في رحيل الدكتور (رابح بلعيد) انهزام (النخبوي الثقافي و الأكاديمي) امام مساحيق السياسي و الإعلامي
تابعت في حدود ما نشر عن المرحوم (د. بلعيد) بعد وفاته وما يزال ينشر عنه، و هو الرجل الذي كنت تابعت قبل ذلك ما امكنني الوصول إليه مما أنجزه، أو عد كذلك، و ما نشر عنه، فضلا عن حضوري بعض انشطته العامة، و مناقشاته لرسائل جامعية في جامعة ( الحاج لخضر ) ، و هي المتابعة أو المتابعات التي هي من شيمتي، بل و من واجبي القيام بها لمعرفة مسيرة النشاط الثقافي، و الاكاديمي، و الإبداعي، و الإعلامي في بلادي و السياسي كذلك
فضلا عن علاقتي التي كانت عميقة و متواصلة دوما بالمرحوم في نهاية الثمانينات و التسعينات، و التي جعلتني أكون عن فكره، و ثقافته، و اتجاهه صورة، أو خلاصة أوصلتني لاحقا إلى قناعة بأن كلا منا ينضح من إناء غير إناء صاحبه ما ألزمني على تفتير العلاقة معه، و الاكتفاء بتحيته كلما القاه ليس إلا، كما أنه من جهته قد مضى في السياق نفسه نحوي، و بخاصة حين اعتمدت وسيطا بينه و بين الأمين الولائي لمنظمة المجاهدين، و حضرنا لجلسة لقاء باتفاق تام بيننا، و في الموعد لم يحضر الدكتور ( بلعيد ) و رفافه بينما حضر الطرف الآخر، و حين تأخر اتصلت به هاتفيا فأخبرني انه قد تراجع عن حضور الموعد، و أنه غير مكترث بما اتفق عليه لأسباب لم يذكرها لي، و لعله من هنا ظن أني أحمل له في قلبي شيئا من عدم الرضا ما جعله ينكفئ في علاقاتي معه، فلا يدعوني كالمعتاد إلى أي نشاط يشارك فيه كما لا يجلس إلي في مقهى نادي الجامعة حين يجدني فيه.
إني – ولا شك – كأي اكاديمي يعز عليه أن يغادره أي زميل له، و بخاصة في هذا الزمن الذي يرى تراجعا مقرفا خطيرا للمستوى الجامعي، و بتحديد أكثر في مجال اختصاصه على الأقل، كما لا أشذ بحال من الأحوال عن قاعدة " اذكروا موتاكم بالخير".
و لأن الشخصية العامة، أو الشبيهة بذلك، أو تكاد فإن الحديث عنها ينبغي ان يكون عن الاعمال التي وسمته بتلك الصفة، و هو أمر لا يثير، و لا يستثير أحدا في الفهم العام عند العام و الخاص سواء بسواء، و من هنا يكون حديثي عن الدكتور ( بلعيد ) ووفق العناصر المحددة في العنوان لأن أي حديث عن أي كان حيا أو ميتا ما لم يكن مقدما للحقيقة الموثقة، و حاملا لرسالة من الرسائل، و مساهما في البناء للوصول إلى تحقيق فكر صادق، بريء، راسم لطريق تعود على صناعة رأي عام عميق، بليغ، نزيه، يعد ( هرطقة) ( الحديث)، او بعابرة أخف يغدو انشائية ينسحب عليه القول " مادح نفسه يقرئكم السلام" او المثل الشعبي " ما يمدح لعروس إلا أمها أو فمها" ووفقا له فإني في ورقتي هذه – وكما أسلفت – لا اتحدث عن المرحوم الدكتور ( بلعيد ) إلا من الزوايا السياسية و العلمية في نقاط على ان استكمل أخرى في وقت آخر و يكون حديثي بما هو موثق