تجربتي مع تحقيق المخطوط الوطني وصور من المسخ والتشويه لمخطوطنا الجزائري
أ‌ - استهلال :
يعنيني المخطوط الجزائري، كما يعنيني كل تراث الأمة معنويه، وماديه، ما جعلني ألتفت إليه بكل ما ملكت من الطاقة، وما أتمتع به من المواهب .
ذلك لأني أرى أن الأمم المحترمة اليوم في العالم -ودائما- هي تلك الموغلة في التاريخ، الراسخة الأقدام فيه، والذي يكشف عن ذلك قطعا هو الكشف عن كل ما أنتجته أي أمة من الأمم في الوجود .
ومن هنا نرى تنافس الشعوب والأمم، وتسابقها في الكشف عن ماضيها المدون بصورة من الصور. والمروي كذلك في كل المتاح. وهذا الذي جعلني أعد مشروعا سنة 1989 قدمته في اقتراح لمعالي وزير الجامعات آنذاك كما كان يسمى المرحوم (د/ الجيلالي إلياس)، ويتمثل في اقتراح مركز وطني، أو معهد وطني للتراث الوطني الشفوي، والمكتوب مرفوق ببطاقة فنية مكتملة بالوسائل البشرية والمادية، التي تستدعي الإيجاد لإنجاز المشروع، وقد أمضى على المشروع ثمانية عشر أستاذا جامعيا ملتزمين بالعمل فيه .
استقبل المرحوم (د. الجيلالي) المشروع بترحاب، واستدعاني للإستماع أكثر لتوضيح بعض القضايا، منهيا لقاءنا بتكليف الأستاذ (يسين طيار) مدير ديوانه بمتابعة الموضوع، ومن سوء الحظ أبعد وفي مدة قصيرة بعد ذلك التاريخ الرجلان معا من منصبيهما ما جعل المشروع يختفي تماما بالرغم من مراسلة أسلافه، ثم مراسلة (سليمان الشيخ) حين صار مستشارا بالرئاسة ومع الإنتظار دائما لم يأتيني أي رد. فاعتمدت منهجا آخر إذ راسلت وزير الإتصال والثقافة الأستاذ (حمراوي حبيب شوقي) عن طريق مدير جامعة باتنة، فرد برسالة عني مشكورا يحيطنا علما بأنه كلف السيد مدير التراث الثقافي بالوزارة الأستاذ (سيدي بومدين عبد الغاني) ليزورنا بالجامعة مع من يختار من المصلحة لتشكيل فريق عمل مشترك لتحقيق المشروع من قبل الهيئتين .
وبالفعل راسلنا الأستاذ (بومدين) في الموضوع مبديا الموافقة المبدئية عن المشروع مسجلا تحفظه عن جمع بعض التراث من التراث الشامل لسبب لا أدريه، ربما لم يتعامل بدقة علمية وأكاديمية مع عبارة التراث حيث جاء عن ذلك في رسالته المؤرخة بـ 27 فيفري 1993 والتي أملك نسخة منها قوله حرفيا.. "كما أن جمع التراث الوطني بالتصور المطروح يجب أن يعاد النظر فيه فمثلا :
1- كل تراث مكتوب موجود في أي مؤسسة تقليدية، أو عصرية، مساجد، زوايا، و...؟
2- جمع التراث الشفوي ... عن طريق الصورة والصوت؟ "
ولست أدري إن لم يكن هذا من التراث الوطني بالنسبة للمكتوب، أو المدون، فما هو التراث الوطني، وإن لم يجمع في مؤسسة جامعة تعطى لها كل الخصوصيات التي تحفظه (التراث) من جهة، وتمكن الباحثين من تناوله من جهة أخرى، إن لم يتم ذلك فكيف يصل إليه الباحثون، ومن يتولى رعايته من التلف ... والفهرسة ... والتعريف ... إلخ والتراث الشفوي إن لم يجمع بالصورة فكيف يجمع وبأي طريقة، كونه غير مكتوب، ثم يدون بعد ذلك عن طريق التفريغ، وهنا أجد نفسي مستسمحا عن تساؤلي هذا هل صاحب الرسالة قد درس المشروع بدقة، وعناية، وأعطاه من الإهتمام ما يستحق، ولا أزيد عن هذا؟ !
