الانساق الفكرية و الفنية و مرجعيتها في قصيدة المنفرجة للشيخ سيدي عده بن غلام الله
نص مداخلة المعدة لتقديمها بمناسبة احياء ذكرى الشيخ يوم 30/06/2011 بتيسمسيلت أعتقد أنه من الأهمية بمكان في المنطلق التنويه إلى وجوب استقراء تراثنا الوطني، باهتمام بالغ، و استمرارية دؤوبة في كل زمان وإذا كان الزمن كالزمن الذي نعيشه الآن فالأمر عند ذلك يغدو فرضا كما في لغة الفقهاء المأخوذة من كتاب الله هنا. ذلك أن الهجمات التي لا تتوقف، و أساليبها التي تتلون تلون الحرباء وفق حالة المستهدف، و الغاية المريد تحقيقها في أي منطقة في العالم و مع أي شعب من شعوبه و بخاصة و أنياب العولمة المكشر عنها جهارا نهارا، و قد حدوها لتقضم الصلد اليابس و الأيبس أما الأخضر فذاك مفروغ من أمره.
ما يعني أن ما يمكن أي شعب من مواجهة هذه الهجمات هو تراثه، و بخاصة حين يكون في مستوى تراثنا الجزائري ثراء، و تنوعا، و نقاء، و فنية. و إني لأرى أن هذا الذي نعيشه اليوم في فعاليات إحياء ذكرى واحد من أئمة الأمة و شيوخها المخلصين الأوفياء هو من صميم الوقوف الند للند و بكل تحد و تجاوز لمن يريد توطين اورام في جسم أمة كانت و ما زالت و ستبقى بعون الله و جهود أبنائها من أمثال الشيخ عدة، ستبقى مصونة الجانب، محمية الحمى، ناصعة الحضور، مؤثرة في المسيرة الإنسانية، و مغنية لها.
إذ أن دلالات إثارة المناسبة و مستوى الحضور لفعالياتها و المستدعي من شخصية الشيخ رحمه الله إنما يعني ما يعني في الأبعاد الشاملة تقديم نموذج من الفضاءات أو المحطات الحياتية الروحية و المادية للشيخ للسير على نهجه و خصوصياتها لتحصين ذاتنا من جهة و تنبيه الغافل و الجاهل إلى ما لدينا مما يعتمد عليه في سد أي منفذ يمكن أن تمرر عن طريق رياح التحريف، و التزييف بدعوى ملء الفراغات في محيط الأمة، و ما أكثر سعي من تزعجه التحولات الجذرية الجمة الشاملة التي يعيشها وطننا.
و تماهيا مع ما أسعى إلى طرحه في هذا السياق، فقد رأيت أن يتمنهج ذلك في توزيع عنواني كالأتي:
أ‌- الشيخ و النص
ب‌-الأنساق الفكرية محتوى ( مضمونا) وتشكيلا.
ج-مرجعية النص
د- خلاصة
ووفقا للمقولة " لكل مقام مقال" فإن هذه العناوين مع اتساعها، و عمقها، و توزعها، و تنوعها في النص فإني لا أسلك سبيل الفاحص المفكك بدقة لا متناهية و لكني أورد ما أورده بتكثيف غير مخل، و لا ممل بالتفصيل، و مهدر للوقت في مثل هذه الحال.