تدوينا او رواية مع الخلاصة التي تنتهي إلى التنويه إلى الخلل الذي يسود نخبنا التي ذكرتها، و التي تساق باعتباطية، و تعطيل الذهن، و العقل، و التفاعل بسبب ذلك و بدرجات عالية جدا مع المنتج من ( المفبركات )، أو الدعاية المنمقة و ترويجها و تسويقها على انها حقائق، أو حقيقة دون مراعاة اثر ذلك على المتلقي غير العارف، و غير المدرك لا لشيء إلا لخدمة تكتل، او مصلحة، أو اتجاه، أو شخص، أو مقايضة أو لغرض في نفس يعقوب كما يقال، و دون شك أن مثل هذه السلوكات حين تتم فيما هو غير أكاديمي و غير علمي، و غير نخبوي ابداعي منتج فقد يتجاوز و يغدو في خبر كان في حينه، أما حين يكون متعلقا بواحد، او واحدة من الموسومين بالخصوصية السابقة، فإن الأمر يصير مهزلة بحق لأننا نكون مسوقين لما يسوي بين " الماء و الخشب" و بتحقيق ذلك يفاجئنا السؤال من أين يأخذ المجتمع و الامة الحقيقة، و من يوسم منهج بناء ذاتها و تطويره، و حمايته لهما حتى يؤصل مكونات حضارته النقية الراقية، و يحافظ على تطويرها انتاجا و ابداعا لمواكبة كل الأزمنة ككل أمم الدنيا.

بين " مصالية " الكرسي و " مصالية" الوطن و الحقائق
قدمت في إشارات سابقة أن لي علاقات مع المرحوم وأني كونت صورة عن نشاطه و شخصيته، و أساس و خلاصة كل ذلك اوجزها في انه كتوم، صامت في الغالب، و أنه عيي الكلام، أو أنه يتعمد ذلك، و انه يتحاشى الحوارات العميقة، أو انه دون مستواها، أو أنه لا يتبنى إلا ما يراه و لو اثبت له أنه على خطأ، و انه حين يقتنع بخطئه يكتم رفضه للحقيقة و في غيظ مهما كانت ناصعة حتى ليبدو لمن لا يعرفه أنه اقتنع برأيه و الحقيقة غير كذلك.
فعنده أن " المصالية" إن صح لي ان أسميها كذلك في مرحلة حزب الشعب هي نفسها " المصالية" في ثورة نوفمبر، وان كل قيادة جبهة التحرير التاريخية ضالة، و أن ما تنشره او نشرته عن ( مصالي الحاج ) يعد افتراء من قبله، و ان كل ضحايا " المصالية " في الجزائر و في " فرنسا" غير صحيحة، و أن أول نوفمبر من صنعها ( المصالية )، و ليس من صنع الاثنين و العشرين، و غير ذلك مما حاورته فيه مطولا، و ما سمعته عنه و هو يحدث مستمعيه في لقاءات خاصة و عامة، و يضفي على ذلك صفة المؤرخ على شخصه كما نعرف و الذي استغربه هو أن يستقبل متملقوه، أو المنتفعون من شبه خدمات الجامعة الذين لهم شأن معه، او من هواة الباحثين عن الاثارة و الاستفزازات الإعلامية ممن تسلل إلى القطاع و بعضهم لا يتجاوز مستواه المستوى الثانوي، و هؤلاء أحتاج إلى سؤالهم هنا، و هم معرفون من هو المؤرخ؟! أيعقل ان نطلق على أي مدرس للتاريخ اسم المؤرخ؟! هل يمكن لأحدهم ممن قرأت كتاباتهم أن يذكر لي عناوين للمرحوم المنشورة عن الموضوع، و مؤسسات نشرها و بقية البيانات العلمية المطلوبة اجباريا في كل عمل يتصدر أي مؤلف كان؟.
