شخصية الأمير عبد القادر بين القيادات العسكرية و النخبة المثقفة و تجليها في شعره
بدءا ينبغي الاقرار بأن كل من ينوي طرح العنوان هذا الذي حددناه هنا "شخصية الامير عبد القادر بين القيادات العسكرية و النخبة المثقفة و تجليها في شعره" أنه يصطدم بسيل من تساؤلات تحاصره من كل ناحية، و سيجد نفسه أنه ليس بالإمكان تحديدها، و ضبطها كلها، و ليس بالمقدور الخوض في خصوصياتها إن تصنيفا أو تمحيصا، أو بحثا أو تحليلا، أو حتى تأريخها ما يعني ان كل ما يتقاطع مع العنوان السابق، أو ما يكون على شاكلته عليه أن يعرف مسبقا أنه لا يلتقي مع مكونات مواده إلا ما يشكل عينات يمكنها أن تفتح له آفاقا إن استرشد بها لغشو فضاء من الفضاءات التي تتماهى مع رغبته، أو تعين مسعاه، أو تضبط رسالته و غاياته و أهدافه. فالعنوان يقترح علينا النظر في شخصية الأمير من الجوانب أو من السمات بل من مقولات من تحدث عنها من العسكريين و المثقفين و كيف حددها، أو صورها، أو قربها لنا في مدونته الشعرية.
و لأن أي شخصية استثنائية بتميزات، أو ميزات لها من الغنى ما لا يمكن جدولته في أطر، أو تصنيفه في خانات، فإنه من تحصيل حاصل لا يمكن لأي كان أن يكشف عن مثل هذه الشخصية من مكونها الطبيعي الذاتي، و ميزاتها تلك.
و من هنا يتيح لنا القول، أو يتاح لنا القول اننا حين نقول شخصية الأمير تبدأ الأسئلة و تتوالى دون انقطاع. أي شخصية نعني، أنعني الشخصية الطبيعية ليس إلا أم تلك، و شخصية الهوية، و أي هوية، هوية الأصالة، أم هوية العصر مواكبة و تمثلا و تجاوزا و لأن الوجود، و التموقع، و المسيرة، و المرجعية، و الرسالة، و الوظيفة وغيرها هي المكون المجلي لكل ما يعني تلك الشخصية.
و لما كانت الشخصية مما تنسحب عليه التساؤلات هذه و غيرها، فهل بعد ذلك ووفق المقولات المنتقية من لدنا من أين تبدأ، و هل لها نهاية؟ أما من أين تبدأ فالأمر محتمل اقتراح أكثر من منطلق، و أما أين تنتهي فإنه و مما لا نشكه أن اقتراح أي فاصلة، أو نقطة لذلك يعد ضربا من الأخماس بالأسداس، لأن العظماء إن ينتهوا ماديا ( جسديا ) فإنهم معنويا لا ينتهون، و تاريخ البشرية يؤكد لنا ذلك بما دونه لنا، و الرسالات السماوية أبلغ من عمل آخر لتأكيد هذه الحقيقة.
فالأمير عبد القادر و كما نعرف شخصيته التي رسم منها ما رسم في أعماله الفكرية، و الابداعية و إن نحاول هنا مقاربة ذلك وفق ما حددناه فتساؤلات تبقى دوما مطروحة عنها في الزمكانية: مسقط الرأس، و التموقع شابا مجاهدا مقاتلا، ثم أميرا في عواصم دولته، و مقار ولايته، أو إيالاته، ثم في الفضاء المكاني الأرحب: العالم الخارجي، أروبا، آسيا، وإفريقيا. و غيرها و هكذا دواليك، و الأمر نفسه ينسحب على زمانه الخاص: طفولته، و شبابه، و إمارته، و سجنه، و دبلوماسيته، و أداءاته الدينية، و ما إلى ذلك مما فصل بعضه في مؤلفات و ما لم يلتفت إليه بعد.
هذه الفضائية الزمكانية، و الفضائية الابداعية فكرا و تاريخا و أدبا ... و غيرها من حقول المعرفة هي التي ألزمت، بل أجبرت العدو قبل الصديق على أن يعد شخصية الامير نموذجا استثنائيا تمنى لو كان له من ميزاتها نصيب يعتد به، أما أصدقاؤه فليس الغريب أن نجد اهتماما بالغا به من قبلهم، بل الغريب إن لم يحدث ذلك منهم.
