قدم بجامعة قسنطينة سنة 1981 مخطوطا، ونشر أول طبعة له سنة 1984 عن الشركة الوطنية للنشر و التوزيع فيه نماذج من النصوص بالشاوية حتى لا يزايد عني، فيقول إني ضد لسان هذا الشعب الذي لي الشرف كل الشرف أن أكون واحدا من أبنائه، ويكفي أني أفهم هذه البربرية كما فهمها أجدادي، وأعطيها الموقع الذي ظلت فيه عزيزة، ولكي أجعاها مطلوبة مرغوبا فيها ينبغي أن أكشف عن ابداعها باللسان الذي يفهمه كل الجزائريين، وأن أبين جماليات ذلك الإبداع فيها، وأن أضع الكل أمام ابتكارات هذه اللغة، وعلومها، وحضارتها، إن كان لها شيء من ذلك، أما أن أحمل طبلا، وأصعد منبرًا، وأقفز أسفلا، وعلوًّا، وأردد خمس كلمات على الأكثر، ثم أقول هذه لغة، وتمتاز بكذا أو كذا... فأنا في هذه الحال أجني حتى على الموروث الإبداعي الحق، الذي تركه الأباء، وبكل بساطة حتى الكلمات الخمس التي أرددها تلك هي هجين لو أفحصها أجد البربرية فيها لا تشكل اثنين في المئة .
ج _ المعجم بين المستوى و الوحدة و التنوع
من الضروري أن يكون لكل لغة معجم يشمل مفرداتها، وعدد معانيها حتى إذا نطلق بها أي كان على مستوى الإقليم الذي تتداول فيه يفهمها الجميع خواص وعوام، وقد يكون هذا الإقليم وطنا، أو أوطانا، أو قارة، أو قارات، أو غيرها بحسب اتساع وضيق مساحة انتشار تلك اللغة.
و الليبية هذه، أو البربرية، أو لتأخذ أي تسمية كانت هل نجدها تتمتع بهذه الميزة، إنه لمن المؤكد أن لهجاتها ذات وجود على مساحة أرضية شاسعة تشمل أقطار المغرب كلها: "تونس"، و"ليبيا"، ومناطق من جمهورية مصر، وجمهورية السودان، وربما امتدت إلى أجزاء أخرى من أثيوبيا، وبعض مناطق في دول إفريقيا، وغيرها، وهذا الوجود الذي يغطي هذه المساحة، والذي فيه المتيقن منه، والمفترض على أساس نقاط التلاقي التي يكشف عنها بين الحين والآخر عن طريق النقوش التي تظهرها، أو تصل إليها الحفريات الجارية في أنحاء العالم اليوم .
الأمر الذي يعني أني، والمغربي، والتونسي، والليبي، والمصري، وغير هؤلاء عندما نلتقي و يحدث بعضنا البعض بهذا اللغة لا يطرح إشكال الفهم بيننا تماما، والواقع غير هذا نهائيا، أنه في مصر لا نجد اليوم من يستعملها، أو ربما حتى يتذكرها مطلقا، وكذلك في تونس التي لم يبق من مستعمليها إلا نسبة اثنين في المائة وربما حتى هذه النسبة الآن قد تولت، أما في ليبيا فإنها لا تزال موجودة وبخاصة في منطقة "أزواره" وما يحيط بها، ولكنها تمضي نحو الإنقراض كذلك لعدم تداولها واستعمالها بكثرة، ويبقى المغرب الأقصى على رأس قائمة الأقطار التي ينطق سكانها بلهجات هذه اللغة، أو اللغاتـ إذ تصل نسبة هؤلاء أربعين في المائة، بحسب الإحصاءات المغربية ذاتها، وفي الجزائر التي تأتي بعد المغرب نجد رقما مقترحا في عدد من المراجع هو ثلاثين في المائة، ولا ندري إلى أي مدى دقق هذا الرقم .