ومرة أخرى، ومن سوء الحظ، يبعد الوزير حمراوي من منصبه بعد أقل من شهر على ما أذكر من تجاوبه مع المشروع مشكورا . ومن جديد أتحول إلى جهة أخرى بحثا عن تحقيق هذا الحلم بحيث كاتبت السيد الأمين العام لرئاسة الجمهورية (عمر زقرار) وأرسلت له نسخة من المشروع فحذا حذو من تقدمه ممن لم يرد .
وظل الأمر كذلك إلى أن تابعت عن طريق وسائل الإعلام تقديم مشروع مركز المخطوطات الحالي بأدرار الذي نتمنى له كل التوفيق والنجاح ومع أني لا أتحفظ عن موقعه بمعنى التحفظ، ولكني مع ذلك هل اختيار المكان إن لم يكن لدواعي غير تاريخية، وعلمية، وثقافية مناسبا وهذا لشيء آخر عندي ما أقوله عنه وفيه الكثير من التعليل الجغرافي، والتاريخي، والعلمي، والأكاديمي. ولكن الموقف لا يسمح بذلك . و في كل الأحوال لقد تحققت جزئية من أساس ما اقترحته في مشروعي، ومن الجوهر الذي لا تقدر قيمته بثمن على الأقل عندي، ويبقى الأمل، والإنتظار سيدي الموقف لأنه وحتى كتابة هذه الأسطر لم ألمس بعد لا أقول تحقيق أي طفرة من المركز، ولكن أي خطوة فاعلة تكون منطلق حركية فاعلية مبشرة، ومع ذلك لنقل ما دام المؤسسة قائمة فلعل وعسى وما ذلك على الله بعزيز .
ب‌ - ووفقا لما تقدم، وتماهيا مع ذاتي، ومع وجهتي التي أخذت بها نفسي منذ وجودي في الجامعة، وهي أن لا أعمل بحال من الأحوال خارج ماهو وطني جزائري في كل شيء ومنه الحقل الثقافي، والعلمي الأكاديمي، والأدبي وغيرها من كل ما يكون المعرفة الوطنية مدونها، وشفويها مما أستطيع العمل فيه ولله الحمد فقد كان لي ذلك، ولمن أراد التأكد من زعمي هذا أن يعود إلى موقعي في الشبكة العنكبوتية الذي هو :www.larbidahou.com ففيه يجد جل عناويني المطبوعة من الكتب، وبعضا من المقالات، وهو موقع لم يشمل أعمالي كلها بعد .
ففي التحقيق الذي هو مدار المداخلة هذه التي شرفني مركز المخطوطات بأدرار لتقديمها فإني قد أنجزت :
1- ديوان ابن الخلوف القسنطيني (ق 9 هـ) الذي عنونه الشاعر بـ: "جنى الجنتين في مدح خير الفرقتين"، وسماه أهل عصره بـ "ديوان الإسلام" الطبعة الأولى 2004 عن دار هومه الجزائر، ودراسة عنه بعنوان: "اين الخلوف وديوانه جنى الجنتين في مدح خير الفرقتين" الطبعة الثانية 2007 .
2- ديوان "الأمير عبد القادر، والأول الذي يجمع كل شعره بعدما كان ينشر دون التحقيق من جهة، وبإبعاد شعره الصوفي منه من جهة ثانية الطبعة الثالثة 2006 دار تالة .
3- ديوان عفيف الدين التلمساني، الطبعة الثانية مطبعة الجيش الوطني الشعبي 2007 .
4- ديوان الشاب الظريف (الطبعة الأولى 2011 دار الهدى عين مليلة الجزائر ودواوين (ابراهيم العوامري السوفي)، و(أبو عبد الله غلام الله) و(الرزوي البطيوي) تصدر قريبا جدا .
هذه الأعمال، فإنها واستبعادا من قبلنا للتي لم تتداول في السوق بعد أي التي في الطريق إلى الصدور. فإن التي أتوقف عندها بشيء من الإيجاز والتكثيف هي (ديوان ابن الخلوف) و (عفيف الدين التلمساني)، و (الشاب الظريف) لما تحققها من تحريف بل من مسخ وتشويه . أ‌ - ديوان ابن الخلوف :
للشاعر ديوانان: أحدهما ديوان الشباب إن صحت لي هذه التسمية، وهو ديوان الموضوعات الشعرية التقليدية العربية في كل أغراض الشعر العربي. والآخر وهو الذي تم ذكره بالعنوانين عنوان الشاعر، وعنوان أهل زمانه له .
