مـن هـو النـاقد؟
لا أحسب أني أقول جديدا حين أذكر في لفتة عابرة بالأصوات المختلفة، التي تعالت سنوات عديدة باحثة عن نقد ونقاد في بلادنا، ولا أحسبنا- وحتى الآن- قد وجدنا لتلك الأصوات صدى، لأننا لا نرى نقدا، بل ما يسمى نقدا ولكن لأننا حتى الآن لم نخلق ناقدا بعد في مختلف أجيالنا الأدبية المتعايشة أما على طرفي بل على أطراف نقيض، أو على طرفي نقيض في الأغلب الغالب وفي تقديري إن لم أقل جديدا في هذا الاستهلال القاسي على عجزة الإبداع، وكسلاء الكلمة، الذين يتطفلون على الإبداع بحثا عن حركة تخرجهم من الحمإ الذي يتخبطون فيه، أولئك الذين هم بمثابة عربة ضيعت عجلاتها الأربع، وتنتظر أنفاس المبدعين لنوقفها حتى تكون موجودة، أما أن تنطلق أو تسير فذلك ما لا يتم معها في بلادنا، ولن يتم مع الأسماء التي أعرفها، وقرأتها، وإذا استثنيت الدكتور محمد ناصر من جيل ما بعد الاستقلال، والدكتور عبد المالك مرتاض في بعض ما قرأت له، والدكاترة: حرفي، وعبد الله ركيبي، وأبو العيد دودو، وأبو القاسم سعد الله، وهؤلاء من جيل ما قبل الاستقلال،، وواصلوا بعد الاستقلال، كما هو معروف- إذا استثنيت هؤلاء أمكن لنا القول، بل تمثل قول ذلك الذي لا يحضرني من الشعراء القدامى، حين حاول أحد المتطفلين على الأدب جره لهجائه عن طريق الشتائم التي أودعها كلامه فرد عنه ذلك الشاعر بقوله: عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لهجوناك- فقال الأول: كنت أظن أنه سيهجوني لأصير أشهر من نار على علم، أو كما قال وقد ذكرني بهذه المقولة أحد شعرائنا الشباب. فرأيت أنها حادثة تشكل أرضية صالحة لموضوعي هذا الذي يتوقف هنا، ولا تبدوا الأرضية السابقة كافية للوقوف عليها، بل هناك المشكلة الأساسية التي لم يثرها المبدع الجزائري، فترك الناقد يعتقد نفسه شيئا في الساحة الأدبية والواقع أنه لا يمثل في أعلى درجاته غير قلامة ظفر قد تصيب عينه أكثر مما يصيب غيره ويكفي أن يعرف أنه رجل طفولي، فضولي عجز أن يكون شاعرا أو قاصا، أو روائيا أو مسرحيا، فراح كأي صعلوك إلى موائد أهل الجنة، وحتى يخدع نفسه ليرضيها، وليقول لها إني شيء في عالم الأدب، ومجالاته تقمص شخصية الأبوة، واعتبر المبدعين من ابناء يأمر من يأمر، ويوجه من يوجه وهو في الوقت نفسه لا يتجاوز حدود تلك المائدة هذا إذا كان ناقدا نزيها، أما إن كان من بعض النماذج، والأشكال التي تسب الناس ظلما وعدوانا كذلك الذي هجا بقالا من أجل البصل، أو كذلك القارئ الفاشل الذي حاول سب غيره فسب نفسه، لأنه تطفل على مائدة الغذاء ثلاث مرات، وفي الرابعة عرف بنفسه، وقيل له لست ضيفا، وتقاليد الضيافة تريدك أن تصون كرامتك- على الأقل- وسط زملائك، إذا كانوا من هذا الصنف فلا يرون أنفسهم كذلك فحسب، بل سيظنون أو يعتقدون أن الأرض واقفة على أصبعي السبابة، والإبهام في إحدى أيديهم.
نوعـان مـن النقـاد
وهنا أبادر إلى القول بأني لا أقصد من النقاد هنا إلا من كان لا يبدع، أي لا يكتب في المجالات الإبداعية، الشعر، أو القصة، أو الراوية، أو أي جنس أدبي إبداعي آخر، لأننا نعرف في الحياة الأدبية نوعين ممن يأتي النقد، الذين يمارسون الإبداع، والذين لا يعرفون غير الفتات المتساقط عن حواشي مائدة الإبداع.
وقد كانت هذه القضية محل أخذ ورد منذ القديم، وانتصر أغلب الفطاحلة للصنف المبدع، ورموا الفئة الأخرى بمن ينطبق عليهم قول القائل:" من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه ". ومحل الجدل كان يثيره، أو يقيمه الشعراء فطه حسين الذي صاح في حديث الأربعاء ج 3 ص 187 يوما بقوله:" إنا قد أهملنا النقد إهمالا، وأعرضنا عنه إعراضا فنشأ جيل من الأدباء يكتبون و ينظمون ولا يشعرون بمراقبة النظم، فيخيل إليهم أنهم يجيدون ثم ينتهي بهم إلى شيء من الغرور البغيض"
يصيح في وجهه العقاد في أثناء حديثه عن المتنبي، وفي كتابه ( ساعات بين الكتب ) أنه لا ينبغي له ( طه حسين ) أن يقوم شعر المتنبي، والشعر عامة لأنه لا يقرض الشعر، ومن ثم فلا يجيد من الشعر ما يمكنه تناوله بالنقد، وذكره باعترافه هو بنفسه أنه لا يستطيع تناول الشعر تناولا نقديا دقيقا للسبب السابق هذا تذكير العقاد لطه حسين، وذاك ( طه حسين هرم الدراسة الأدبية الحديثة في مصر ). وهو مبدع في مجال القصة، والرواية فكيف بمن لا يعتلي معارج الإبداع زمنا في حياته؟ !