فعبر هذه المساحة، وأهلها لا نجد أي وحدة بين معاجم أهلها، إذ أنه لا يمكن للشاوي مثلا أن يفهم كل مايقوله القبائلي، والعكس صحيح، كذلك أن المزابي لا يمكنه أن يفهم الترقي فهما كاملا بحال من الأحوال، وهلم جرًّا. بل آخذ دائرة من دوائر ولاية من الولايات القطر _ وقد فعلت ذلك _ ورمزت لها بـ:"س" وليكن عدد سكانها ثمانين ألف نسمة، فإني أجد تباينا في معجمها بين قرية وأخرى، وأحيانا داخل بلدية واحدة .أما بين سكان الدائرة و الدائرة، ودون التشخيص، والتحديد في هذا المقام، فذلك لا يحتاج إلى أي متابعة لإثباته، أما بين الشاوية والقبائلية مثلا فالشاذ هو الذي يمكن أن يجمعهما ( اللغتين أو اللهجتين) والإختلاف هو العام، ولعل الذين يتابعون موجز الواحدة لا يحتاجون إلى سياق الأمثلة، ولتوضيح التباعد الحاصل بين لهجات هذه اللغة حتى بين لهجات القبائل نفسها لنتابع موجز التلفزة ذاته عندما يقدمه متحدث من بجاية، ويقدمه آخر من تيزي وزو ولنلحظ ببساطة شساعة الإختلاف والتباعد بين معجم اللهجتين .
فإذا تجاوزنا ذلك إلى المستوى الدلالي لمعجم هذه اللغة، وجمعناحتى لهجاته فإنه من المستحيل تحقيق التعبير به عن كل ما في الحياة، وبخاصة ما يتعلق بحقول العلم، لأنها لغة، أو لغات فقيرة، وإن الذين لجأو إلى الإشتقاق لتغطية العجز ذلك _ كما فعل بعض الأشقاء المغاربة _ سلكوا سبلا شتى من التعسف لا أقول للوصول إلى تحقيق ذلك، بل للإقتراب من تحقيق بعض ما ودوا تحقيقه، وفي الحالات النادرة، التي تناولوها وظنوا أنهم وصلوا إلى مرادهم، أبقى جهدهم ذلك محصورا على ذواتهم، لأنني _وعلى الرغم من معرفتي معرفة تامة للشاوية التي هي لغة من البربرية _ لم أقتنع به، ولم أفهم حتى الطريقة التي سلكت إلى ذلك، وهنا أحيل على المرجع في متن الموضوع قصدا للتأكد من ذلك، ولتكن كلمة محمد شفيق "عبقرية اللغة الأمازيغية " المثبت في "الثقافة الشعبية بين المحلي والوطني " الخاص بأعمال الدورة الثالثة للجامعة الصيفية بأكدير، الصادر عن منشورات عكاظ، بالمغرب بدون التاريخ من ص: 97 إلى 110 خير مثال على ذلك، و إن لم يكن حكمي هذا مؤسسا، أو دقيقا ، فإن الذي سيقرأ المقال ذلك، أو غيره في العنوان المذكور من الجزائريين أقصد، ويصل إلى فهم ماقلت إن لم يفهمه أرجوا أن يأخذ بيدي مشكورا سلفا، ويفهمني فيما أنتهى إليه هذا الباحث "شفيق" المهتم بهذه اللغة ونصوصها. إضافة إلى ذلك فإن بعض الكلمات التي ينطق بها القبائلي، ويوظفها على أنها شريفة المعنى، فهي بذيئة عند الشاوية، وربما عند سكان آخرين في الوطن، والعكس صحيح أيضا بالنسبة للقبائل، أو غيرهم فيما يستعمله الشاوي، ويظنه شريف المعنى، إذ كم من مرة تجتمع العائلة حول جهاز التلفاز فتفاجأ بعبارةمن العبارات التي تبدد شملها ذلك، دون علم المستعمل للعبارة بذلك .
فالذي ينبغي في هذا الصدد أن يفعله الذين يريدون نفخ الروح في هيكل عظمي لم يستطيع صانعوه في عصور ازدهارهم إيقافه، و إعطائه النفس الكامل للسير، والفعل، والإستجابة، والتحدي، فالذي ينبغي أن يفعله هؤلاء هو تحقيق وحدة الهيكل العظمي هذا المتناثر الأجزاء هنا وهناك ثم الحديث عن هذا الهيكل الذي ينبغي أن نحمل حبه في القلب، وصورته في الذهن، وخلاف ذلك فإن هذا الهيكل الذي ينبغي أن يتحول إلى فاتنة معشوقة سيظل موسوما بقدر ما تمكيج ذاتها، وتكشف عن أعضائها بقدر ما ينفر منها أكثر، ويكشف أسلوبها الإغرائي الزائف.