و لأن ادعاء استحضار ما قيل عن هذه الشخصية من قبلنا هو ما لا يتصور بحال من الأحوال فقد انتقينا الآتي من ذلك سواء وفقنا في الانتقاء أو لم نوفق بادئين بنماذج لقيادات فرنسية و بعض الغربيين، ثم نماذج لمثقفين خاتمين بمدى تقاطع رؤاهم بما يمكن استخلاصه من شعره (الأمير). فمن العسكريين ما قاله عنه ( الجنرال دوما ) الذي كان قنصلا لفرنسا بمعسكر، قال:" رجل رفيع المنزلة، و أن التاريخ سوف ينصفه و يجعله يحتل مكانة كبيرة" أما خصمه، بل لنقل عدوه ( الجنرال بيجو ) و الذي في عهده انتهت مقاومة الامير عبد القادر فقد سجل إعجابه بجوانب العظمة في الأمير و أعرب عن ذلك في أكثر من رسالة فوصفه في رسالة بتاريخ 25 ماي 1837 بأنه الرجل القادر وحده على توحيد العرب نحو طريق الحضارة و التجارة، و في رسالة 14 ماي 1840 نجده يسجل " تخوفه من قدرة الامير عبد القادر و دهائه و حنكته التي جعلته خطرا على الفرنسيين"، و في اخرى كتبت بتاريخ ( 23 مارس 1843 ) أن " الأمير عبد القادر رجل معتبر جدا لدرجة أن التاريخ يجب أن يضعه بجانب يوغرطة". كما كتب في رسالة ( 28 جوان 1843) واصفا الأمير" .. بأنه عدو نشط، و ذكي، و سريع الحركة، و له تأثير في العرب بفعل عبقريته وعظمة القضية التي يدافع عنها ... فهو أمل المسلمين" و حتى في حالة الضيق التي عاشها الامير عبد القادر، و هي التي لا يبقى المصيب بها ثابتا إلا من كان من طينة الأمير نجد الجنرال نفسه ( بيجو ) يقول عنه:" إنه رغم الضائقة التي أصبح فيها الأمير و محنته التي ألمت به، إلا انه لم يتخل عن الدفاع عن الوطن لأن روح المقاومة لديه قادرة على التصدي لكل المحن ". ووصفه أيضا في رسالة بتاريخ ( 17 جوان 1842 ) بأنه " أحد الوجوه التاريخية الكبيرة لعصرنا .. "
اما الجنرال ( سكوت ) فقد " اعتبر الأمير عبد القادر مع محمد علي بأنهما اعظم الشخصيات في العالم الاسلامي في العصر الحاضر ( ق 19م ) و إلى ذلك أشار الضابط الفرنسي الآخر، و هو كاتب ( جاتشي دوبوسي ) حيث قال: " إن الرجلين ( محمد علي و عبد القادر ) آنذاك أكثر الرجال اعتبارا على أرض إفريقيا " أما الماريشال ( سولت ) قال عنه أمام البرلمان الفرنسي: " أنه يعد تواري نابليون بونابرت عن مسرح الأحداث فإن الأمير عبد القادر الجزائري أحد ثلاثة رجال هم عظماء عصرهم إلى جانب محمد علي و الامام شامل"
كذلك الشأن بالنسبة للعقيد الانجليزي ( تشرتشل ) حيث قال :" ... إنه يتصرف و يتكلم كرجل اعتاد على السلطة و بطريقة سيد عظيم، إنه بحق سيد أحاسيسه إلى حد لا يمكن تصوره ...".
هذا غيض من فيض بل قطرة من بحر مما انتقيته من أقوال العسكريين و هم قيادات برتب تعد سامية ما يعني أنهم لا يصدرون في أقوالهم عن سذاجة أو اعتباطية، و لا عن مجاملة، أو مداهنة فجلهم كما رأينا من معسكر العدو و الذي لا يمكن أن ينصف عدوه، أو خصمه فيثني عليه ما لم يكن نموذجا فارضا نفسه عليه في المجالات التي تعامل معه فيها، أو العامة التي لا يمكن لأي كان اخفاءها.
و الحال كانت كذلك بالنسبة للأمير بحيث أنه و مما سبق مما قاله هؤلاء عنه لم يكن مستوفيا لشروط رجل الدولة في زمنه كما نقول اليوم بل كان أكثر بكثير من ذلك، فهو إلى جانب ما أنعت به، ووصف، و بمن قورن بهم نجده تجاوز كل المألوف المعتاد في رجال الدولة آنذاك، و دون اتباع ما يؤكد ذلك للتوضيح قولا فقولا يكفي الذكر أنه جاء في ظرف استثنائي، و لم يملك من العدة ما يضمن له الصمود العجائبي الأسطوري الذي صمده إلا النزر اليسير مقارنة بخصمه و اعتمادا على الواقع الجزائري آنذاك و المجتمع الجزائري بعامة. ما يعني أنه حتى المقارنة التي تمت بينه و بين الأسماء التي ذكرت إن كانت مقبولة المقصود في بعض الجوانب المعنوية المحدودة التي يمكن أن تكون مشتركة مقبولة. فإنها في الوسائل الأخرى متعسفة ومجحفة في حق الأمير. و يكفي أولا و آخرا أنه لم يكن مقاتلا عدوا واحدا معينا معروفا، و لكنه قاتل أيضا من ينطبق عليه قول الشاعر:
" يعطيك من طرف اللسان حلاوة و يروغ منك كما يروغ الثعلب"
فضلا عن واقع البؤس الاجتماعي الذي تعيشه الأمة آنذاك.