فالأول حققه (هشام بوقمرة)، رحمه الله من تونس، والثاني وهو ذو مضمون إسلامي بحت كتبه في أخريات حياته حين رأى تكالب الصليبيين على المنطقة العربية الإسلامية، وعاش حالات أمراض فتاكة بأهل زمانه، ومنها بالخصوص (الطاعون)، والذي يظن أنه مات به، فالتجأ على طريقة شعراء المديح النبوي للإستنجاد والإستغاثة به (ص) في دنياه والشفاعة له في الآخرة. فكان مضمون الديوان من ألفه إلى يائه، إسلاميا كما نقول اليوم. معتمدا فيه على عروض الخليل، وبإضافات جديدة، واعتماد تشكيلات. بل إيقاعات عروضية أحيانا مما يعد عند بعض القدماء بالمهملة، معنونا قصائد الديوان بعناوين تشكل دقة متناهية ما يمكن تناوله دراسيا وفق المناهج الحديثة، ومنها المنهج السميائي تحت طائلة ما يسمى بـ "عتبات النص" كما وضع له مقدمة وفهرسا، وكلها وصلنا إليها ولله الحمد .
اعتمدت في تحقيق الديوان على خمس نسخ منهما نسختان إحداهما كاملة، وهي نسخة الزيتونة، والأخرى تقترب من ذلك وهي نسخة (طولقة) بالزاوية العثمانية. أما أخريات فمنها من باريس ومن الزيتونة كذلك، وخزانة (حسن حسني عبد الوهاب ) وهي غير كاملة .
تحدث عن الشاعر قدماء ومعاصرون فسموه قديما بذر "الوزارتين" (السيف) و (القلم) وساجل صاحب "الضوء اللامع" (السخاوي) وفاز عليه كما أثبت ذلك في كتابه السابق .
هذا الشاعر الذي بهذه القيمة، وهذه المكانة أراد المغاربة نسبته إليهم، والتونسيون نسبوه إلى أصولهم كذلك، أما (د/ سعد الله) فلم يحقق القضية عندما تحدث عنه في تاريخه الثقافي واكتفى بالذهاب إلى أنه يمكن أن يكون أندلسيا، مغربيا، تونسيا، وفق تنقلات أسرته، ومرد ذلك عند من يرى هذا الرأي أن لقب (ابن الخلوف) غير موجود في فترة الشاعر بالجزائر، وبالبحث والتمحيص تأكد لنا أن الشاعر من قسنطينة، وأن أجداده كانوا ولاة بجاية من أمد بدءا من دولة الموحدين، ثم تقاطعوا مع العهد الحفصي فوجد بعض منهم في (قسنطينة) والبعض الآخر في (تونس) كما نعلم، وفي قسنطينة ولد الشاعر ثم رحل به أبوه إلى المشرق فتنقل بين مصر والجزيرة العربية و بيت المقدس وهناك شب، وترعرع، وتثقف حتى بلغ سنه ثلاثين سنة، أو أكثر قليلا فعاد إلى المغرب العربي، واستقر في تونس وكل هذا محقق بدقة موثقة علميا من قبلنا في كتابنا السابق الذكر، وفي مقدمة الديوان ومدخله كذلك .
ومن الفضاء هذا المعروض هنا ننتهي إلى القول أن الشاعر (ابن الخلوف) هو شاعر جزائري بلا مواربة وفقا للقواعد العلمية المعروفة قديما التي في ضوئها يجدد نسب الشاعر وهي (المولد)، و (الإقامة الطويلة)، و (الدفن) والأساسية الأولى تنطبق على شاعرنا . ووفقا له فالقول أن غيابنا عن تراثنا وتحقيقه وتناوله هو الذي يسمح لمن أراد لنا التشريق تشريقنا، ولمن أراد التغريب تغريبنا وهكذا دواليك، ونحن نبقى بكل أسف وحسرة نتفرج مكتوفي الأيدي أحيانا لكسل لا حدود له عند بعضنا، ولا مبالاة عند البعض الآخر. ولتثبيط عزائم كل الغيورين المخلصين، وسد كل منافذ الحركة، والفعل أمامهم وحرمانهم وبشكل دائم من أبسط وسائل العمل لجعل القحط التام هو السيد المسود في أمتنا، وتحقيق استواء الماء بالخشب كما يقال، فيسود التسول الثقافي، والعلمي، والفكري، والفني فتحتل القشور الساحة، وتعلو الفقاقيع الفضاء، وتسيطر البكم على المنابر، وتلك كلها تؤدي إلى تكريس وتسويغ وسيادة المقولة "ليس في الإبداع أكثر مما كان" كذبا وافتراء، وغشا، وتضليلا، واستخفافا بل وإهانة لطاقات الأمة، وتجميدا لحيوية مغنيها فعلا، وإطفاء لقناديليها المضيئة لدروبها بوسائل مختلفة وذرائع شتى . ب‌ - ديوان عفيف الدين التلمساني :
قال عنه (ابن تيميه): "لحم خنزير في طبق صيني" يريد جودة شعره الفنية واختلافه معه في مضمونه، فهو ديوان من أرقى الشعر الصوفي فكريا وفنيا عندي. وهو ما ذهب إليه جل من تقدمني وقرأت ما كتبوه عنه .