د _ موقع التقاطع و الاختلاف مع أشقائنا في المنطقة
منذ مدة وجيزة أخبرتنا وسائل الإعلام الوطنية، وبخاصة المكتوبة، أن جلالة الحسن الثاني، ملك المملكة المغربية الشقيقة، قرر إدخال الأمازيغية في مدارس المملكة، وكوني _ كما قدمت _ أحاول جمع كل ما يتصل بالموضوع لإنصابي على بحثه فقد قرأت رد فعل الإعلام الوطني، والذي أكتفى في أغلبه بنشر الخبر ليس إلا، ما عدا جريدة الوقت التي خصصت عمودا لذلك عنونته بـ" ملك الأمازيغ"، والذي بعدما تعرض كاتبه فيه إلى الخبر ذهب إلى الإيحاء بأن هذه الخطوة التي خطاها جلالة الملك ليست بريئة، والواقع _ مع أني على اختلاف عميق مع توجه هذه الجريدة _ فإني هنا أسجل انتباهها على الأقل إلى أن الوضع اللغوي في المغرب، ليس هو نفسه في الجزائر، لأنه لايكفي أن توجد البربرية في القطرين، أو في أكثر ليكون وضعنا اللغوي واحدًا .
فالمغرب الشقيق يتميز عنا في هذه النقطة، أو في هذه القضية بكون نسبة السكان المستعملين فيه لهذه اللغة، أو إحدى لهجاتها نسبة عالية، وبوجود استعمال لهذه اللغة استعمالا شاملا قديما كما في العهد البورغواطي، كما يذكر ذلك عن ثورتهم (1)، وكذلك وضع التعليم عندهم اليوم، بل أقول نسبة التمدرس عندهم اليوم، والذي لايضاهي نسبة التمدرس عندنا بحال من الأحوال، وهو ما يبقى تواصل هذه اللغة تواصلا شفويا، ويبقى السكان المعزولين في المنطقة الوعرة لا يعرفون العربية،بخلافنا نحن اليوم بحيث نجد المدارس على رأس قمم جبالنا، إلى جانب ذلك حركة التنقل التي تقل عند المغاربة تماما إن لم أقل تنعدم في بعض الجهات، بينما نجدها عندنا منذ الثورة التحريرية واسعة بشكل يصعب ضبطه وتحديده، وكذلك نظرة الجزائري إلى العربية، وهي نظرة تختلف تماما عن نظرة المغربي إليها، فنحن في فترة الاستعمار كنا مقموعين في كل شيء بما في ذلك تعلمنا اللغة العربية، بينما الأشقاء المغاربة كانوا يدرسونها بحسب الجهد و المستطاع دون المنع و المضايقات، أضف إلى ذلك أن المغربي يقتنع بتلقي عقيدته الإسلامية بلهجته المحلية، وتدوين ما يتصل بها باللهجة ذاتها، بينما الجزائري _ إلا في مواطن محدودة _ لا يقتنع بذلك أبدًا، بل يريد الوصول إلى معرفة عقيدته تلك وتمثيلها تمثيلا تاما باللغة العربية الفصحى، ونتيجة ذلك فهو يخجل أن يخاطب الناس في شؤونهم الدينية تلك بغير العربية، فأفضى وعبر التاريخ قداسة على العربية حتى صارت عنده موازية لموقع القرآن الكريم في نفسه، وتوارث الخلف عن السلف ذلك حتى اليوم .
ومن هنا نجد أن نقاط الإختلاف بين وضعنا اللغوي، ووضع الأشقاء المغاربة اللغوي، أكثر من نقاط التقاطع التي تجمعنا، ولذلك فلإن الذي يقبل على أي خطوة في هذا السياق ينبغي أن يجمع كل المعطيات، وأن يمحص كل الأقوال، وأن يقرأ ألف حساب لكل خطوة يقدم على قطعها، لأن أحد الأمثال الشعبية عندنا يقول:" الميت فأر والمندبة كبيرة" فما أحوجنا إلى التحرير من المنادب التي تلهينا عن غزو النجوم .