أ- الشيخ و النص:
أعترف بدءا انه لا علم لي بالشيخ ( عدة) قبل توصلي من الأخ الكريم ( بومدين بوزيد ) بثلاثة نصوص شعرية للشيخ الشاعر هي " دعاء اللطيفة"، و " منظومة التفريج"، و " المنفرجة" التي هي موضوع ورقتي هذه و لأني أصدرت في سنة 2009 مؤلفا بعنوان " معجم شعراء الشعر الشعبي في الجزائر من القرن السادس عشر إلى العقد الأول من القرن الواحد و العشرين فقد أحسست أن اسم الشيخ قد مر معي في المعجم و حين عدت إليه وجدت أن الاسم الشيخ ( عده ) بالفعل قد ترجمت له، و أثبت له نصا في المعجم، و لكني حين اطلعت على كل الأشعار الموجودة عندي لم اجد النصوص الثلاثة فرحت أبحث في مراجع متصلة بالموضوع و بالمنطقة، فوجدت أن الذي ترجمت له هو الشيخ ( عده المعروف بالمستغانمي ) و عاش في زاوية الشيخ ( احمد بن مصطفى العلاوي ). أما عده بن غلام الله أو غلام الله فقط كما ورد عند محمد مفلاح في ترجمة شيخنا المحيي لذاكرة طيب الله ثراه فهو عند ( أبو القاسم سعد الله ) عده بن الموسوم بن غلام الله البوعبدلي... شاذلي الطريقة شريف النسب كما قيل. و ينسب إلى ادريس. ولد سنة 1202هـ في بطحاء الشلف. تتلمذ عند الشيخ ابن حوا، درس التوحيد و اللغة و الحديث و الفلك على شيخ الطريقة الطييبة محمد بن عبد الرحمان، ثم انتقل إلى مازونه، و هناك أخذ الفقه على الشيخ أبي الطيب المازوني، تمسك أولا بالطريقة الرحمانية، ثم القادرية عن ( عبد القادر بن الأحول) و عن الشيخ القندوز. و في عهد الامير عبد القادر تولى وظيفة القضاء بأمر من الأمير [...] و كان تعيينه قاضيا على بلاد الظهرة و منية.ترك القضاء بعد مدة و تفرغ للعبادة، و التعليم، و الإرشاد، و شاع أمره و سميت طريقته بالشاذلية الدرقاوية، البوعبدلية.ترك عدة مؤلفات و قصائد تزيد على أربعمائة بين فصيحة و زجلية ( شعبية ). كما له أحزاب و أذكار، و استغاثات و قد توفي سنة 1283هـ و تعرف زاويته بزاوية أولاد الأكراد و له تلاميذ أصبحوا من أصحاب الزوايا... [ في جهات شتى من الوطن و يذكر أن أتباع الزاوية في سنة 1902 قد تجاوز خمسائة و ثلاثة آلاف شخص...] و يبدو أن الشيخ كان مقلقا للاستعمار الفرنسي، فقد قال ( سعد الله ) في معرض حديثه عن الشيخ البوجليلي... أنه يشبه شخصيات أخرى مماثلة و معاصرة له و لكن الاستعمار الفرنسي ثبطها و كبت مواهبها، مثل محمد الميسوم، و عدة بن غلام الله، و محمد بن بلقاسم الهاملي، و مصطفى بن عزوز، فلو أتيح لهؤلاء المناخ المناسب و الحرية الفكرية لأعطوا للجزائر وجها آخر يمتاز بالمعرفة و اتساع الأفق و خدمة اللغة و الدين."أما ما سنيون فقد قال عن الدرقاوية:" ... أما الدرقاوية فإنها تحاول توحيد جميع الفروع الشاذلية و أنها طريقة متقشفة و رافضة لكل مساومة مع الفرنسيين. و لها خمسة و عشرون ألفا من الإخوان وواحد و عشرون من الزوايا، منها زاوية غلام الله بتيهرت، و هي تعتبر من الزوايا الأكثر حداثة".من ترجمة المترجم السابقة له والموجزة نستشف أنه شاعر، و أنه مع الأسف الشديد لم يثبت له من شعره إلا مطلع نصه المعنون بـ" دعاء اللطيفة" و هو:
" سبحانك، سبحانك لا لك مثال منزه مقدس في وصف الكمال"
و نستخلص من ذلك أنه عالم صوفي، و صاحب طريقة شاذلية درقاوية بوعبدلية بحسب تعبير المترجم له. صاحب علم، و منهج تربوي علمي في زمنه، وأنه متمتع بصيت جعله حديث الركبان، و قدوة المريدين، و المتفقهين ينحدر من أسرة علم، وورع، و تقوى متوارثة ذلك أبا عن جد، و عاملة به و له، و لأنه كذلك فقد انتشرت طريقته في ربوع الوطن ما جعل زاويته مقصدا لطلاب العلم، و جعل بعضهم يحذو حذوه في إنشاء الزوايا في المناطق التي نزلوا بها أو أتوا منها بعد تخرجهم.
ب- النص:
من تحصيل حاصل القول أن نص الشيخ الشعري الذي نفحصه في هذه الورقة لا ينتظر من مضمونه إلا ما كان مترجما لحياة الشيخ و سيرته. فهو و بغض النظر عن كونه يقتدي بالأسلاف من شيوخ المتصوفة الشعراء الذين أوقفوا شعرهم على كل ما يتصل بهذا الموضوع فإنه في الآن نفسه يعيش في زمن موسوم بسيمات اجتماعية مهلكة لكل أمة تصاب بها، و منها الأمية و الفقر ... فإن تبليغ رسالته الصوفية و التربوية العلمية لا بد من إيجاد آليات لها مسعفة على ذلك.