للديوان نسخ كثيرة منها الكاملة، ومنها ما تفاوتت كميته بين بعضها البعض. وفي تحقيقي له اعتمدت نسخا من (المكتبة الظاهرية) بـ (دمشق) والتي حولت مخطوطاتها إلى مكتبة (الأسد) حاليا، ونسخة من المتحف البريطاني، وحصلت بعد تحقيقه على نسخة أخرى من (الخزانة الحسنية) بالرباط فضلا عن وجود نسخ أخرى له في دار التراث بمصر، وفي البصرة بالعراق وغيرها. تناول الديوان إما بالدراسة، أو بتحقيق جزء منه ممن اطلعنا على أعمالهم كل من (د/ عمر موسى باشا)، و (وفيق سليطن ) ، و (يوسف زيدان)، أما (عمر موسى باشا) فأصدر عنه عملا بعنوان "عفيف الدين التلمساني شاعر الوحدة المطلقة". اعتمد في دراسته تلك على نسخة من نسخ الظاهرية غير المحققة طبعا، ولا تشمل إلا على ما يقرب نصف ديوان الشاعر ولم يشر إلى ذلك، موهما بذلك المتلقي، وكأنه قد درس شعر الشاعر كله و العمل أصدره اتحاد الأدباء و الكتاب العرب بدمشق و العجب أن في (الظاهرية) نسخة كاملة للديوان مرتبة ترتيبا ألفبائيا و لكن الباحث لم يعتمدها ولم يعرفها كما لم يعرف لنا بقية النسخ الأخرى بالمكتبة. بيد أن النسخة التي تضمنت ما درسه من شعر الشاعر ذاتها لم يقدم لنا أي تعريف عنها .
و الأمر نفسه سار عليه(د. يوسف زيدان) بحيث قدم لنا عنوان عمله على أنه تحقيق لديوان الشاعر وحين نتصفحه نجده لم يتجاوز في تحقيقه حرف (الراء) منوها في المقدمة إلى هذا الجزء من الديوان و الأجزاء الأخرى سيتولى تحقيقها لاحقا و كأن ديوان الشاعر مكون من الأجزاء وهو ليس كذلك كما سبق ما يعني أنه تصرف فيه وفق ما مكنه جهده، أو وفق مزاجه، أو ربما من يدري لغاية أو غايات، و قد صدر عمله هذا عن كتاب مؤسسة دار الأخبار المصرية و هو ما يثير تساؤلات مؤداها هل توجد علاقة بين الشعر و الشاعر و المؤسسة المصدرة له لأن المألوف علميا و اكاديميا ان المؤسسات الإعلامية كهذه تصدر ما اصطلح على تسميته بعصرنا بكتاب الجيب او ما كان من قبيل ( الملصقات) او ( الجداريات) او ( اللافتات) او ما كان من هذا القبيل، و هو ما يصنف اجمالا فيما خفت مادته، و صغر حجمه، و وضحت معانيه، وبسطت تشكيلاته .
و لعل المهم بالنسبة لهذا الديوان هو أن صاحبه نسبه إلى منطقته المغربية و أحيانا بتحديد أدق إلى قبيلته (الكومية) و لو أن بعضهم سماها (الكوفية) حتى ليعتقد أنه من (الكوفة ) العراقية و لكن عبارة (الجزائري) لم يطلقها أي كان من هؤلاء عليه قط .
