تكريمات المجلس الأعلى والتحلية الغائبة
سبق لي أن نشرت أكثر من مقال أو عمود عن التكريمات التي تجري في الجزائر و منها المقال الآتي عن تكريمات المجلس الاعلى للغة العربية و الذي كان سببا في إبعادي من قائمة المدعوين قبل لكل أعمال المجلس تقريبا كمساهم فيها لكيفية من الكيفيات. إذ يبدو أن نيتي المخلصة التي قصدت عن طريقها يما كتبته إغناء جلسات المجلس من جهة و افادة من يريد الاستفادة من هذه الطريقة التي أراها محيطة إلى حد بعيد. و التي انتهيت إلى تحديدها و ضبطها اعتمادا على تجربتي في هذا الحقل في ضوء ما مارسته في هذا القطاع في اثناء تموقعي في أكثر من موقع ثقافي عام و اكاديمي علمي في الجامعات الوطنية.
و إني إذ أنشر المقال مجددا في موقعي و في صفحتي هذه ( فايس بوك ) فلأني لاحظت تكريمات تحدث هذه الأيام و هي لا تعدو أن تكون تكريمات "الزردات" كما أسميها و يسميها كثير من كتابنا و باحثينا إذ يبدو لي أن لا اعتماد أي منهج في هذه التكريمات لا على مستوى الأسماء، و لا على مستوى المتناولين لأعمال المكرمين و لست أدري إلى متى يبقى المزاج متحكما دائما في تسيير مثل هذه القضايا الثقافية و الفكرية و العلمية و الفنية في بلدنا. أيعقل مثلا أن تغيب أسماء بعضها أنجز أكثر من أربعين مؤلفا عن الثقافة الوطنية فصيحها و شعبيها و جلها مطبوع و بعضها طبع أربع مرات لقيمته ما جعله مطلوبا عند القارء الخاص و العام معا، أيعقل أن تغيب لا عن التكريم فقط و لكن حتى عن الاستشارة أو تقديم مساهمات عن المكرمين ؟ إنه قد يتساءل عمن أقصد على مستوى المكرمين ( بكسر الراء و الميم ) و المكرمين ( بفتحهما ) و لست مضطرا للإجابة لأني إن أجبت فسأبدء بنفسي و دليلي في ذلك لمن أراد دليلا العودة إلى موقعي (www.larbidahou.com ) من جهة و من جهة أخرى حتى لا أصدر أحكاما تقييمية عن الأشخاص المعنيين عندي الجديرين بكل تقدير و احتراما على ما أنجزوه للثقافة الوطنية و لعل وزارة الثقافة الموقرة هي التي ينبغي أن تسأل عن هؤلاء و المؤسسات الأخرى النشطة في مجال ما تسميه تكريمات معها ( مع الوزارة ). و في النهاية يبدو أننا محكوم علينا أن يبقى المثقف هامش الهامش و محكوم علينا تجاوز بل رفض كل ما يؤسس نظما و تقاليد ثقافية و علمية و فنية مذاهية لما عند كل الدول و منها من لا تبلغ في تموقعها الاجتماعي و الثقافي و المادي عشرة بالمائة مما نملكه نحن فاللهم الطف بنا و قيض لنا من يؤمن بسبل الرشاد في هذا المجال و هذا الحقل و المقال الذي أشرت إليه هو:
ان الذي يخص لسان الأمة ينبغي أن يكون بالكاد جزءا أساسيا في حياة كل شخص ينتمي إلى تلك الأمة أو ذلك الشعب، ذلك أن اللسان بمفهوم النطق هو المحقق لكل تواصل مع أي مخاطب كان، وبمفهوم الرموز المجسدة للتعبير كلاما كان، أو كان لغة هو ما يثبت كيان الأمة، ومنجزاتها في كل مجالات الحياة، إذ أننا وبدون اللغة لا نعرف ما جرى في وطننا منذ أن وجد الإنسان عليه مهما كانت اللغة التي عبر بها عن نفسه ووجوده في الحقب الغابرة، أكانت صورية، أم مسمارية ، أم اسنادية، أم بأي حرف آخر حتى استقامت له اللغة التامة الشاملة الكاملة الجامعة التي هي العربية مرورا طبعا بمختلف ما نقش هنا أو هناك بما يعرف بـ"التيفيناغ" والنادر في الوجود، والضيق جدا جدا في الأداء والغائب رسما للإبداع بحسب ما انتهينا إلى العثور عليه بعد شتى الحفريات التي تمت حتى الآن.
ولما كانت الحال هكذا، أو تقترب من ذلك، فالمنتهى اليه أن اللغة ان عدها البعض وسيلة للتبليغ والتواصل، فإنها عندي هي التواصل نفسه، وهي التبليغ ذاته، وهي الأبعد من ذلك لأنها لا تعني المعنى المعبر عنه، والمقولب في جمل، وعبارات فحسب بل هي حرارة لا تحدث ما لم تكن هي الوجدان نفسه، والمشاعر والعواطف والأحاسيس، والبرودة كذلك بالمعنى المقصود عندي هي التي تكونها تلك المصطلحات العلمية الصماء، أو الجافة، والتي إن أزيد عنها، أو أنقص نتج خلل عن ذلك، قد يؤدي إلى خطر كثيرا ما تكون عواقبه وخيمة –كما نعرف- وهذه لا تصدر، أو لا ينجزها، ولا يحققها إلا العقل، فهي إذن وبالمرجع المطلق على الأقل هي العقل.