و الشعر بطبيعة الحال هو أفضل آلية في زمنه الذي لا يكاد يختلف عن أزمنة عربية أخرى سابقة كانت الرواية فيها سيدة الحضور. و كونه يتمتع بموهبة الإنشاء الشعري، فقد يسر له الأمر على نظمه، و يسر له تلقيه بسهولة من قبل أبناء الأمة، لأنه الأيسر في الحفظ و المؤثر أداء، و حتى يحقق الحضور الشامل الجامع فقد نظم في النوعين: الرسمي المدرسي الفصيح، و الشعبي المعروف عندنا ب"الملحون". و قصيدته " المنفرجة" المتناولة هنا هي من هذا القبيل.
تكون النص من اثنين وثمانين بيتا في شكل القصيد كما يسمى تقليديا، و هو الذي يتكون من البيت و زاد عن ذلك خاصية الشعبية المشروطة فنيا فيما نسميه " ملحونا" أن قفى الشرطين معا بروي مشترك بينهما هو حرف الجيم، و هذا لا يتأتى إلا لشاعر بارع، و بخاصة حين يكون الحرف "كـالجيم" الذي قفى نصه به كونه من الحروف المتحاشية في الشعر لقلة معجمية العبارة المؤدية لذلك.
عنون النص بـ " المنفرجة" و هو عنوان إن فرضه النص في أنساقه الفكرية، فإنه كذلك عريق في تراثنا الشعري الجزائري إذ لأبي الفضل يوسف بن محمد المعروف بابن النحوي على سبيل المثال كما نعرف نص بالعنوان نفسه و مطلعه: 
"اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج" 
و طبيعي أن يحدث تقاطع بين الشاعرين في العنوان أو بين الشعراء لأن المؤثر الذي عنه صدرت الرسالة مشترك بينها فقاضي ميلة ينتظر انفراج أزمته الشخصية، و شاعرنا الشيخ عدة يشخص أزمته العامة التي هي أزمة الأمة، و لتحقيق ذلك عنده فقد حدد مسلكا ممثلا في قضايا و سلوكات مادية و معنوية، و اعتمد لها منهجا عاما حاول في ضوئه أشكلة النص و بمرجعيات إطارية شكلية، و مضمونية فكرية و فنية جمالية فعلى مستوى الإجراء الشكلي الذي كثيرا ما يعتمد فيه على الإيقاع وعلى المقدمة ثم العرض، فالخاتمة فقد مضى على الكيفية ذاتها التي تكون عند الشعراء في القصيدة الشعبية منطلقة إما بالبسملة، أو بالصلاة والسلام على الرسول (ص) أو بهما معا، أو بالدعاء و ذلك مجسد في قول الشاعر: " اللهم صلي وسلم على المرتجى سيدنا محمد أهل الرجا"
ثم سيترسل بعد ذلك في عرض سردي متداخل الدلالات معجميا و المعاني نصيا مع تلازم التقاطع بين بيت المطلع ( البداية ) و بين بقية النص.
فالرسول (ص) الذي هو البدء و هو المنتهى في مفهوم الخلف عند المتصوفة يغدو النور الذي تنبعث الأشعة العقيدية و القيمية، و من ثم فكل شيء متصل به، ولأن الغاية في نص الشاعر هي كيف تخرج الأمة مما هي عليه، فقد رسم السبيل لتحقيقها، و ذلك بعرض مجموعة قيم، ومثل و سلوكات. فرأينا الصبر والعودة إلى الله، و الاعتماد عليه، و قبول كل ما يعتري الإنسان و يصيبه في العسر و اليسر سواء بسواء، و تجنب الإسراف في متع الحياة، و الإتعاظ بالرسل، و الأنبياء الذين هم خير الخلق وما نالوا ما نالوه إلا لأنهم قبلوا بقضاء الله و قدره فيما يتعرضون له. فمحنة نوح، و ابراهيم، و أيوب، و إسماعيل، و يونس، و يوسف، و موسى و عيسى و قبلهم جميعا آدم... إن هي دروس لنا علينا الاتعاظ بها، و الاستفادة منها فيما يحل بنا أو يصيبنا لعلى و عسى نبلغ المنى، و نحقق المقصد الأسمى يقول الشاعر:
" إذا ضاق الحال عليك باللجا بذكر الله ترى الفرج
الجأ الله باسم النجا الاسم الأعظم مفتاح الحاجا"
و يقول:" العسر يؤول دوما فرجا رحمة الرحيم تأتي أفواجا
أبو الأنبياء آدم أخرجا دعا بالرحمة فكانت الحاجا
أول الرسل نوح بها جا فلق البحر نجا و نجا
ابراهيم الخليل في النار أولجا صارت عليه سلاما و نجا
النبي يونس بالتسبيح نجا من ظلمة البحر و الحوت و المرجا
و هكذا مع بقية الأنبياء و ما أصيبوا به أو تعرضوا له. ثم يعرج على محمد (ص) فيعطينا من حياته و سيرته و عن مكانته أشياء تتصل به كما في قوله:
" محمد الرسول في الدين ارتجى فقد دخل الغار بالذكر نجا
الآل و الأصحاب شربوا أججا صبروا للقدر نالوا الفرجا
رسول الأمة مبعوث بالحجة بفضل نبيها خاتم الهيجا
أنوارهم كل منه خارجة و كان في آدم نوره ممزوجا
آله و صحبه بدور الدجى و كل من ورث مقام الرجا
الأول هو الأخر في الحاجة عليهم معه تسليم ممزوجا
خاتما بإدراك ''العارفين'' لكل ذلك و العمل به، و السعي لنشره حتى يصير القاسم المشترك بين المندمجين جميعا لإيجاد مجتمع فاضل يؤطر نفسه بنفسه، و يعالج قضاياه بذاته، و يعمل لتغيير ما ينبغي أن يغير ، راسما صور أفق المستقبل، وتحديد أفاق المضي في الآتي، و مواجهته لتجسيد الأمثل عمليا، و إنزاله في كل مواقع حياة الأمة حتى تعيش منسجمة متماسكة سعيدة .