فإن تصفحنا دراسة (د. وفيق سليطن) عن الشاعر فإننا نجده قد درسه مع شعراء آخرين في رسالة الدكتوراه عن الزمن الصوفي ... و أعطاه اهتماما بالغا فكريا و فنيا في الواقع و لكنه اعتمد في ذلك على مخطوط غير محقق و هو ما جعله لا يصل الى كل شعر الشاعر حتى يتمكن من الاعتناء اكثر وفق ما يريد .
و بخصوص الجزائريين أو المغاربة بعامة فاني لا أعلم أن أحدا قد اهتم بشعر الشاعر دراسة أو تحقيا بيد اني و انا اتابع حصة تلفزيونية في حوار مع الدكتور ( ابن يريك) اجاب جين سئل ما اذا اهتم بالشعر الصوفي في مؤلفه أو ما كان من هذا القبيل فقال ذلك لم يحدث من قبل و لكن أشعارا مهمة من مثل شعر (ابن الفارض) و ربما ابن العربي كذلك لا أذكر تحديد أو كما قال سأهتم به لاحقا وعد أن ( ابن الفارض) تحديدا هو سدرة المنتهي في هذا المقام ما أدهشني و أثار استغرابي و هو المتعامل المباشر مع موضوع التصوف و الصوفية و الطرق الصوفية بحثا، و ممارسة، و بالغرب الجزائري و للشاعر (عفيف الدين التلمساني) موقع قرب تلمسان يسميه البعض (خلوة) و يسيمه آخرون (قعدة) تعقد فيه جلسة روحانية صوفية كل مساء اثنين من كل اسبوع و تسمى باسم الشاعر كما اخبرني بذلك الأستاذ المرحوم (باغلي) المهندس على هامش ملتقى الأمير عبد القادر الذي نظم بمعسكر و اختير له موعد 11 ديسمبر 2007 لغاية عند المنظمين و قد كتبت مقالا في حينه و نشرته في الجريدة التي كنت أديرها آنذاك. كما تحدث عنه في (معجم أعلام مشاهير المغاربة) عن غير دراية الدكتور (أبو عمران الشيخ) حين ترجم لابنه الشاعر (الشاب الظريف) إذ مزج بين حياة الشاعرين وخلط بين نماذج من شعرهما .
وبعد أيعقل أن للشاعر هذه المكانة الاجتماعية و الصوفية و غيرها وشعره كذلك يتجاوز فنيا وفكريا شعر كل من قرأنا له عن الموضوع و بشهادة من تخصص بشعر الشاعر بكيفية او أخرى و لا يعرفه الأستاذ و ديوانه بعد ذلك طبع مرتان محققا كاملا في الجزائر سنة 1993 عن ديوان المطبوعات الجامعية و سنة 2007 من مطبعة الجيش الوطني الشعبي .
إنه لمن حقي أن أتساءل مرة أخرى ألا نخجل عندما نتعامل مع ثقافة الأمة و فكرها و إبداعها بشكل خاص، و معارفها بشكل عام، حين لا نذهب في أعمالنا إلا إلى ما هيأه لنا غيرنا من تراثهم، و مرروه لنا و ليكن كيفما يكن و العجب أن ما أعرفه عن الجزائر العظيمة الغالية الخالدة لم تكن يوما عقيمة حتى تتخلف عن المساهمة الجادة الفاعلة الواعية في الركب الحضاري الإنساني. و بحسرة و ألم وعذاب يتولى أبناؤها إن عن قصد أو عن غير قصد، أو عن حسن نية، أو سوء نية، جلدها جلدا فظيعا حتى تغدو في مقولة الشاعر الناقد العربي القديم (مستنوقة كالجمل ) ج/- ديوان الشاب الظريف :
و هذا الشاعر هو ابن عفيف الدين (كما تقدم) توفي و عمره لم يبلغ 25 سنة مثله مثل الشاعر الجزائري (رمضان محمود)رحمهما الله معا ثم ( محمد بوخالفة ) كذلك رحمه الله الذي قد لا يبلغ هذا العمر و لست أدري ان كان عند الشعوب العربية الأخرى مثل هذا العدد من الشعراء الذين توفوا في هذا العمر .