أما النخبة المثقفة التي استدعينا من المرجعيات المتوفرة لدينا أقوالهم فإن من نجد بينها الكاتب الفرنسي اليميني التوجه ( لويس فويو ) يكتب عن الامير ما نصه : " عدو خطير .. مثل كل القوى التي تحارب فرنسا." انه تولى الصدارة بين اهله في جميع الأمور، و هو أفضل الفرسان، و أبرع المحاربين، و افقه العلماء، و أذكى السياسيين و افصح الخطباء، و اتقى المسلمين، و هو المنظم الاوحد... وأقدر واحد على تحفيز الايمان ... "
في حين يقول ( كليميرات ) الألماني :" ... ان الانطباع الذي تركه الأمير في نفس هو انطباع سياسي أوروبي حاذق أكثر منه انطباع محارب عربي مخيف"
كما نجد في مذكرات كاتب بولندي و ضابط في الوقت نفسه قوله :" إنها سعيدة تلك البلاد التي توجد في مثل هذه الظروف رجلا موهوبا فائق القدرة كالذي يقود العرب اليوم ... " يريد الأمير عبد القادر طبعا.
و عند المستشرق الألماني ( كارل برولكمان ) نجد ما نصه:" .. كان بارعا و شجاعا ... حامي الاسلام و منقذه ... " و عند المستشرق المؤرخ الروسي لوتسكي نقرأ " .. كان محاربا جريئا و فارسا ماهرا، و قناصا صائبا، و قائدا عسكريا عبقريا، كان خطيبا ملهما يسر (يأسر) السامعين كلامه الحكيم الفصيح، و كاتبا فذا، و منظما قديرا".
فإذا أردنا عرض نماذج من أقوال كتاب عرب فإننا نجدها تمضي على النمطية السالفة لكتاب الغرب، و من قبيل التمثيل نقرأ للرحالة التونسي ( محمد السنوسي ) قوله :" و بالجملة فهذا الامير عبد القادر قد جمع الله له خصالا حميدة من سمة العلم، و الأدب، و الصلاح، و الحرية، و سعة الفضل و الكرم، و كرم النفس، و الشجاعة، و رغد العيش، و طول اليد، و نفوذ الكلمة، و برور الأبناء، مع حسن الأخلاق ... "
أما مؤرخ الادب الجزائري ( بلقاسم الحفناوي ) فكتب عنه واصفا لشخصيته " ... هو الامام الأوحد و العالم الفرد، و العارف بالله، و التقي الأداة، عالم الأمراء و امير العلماء ..." و ابن عاشور الامام المعروف في الذكرى المئوية لوفاته ننقل مما كتبه عنه قوله :" إن الايمان الذي كانت نفس
[ عبد ] القادر عامرة به هو الذي جعل مواطنيه ينقادون له، و يبايعونه و يسيرون من وراءه لتحرير الجزائر، و ان اسم الأمير عبد القادر يمكن أن يطلق على كل مجاهد عربي في كل مكان ... "
و بعد فإنه إن صوغنا لنفسنا العودة إلى المدونة الشعرية الأميرية، و محاولة البحث عن إيجاد تقاطع أو تكامل مع هذه الأقوال و بين شخصية الامير كما عبر عن نفسه فيها فإننا نجد قول الدكتور ( بشير بويجرة محمد) المقتطع من بحثه المعنون بـ" الآخر، الأنا، التقابل، التضاد، و الحتمية المواجهة، في " بي يحتمي جيشي" ... " الذي هو عنوان نص شعري للأمير، نجد قوله هذا مع غيره لكتاب جزائريين آخرين تسعفنا على إيجاز ما يؤدي الغرض و يحقق القصد يقول ما اقتطعناه من بحث الدكتور بشير بويجرة : " ... اذن هناك احساس وجودي افضى بالضرورة، إلى بناء صورة شعرية و دفق شعوري قد يصل او يتجاوز المنحنى الصوفي، و بالتالي فهناك دخول في عالم الحداثة التي يصفها كثير من النقاد بأنها مظهر جوهري من مظاهر ذلك التشظي الانساني تحت وطأة كثافة الاحداث و تراجيديتها و هي ذلك الابتلاء بإيقاعات الزمن و إذا أقررنا بذلك فإننا نقر بتسلل شاعرية الأمير عبر فجوات الكائن البشري الذي صقله حبه لوطنه، و تقديسه لمسعى النضال من أجل إبطال ادعاءات "الآخر" و على قوة تشبثه بالمبادئ الإسلامية التي تصب كلها في ترسيخ التسامح و التواضع.