ذاك هو المضمون الذي تشكل منه النص، و من دلالاته المعجمية (اللفظة و معناها).و النصية (اللفظة و موقعها أو توظيفها في النص ).و بالدلالتين العامتين للنص نستشف أن الإسلام و تاريخه، و العلاقات الإجتماعية، و الإنسانية، و القيم المكرسة بالعادات و التقاليد المشرقة هي التي اتكأ عليها الشاعر في إنشائه نصه، فحققت له مجموعة من النتائج الأساسية فكريا و فنيا .
فاستدعاؤه للتاريخ الإسلامي ، و تاريخ الأنبياء و رسائلهم لتبليغ رسالته، ودعم خطابه بالواقعي الملموس، و المؤكد المقنع يغنيه عن أي جدل كون ما يخص ذلك عمليا متفق عليه ليس بين أهله المثبتين له فحسب، و لكن بين عامة الشعوب، أو المجتمعات البشرية، أو جلها في أبسط الاحوال ومحدوديتها.
و استدعاؤه كذلك للشواهد من الاعمال المفيدة المرسخة لسلوكات مثالية، أو تكاد تكون كذلك سهل عليه الدعوة إلى إقتناء النموذج المستشهد به، أو الممثل له، و لأنه كذلك نموذج تشهد له بصماته في حياة أمته، و في المجتمع الإنساني بعامة فإنه جدير بالإعتماد عليه ، و الإقتداء به لإيجاد توازن مزيج بين الطالب و المطلوب، وبين الراغب و المرغوب إن لم يكن مثاليا بمقاييس حياة الإنسان الواقعية العادية.
و بالمثل نفسه تحققت للشاعر في النص مستويات فنية تمثلت في الإختيار المعجمي للفظة على الصوت (الحروف) و موقعتها من قبله في حالات (الصائت) و (الصامت) كذلك. و منها الإشباع الحاصل للرويين بالصائت حتى يوصل العبارة إلى المتلقي من جهة، ويجهد المتلقي ، أو القارئ نفسه في نطقها فيحس بمعاناة هي من صميم ما يريده الشاعر حقيقة حتى تدرك القيم و المعاني السامية التي يريد غرسها، أو تأصيلها في المتلقي و حتى المجتمع بشكل عام.
فضلا عن التصوير الفني في النص الذي نستخلصه من النمذجة البلاغية العربية المعروفة في علومها وفنونها، ومن الرموز اللفظية الجزئية، ومن المضمون الكلي للنص.
خلاصة:
لقد تماهى الشيخ مع عراقته، ومع انتمائه ومع أصالته، ومع مسيرة الحياة في تطورها، فكان مسلما بإسلام الرسول (ص) وصحابته (ض)، وصفوة المسلمين عبر العصور التي مضى عليها السلف تباعا والتي كان محيطه الأسري المغذي له، والمحصن إياه منذ طفولته بها، وكان أصيلا ومتطورا مع تطور الحياة باعتماد المنابع الصافية، والأصول النقية مرجعا ومنطلقا مع تغذيتها، وتوسيمها وتوشيتها بما هو مستدع للتحديث وفق زمانه ومكانه فحقق المقولة لكل حادث حديث، ولكل مقام مقال.
مصادر ومراجع:
الشيخ سيدي عده بن غلام الله قصيدة المنفرجة مخطوطة بحوزتنا
د/ أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء 4 و 7، دار الغرب الإسلامي ط1 بيروت 1998
محمد مفلاح، أعلام من منطقة غيليزان، الكتاب الثاني، دار المعرفة، الجزائر 2008