ترك لنا (الشاب الظريف) ديوانا ضخما بالقياس إلى عمره وهو ذو مضمون متماه مع مضمون الشاعر العربي التقليدي مع تسجيل انزياحات عديدة له بالتفاته إلى الشؤون الصغيرة جدا من الحياة اليومية لمواطن زمنه و كأني به يؤسس لمقولة شعراء الحداثة العرب المعاصرين التي تدعو إلى تناول الحياة اليومية للمواطن و بلغة الشاعر اليومية. بل يمكن أن ما نجده مما يعرف بـ(الدوبيت) في ديوانه و ما يسميه العرضيون قديما بـالمقطعة أو (النتفة ) هو في حقيقة الأمر عندي تأسيس كذلك لما نسميه اليوم بـ(اللافتة الشعرية) أو (الجدارية ) أو (الملصقة)، سواء كان ذلك منه بوعي أو عن غير وعي و للراغب في تحقيق هذه القضايا من ديوان الشاعر العودة إليه .
لقد اهتم بديوان الشاعر منذ القديم فجاءت عنه أقوال عديدة نماذج منها أثبتناها على صفحة الغلاف الأخير في طبعته الأولى الصادرة عن (دار الهدى) بعين مليلة في هذه السنة 2011. و هو ديوان قد تعرض لمسخ ما بعده مسخ في طبعة (موفم للنشر) حيث لم يثبت المصدر له من شعر الشعراء غير 223 نص من مجموع 374 نص دون تحقيق يذكر .
وهذا يعني أن اكثر من ثلث شعر الشعراء قد أسقط من نسخة طبع (موفم للنشر ) بالجزائر و هو في واقع الأمر عجيب و المتعجب منه في الحقيقة ليس الذي قدم له لأنه بعيد أكاديميا فيما أعلم عن التعامل مطلقا مع تحقيق نصوص التراث، و انما المتعجب منه هو المؤسسة التي أقبلت على هذا الفعل الشنيع. و التي قتلت الشاعر معنويا قتلتين لا واحدة إحداهما أنه جزائري و المسؤول الأول عنه هو وأبناء بلده و مؤسسات دولته المعنية بذلك، و الأخرى أنه بإمكانها (المؤسسة) الحصول على نسخة من المطبوعة على الأقل إن لم تكن كاملة تكن قريبة من ذلك. كون ذلك ممكنا عن طريق التعامل مع دور النشر العربية و التي طبع فيها الديوان، و منها العراقية و المصرية و اللبنانية و لو أني أعلم مقدما و لاحقا ان كثيرا مما يصدر عندنا من الكتب التراثية وغير التراثية لو وجدت في مؤسسات الدولة أو مؤسسات متخصصة و متابعة لما يعني تراث الأمة بخاصة، و إبداعها بعامة الآني منه و الماضي لحاكمت جل اصحاب المؤسسات الطابعة له لأنهم أبعد الناس في العموم عن هذه المهنة الشريفة المقدسة عند الشعوب الواضعة أحصنتها أمام العربة لا خلفها. و لما كانت الأشياء عندنا و بشبه المطلق يمكن أنها تسير بمنهج الأثر "اختلاط الحابل بالنابل" فمن حق من يطلع على ما ذهبت إليه في هذه الورقة أن يذكرني أيضا بالمقولة: "لمن تقرأ زبورك يا داود" !! و هو على حق إلى حين "إعطاء القوس باريها" و ذلك الحين لا ندريه متى يحدث؟ ! إن كان سيحدث أصلا ؟ !
هذه عينة من تراث مخطوطنا الوطني الجزائري مما تعامل معه غيرنا من الأشقاء، و من الجزائريين و قد أخذت نقاطا محدودة جدا مما سجلته من التشويه، و المسخ له بترا، و انتحالا، و تقزيما، و استخفافا، و تغييبا كليا عن حياتنا بالنسبة للجزائر إلا ما كان نادرا . وهي عينات أراها لا أقول تدق ناقوس الخطر كما يقال و لكن أقول لعلها توخز على الأقل ضمير إن لم يكن جهة معينة فأشخاصا فيضيفوا إلى القافلة لبنات إلى هذا العمل العظيم لعلنا يوما نرى القوافل الجادة مقبلة على المبدأ كما في الأقطار لا أقول الأمم المتقدمة لأن ذلك بعيد و لكن بالجهد المقل و حال التائه أقول كما في الأقطار المحاذية لنا و المتعبة على صعيد الحياة أكثر منا بكثير فاللهم آمين آمين.