وقديمـا قـال أحـد الشعـراء:
" إن نقد الدينار إلا على الصيرف صعب فكيف بنقد الكلام؟ ":
وحكى ( الصاحب بن عباد ) في صدر رسالة صنعها على أبي الطيب، فقال: "حدثني محمد بن يوسف الحمادي، قال: حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر وقد حضره البحتري، فقال: يا أبا عبادة، لمسلم الشعر أم أبي نواس؟ فقال: بل أبو نواس، لأنه يتصرف في كل طريق، ويبرع في كل مذهب إن شاء جد وإن شاء هزل، ومسلم يلزم طريقا واحدا لا يتعداه، ويتحقق بمذهب لا يتخطاه فقال له عبيد الله: إن أحمد بن يحي"ثعلبا" لا يوافقك على هذا، فقال أيها الأمير ليس هذا من علم ثعلب واضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله، فإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه، فقال: وريت لك زنادي يا أبا عبادة، إن حكمك في عميك: أبي نواس ومسلم وافق حكم أبي نواس في عميه: جرير والفرزدق: فإنه سئل ففضل جريرا، فقيل: إن أبا عبيدة لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من علم أبي عبيدة، فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر.. نقلا عن ( دراسات في نقد الشعر لنور الدين صمود- ص 11-12 ). وابن الرومي يقول في المعنى ذاته:
فقلت لمن قال لي: عرضت على الاخفش ما قلته فما حمد.
قصرت بالشعر حين تعرضه على مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا، ولا رواه فلا ثعلبة كان، لا، ولا أسده
فإن يقل إنني رويت فكالدف تر جهلا بكل ما أعتقده .
والجاحظ ينقل عنه من العمدة ج 2 ص 100 قوله:
" طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه. و رجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب، كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات". فما أصدق عبارة ذلك الأديب الجزائري الذي سألته يوما عن النقد في بلادنا، فقال أفضل أن أقرأ تحقيقا لوكالة الأنباء، لأنه يفيدني في أي موضوع تناوله بالمعلومات، عن قراءة لا أقول النقد، ولكن قراء أميون فكريا وكل همهم كيف يؤذون الناس أو يصفون الحسابات وأن لا أندهش حين أرى مثل تلك الكتابات تصدر عن أساتذة ينبغي أن يحتذى بهم.
أما الغربيون فإني أنقل هنا رأي قطب الشعر العالمي، (شللي)، الذي قال فيه: ما عدا أمثلة نادرة من النقاد لا يمثل الناقد سوى سلالة غبية خبيثة، وكما يتحول اللص المفلس، في يأسه إلى خفير، كذلك يتحول المؤلف العاجز إلى ناقد ( نقلا عن صمود- ص 10 ). ويشاركه في الرأي الشاعر الناقد- بوالو- في قوله:- ولكن إياك أن تذعن حالما يتوجه إليك غبي بالملام بأن نصحه لمخوف، وإن حملت قوله محمل اليقين، فما نجوت من تهلكة إلا لتصبح من الفارتين-
وأختم بقول أحد أقطاب النثر العربي القديم الذي ترك مياسمه على كل من جاء بعده (ابن المقفع) الذي يتحدث: " عود نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة والتجرع لمرادة قولهم وعذلهم ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة، لئلا ينشر من ذلك ما يجترى به سفيه أو ستخف له شأن- نفسه ص 15".
هذا نبض من حبل الوريد، وقطر من بحر معين سقته لتأكيد رأي الذي أقمته على أساس هذه الآراء. وأزعم أننا هنا في الجزائر لم نوجه أصابع الاتهام إلى النقاد، بل لم نعترف حتى الآن أنه لا نقاد عندنا بخلاف من أشرت إليه، إن لم أنس وقد لاحظنا أن الآراء السابقة كلها حكمت على الناقد غير المبدع بأنه جملة اعتراضية لا قيمة لوجوده، بل إنها تنعته بأسوأ النعوت- فهو- لص- أو هو- سفيه- أو- سخيف- أو- غبي- أو- خبيث- أو- خفير- أو- مفلس- أو- دفتر- يعي ما في أوراقه من المعاني والأفكار وفي نهاية المطاف إنه ليس أديبا كما يقول الجاحظ ولا كاتبا. وبالضرورة- إذن- إن الناقد هو ذلك الذي ولج عالم الإبداع، وأنه وحده الذي يستطيع أن يميز بين المعادن الممتزجة، وأن يفرقها عن بعضها البعض، فيجمع الذهب على حدى، والفضة على حدى، والتراب على حدى. أما ماعدا المبدعين فما أحرى بهم لو اعتمدوا تلقيحات اصطناعية- نتيجة الضرورة- ليعبروا في أحسن الأحوال، وإذا استقامت الحظوظ لهم في هامش ألفية-ابن مالك- أو هوامش منظومة القرطبي في العبارات ومنظومة الرحبية وهلم جر- وما أظن أن هذه تقبلهم حتى في هوامشها إن كانوا من صنف من يستهلك أسلوب- التعبوية- و- السوق- لأنه يمارس المكوس لتعوده التسول والتطفل وغير ذلك من الألفاظ التي طبعت في جبين من يعرف نفسه بنفسه.
08/02/1986