أما الدكتور (صالح خرفي) فمن جملة ما قاله نسجل الآتي:" إن عبد القادر شاعر لم يخلف لنا من القصائد الفنية إلا آحادا تعد على الأصابع و قد تبدو مهزوزة لو وضعت تحت محك النقد. و لكن القصيدة الأميرية ظلت ملتصقة بلسان الشعب و سمعه حتى دخل بها معركته الفاصلة". و يقول:" .. كان شعر الأمير انتفاضة للقصيدة العربية في الجزائر أواسط القرن الماضي ... إن القصيدة الأميرية شغلت هذا الفراغ ووجد فيها الرواة بعض العزاء .. "
و هكذا نجد أنفسنا أننا إن واصلنا استطرادنا مع ما قيل عن الأمير لا يمكن لنا الوصول إلى نقطة تسمح لنا بالقول أنها النهاية لأننا و كما سلف معنا هناك من له بداية و لا نهاية له، و الامير هو من ذلك الصنف إنه الحاضر في المكان و الزمان إلى أن يرث الله الأرض و من عليها مكان الوطن الجزائر، و مكان و أوطان من اتخذ قيم الحرية و الحق، و العدالة، و الانسانية، و الاخوة فضاء حياته، و منهج سيره إلى الابد. و زمان توارث كل تلك المعاني و القيم السامية و المناهج المثلى ابنا عن أب، و أب عن جد جيلا بعد جيل إلى ما لا نهاية له.
و إذا كان هذا ما نلمسه كما تقدم في أقوال من عرضنا أقوالهم، فان الأمير قد وقع ذلك في مدونته الشعرية الباقية ما بقي الدهر و منها ما نصه:
" فإن شئت علما تلقني خير عالــــم و في الروع أخباري غدت توهن القوى"
و قوله:" و ان أدعى للجلي أكن من حماتها و إن يأتك الاعداء بالجهد أجهـــد"
و قوله:" فخيلنا دائما للحرب مسرجـة من استغاث بنا بشره بالظفــــر "
و قوله:" لنا في كل مكرمة مجــــال و من فوق السماك لنا رجــــال
ركبنا للمكارم كل هـــــــوال و خضنا أبحرا و لها رجــــــال"
و قوله:" و نحلم إن جنى السفهاء يومـا و من قبل السؤال لنا نـــــوال"
و قوله:" رفعنا ثوبا عن كل لــــؤم وأقوالي تصدقه الفعـــــــال"
وقوله:"وما كل سيف (ذو الفقار) بحده و لا كل كرار ( عليا) إذا كــروا"
و قوله الفاصل، الفارق المفضي عن شخصيته هو ما نجده فيما صدر به صورته و هو:
" لئن كان هذا الرسم يعطيك ظاهري فليس يريك الرسم صورتنا العظمـى
فثم وراء الرسم شخص محجـــب له همة تعلو بأخمصها النجمــــا
و ما المرء بالوجه الصبح افتخــاره و لكنه بالعقل و الخلـق الأسمــى
و إن جمعت للمرء هذي و هـــذه فتلك التي لا يبتغى بعدها نعمــى"
إنه و مهما نجتهد في الدخول إلى عوالم الأمير، فإننا نظل معترفين أن كل ما نعتقد أننا قاربناه مقاربة شافية، نكون خادعين أنفسنا، أو مسوفين عن غيرنا، و الحال هذه. فهي التي أبقت الامير على الزمن و تبقيه عليه و فيه إلى الأبد، و هو ما خطه بنفسه لنفسه و إذ نقول نحن هذا فإنما إذ نفسر الماء بالماء كما يقال فالغاية أن الأجيال ملزمة بضمان استمراريتها و مواصلتها ما بقي الوجود و ما أدري ان كان السادة الأفاضل في ولاية عاصمة دولة الأمير قد فكروا و نحن مقبلون على إحياء الذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية في تنظيم ملتقى أو أنشطة مختلفة يمكن أن تحمل عنوان قيم الوطنية و البطولة و الحرية و بناء الدولة الجزائرية بين القيادة الأميرية و منهجها و قيادة ثورة نوفمبر و بناء الدولة الجزائرية المعاصرة و منهجها "لأن المرجعية و المقاصد في اعتقادنا واحدة و إن تفاوتت الأساليب بسبب اختلاف الزمن و المجتمع وعدم تطابقهما.