ومن هنا فان الاهتمام باللغة في مجتمعنا، أو بالأحرى في دولتنا مما يلزمنا على القول بإلحاح إلى العاملين في حقولها، والى ولاة أمورنا المالكين للوسائل المسعفة على إنزالها منزلتها، وتطويرها باستمرار وبجدية حقيقية، ومناهج دقيقة موفقة ناجحة، يلزمنا على القول إلى هؤلاء وملاحقتهم دوما وباستمرار، وان اقتضى الأمر البحث عن وسائل أخرى تتجاوز نمطية المطالب الروتينية العادية التي كثيرا ما تنتهي في الأدراج بعد تلقيها مباشرة حتى يتحرروا من وضع "النعامة" المعتمد في هذه المسألة، أو هذه القضية، وبخاصة وكل الأعذار التي كان لها بعض القبول في فترة زمنية مضت قد انتهت الآن، إذ أن كل الأجيال الحالية هي منتوج المدرسة الجزائرية الأساسية تحديدا، ومن ادعى خلاف ذلك، فهو بالقطع تبعة من تبعات، وإمعة من الإمعات التي تحتاج إلى علاج ذاتها التي تريد استنواقها على حد قول الأثر النقدي العربي، ولنفرض أنه فعل ذلك فانه يظل هامشا دوما، فهو لا من هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وما أظن أن أي جزائري فيه من شهامة آبائه وكبريائهم ومجدهم، وشجاعتهم أنه يقبل هذه الوضعية. وانطلاقا من هذه الفاتحة التي قد تبدو طويلة عن اللغة، وعن بعض واقعها عندنا أعبر إلى ندوة "المجلس الأعلى للغة العربية"، عن "الفصحى وعاميتها"، كما في العنوان، وهو الموضوع الذي كتبت عنه عمودين في عنواني الثابت "بلا قناع" ولن أعود إلى ما كتبته هناك، وإنما الذي يأتي هنا هو مكمل لما سبق لبعض الإشارات التي وردت هناك، ومضيف لملاحظات أظنها مفيدة إن لم تراع، وان روعيت وغابت عني لعدم حضور ممارستها فلتكن من قبيل التذكير والتأكيد ليس إلا .
أما ما يكمل ما سبق لي التعرض إليه، فهو التنويه بلفتة المجلس إلى تكريم أسماء من العاملين في الحقل العلمي والإبداعي والفكري، والثقافي والمتعاملين مع اللغة العربية والعاملين بها في ذات السياق والمعنى، هؤلاء الذين لهم من البصمات ما استحقوا به هذه اللفتة، وهم لمن لا يعرف الأستاذ عبد الرحمن الجيلالي، والأستاذ عبد الحميد مهري، والأستاذ عبد الرحمن شيبان والسيدة زهور ونيسي الكاتبة المعروفة، فللمجلس كل التحية والتقدير على هذا، وللمكرمين تهنئتي الحارة الصادقة، وهدى الله هيئاتنا ومؤسساتنا إلى تنويع مثل هذا السلوك الذي هو أقل ما ينبغي أن يتم مع هؤلاء، ومن على نهجهم ودربهم، وجهدهم في خدمة البلاد والعباد.
وأما ما أريد إضافته من ملاحظات فيتعلق بـ
هل للمجلس الأعلى للغة العربية هيئة علمية تحدد المكرمين، وان كانت كذلك هل لها قانون، أو نظام داخلي، أو نسميه ما تسميه يجدد شروط التكريم وان لم يكن ذلك، ألا يتوقع المجلس الموقر أن يقال عن لفتاته هذه إنها لا تعدو أن تكون ككل اللفتات المناسباتية التي ستغيب بغياب رئيسه الحالي وطاقمه؟
لماذا لا تقدم بطاقات ثقافية أو تعريفية عن كل مكرم للحضور، وحتى إن كان عامل الوقت لا يسمح بذلك فلتوزع مكتوبة على الحضور، كما يقدم تقرير من اللجنة التي انتهت إلى تحديد الأسماء المقترحة للتكريم، أو تقرير رئيس المجلس إن كان يكتفي باقتراحه، كون المسألة تقديرية، وله الحق في ذلك قطعا.
ألا يستحسن منح كلمة في وقت وحدود لكل مكرم ليقول شيئا عن نفسه، وعن المناسبة، ويعبر عن انطباعه، وبخاصة أن الحضور ليسوا دوما من عارفي المكرمين، فهناك عدد لا يستهان به من الشباب الذي يتشوق قطعا إلى سماع شيء عن هؤلاء ومنهم. إني ومع هذه الملاحظات أؤكد مجددا على جهد المجلس الموقر، والذي يحاول تنويعه، وفي كل مرة ينجح في التنظيم بخاصة، وهو الذي لا يملك فيما أعلم الآن من الهيئات التي كانت لها أحقية في الإشتغال في الفضاءات الموزعة وفق تنظيم المجلس، والتي لم تجدد بعد في حدود ما أعلم كذلك، وكما وضع في العنوان فان ما لم يرد تحلية للجلسة بل للندوة كما قلت لا ينقص من دسامة مادتها بحال من الأحوال، لأن الجوهر قد تحقق وهو الأجدى والأمثل.
وفي الأخير أرجو أن يتضاعف نشاط المجلس الذي من هذا الصنف، أومن اللقاءات الأخرى العادية الدورية، لأنها من الأنشطة النظيفة البناءة، الراقية التي تغيب عنها كل الفلكلوريات بالمفهوم العشوائي الساذج لا بالمفهوم العلمي المغني للدراسات الفلكلورية نفسها.