لقد قالوا إنه نشر في جريدة الاطلس مقالات، و أنا أعلم ذلك و اطلعت عليه فهل يقولون لي من حررها له تحريرا كاملا، أو قومها بمستوى يكاد يكون تحريرا تاما، ثم و هل تلك المقالات مستقلة، أو مجتزئة من اطروحته، ثم من يصدر جريدة (الأطلس) و من وراءها، و هل لها علاقة بجريدة (البديل)،و مجلة (أكتوبر) إن صحة لنا تسميتها كذلك و هذا موضوع آخر عندي ما أقوله عنه في يوم من الأيام. و الحال هكذا نسأل كذلك هؤلاء إن كانوا يعرفون موقف الباحثين من ذلك، و هل يسوون بين ماهو بحثا لغاية، و ما هو تأليفا بحثيا لأي موضوع كان؟ !
يبد أني أذهب بعيدا لأطلب ممن قال عنه أنه قضى حياته في التأليف أن ينشر عناوين ما أنتج، و يقدم لنا صفحات منها إن لم يتمكن من نشرها، فالوسائل المتيحة لذلك اليوم في متناول كل الناس، بل أتمنى ان يقدم لنا يوما عملا و ليكن محاضرة فقط بقلم المرحوم أصلية تكون منسجمة صياغة و منهجا، إن الذي اعرفه معرفة مباشرة أنه لا يستطيع مناقشة رسالة جامعية بطلاقة و سلاسة و باثراء فكريا و علميا، و قد حضرت ذلك له مرات ما جعل تعيينه في لجان المناقشة نادرا، و تسند إليه الرئاسة حتى يتولى تسيير الجلسة، إعفاء له من الاحراج الذي يقع فيه علميا، و فكريا، و ثقافيا، و أكثر لغويا نحويا و صرفيا، قد يقول لي قائل إن لغته ليست العربية و هذا جميل، و الاجمل اكثر في أن يكتب خارج أطروحته ما قضى عمره مناضلا في سبيل تحقيق ( مصاليته الكرسي ) باللغة التي يفهمها و حينئذ نحييه مؤرخا، و مؤلفا، و باحثا في القضايا الوطنية و خادما لها و بخاصة و هو يقدم ذلك إلى العاملين باللغة الإنجليزية لغة العالم اليوم.
إنه لمدهش حقا حين تكرس الأقلام، و تشحن الحناجر لتحرير، و الصدح بما لا يبنى على مرجعيات حقيقية موثقة، و المؤلم اكثر حين تصدر عن فئات في مؤسسات واجبها الأكيد حماية منظوماتها المسؤولة عنها علميا، و ثقافيا، و فكريا، و أخلاقيا.

[ أرشيف جبهة التحرير بالقاهرة في ( الدلال ) بتونس ]
مما ذكر في سيرة حياة المرحوم التي اطلعت عليها أنه كان اطارا في الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية، و الذين ذكروا ذلك بخلوا علينا بذكر مصدر معلوماتهم، و لست أدري لماذا فعلوا ذلك، ألأنهم لا يملكون مصدرا، او تاريخ الامة لا تعنيهم حقائقه، و لا احترامه، و بعضهم ظل دائما يصرخ في دعاوى لا تنتهي بوجوب اعتماد الموضوعية في كتابة التاريخ ...، و لا يلزم نفسه بعدم الوقوع تحت طائلة قول الشاعر:
" و غير تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوى الناس و هو مريض "

[ ندوة جمعية عيسى طروب و المرحوم ( عبد الحميد مهري ) بعين مليلة ]
في ندوة لجمعية يرأسها الأستاذ ( عيسى طروب ) الصحفي بمحطة ( قسنطينة) التلفزية حاليا، و التي نشطتها بدعوة كريمة مع المرحوم الاستاذ (عبد الحميد مهري) سألني الأستاذ ( مهري ) ما حال مصالية ( الدكتور بلعيد ) بباتنة فأجبته أني غير متابع لأمر منذ مدة، فقال لي و بأخلاقه العالية المعروفة عنه لست أدري ما يريد الرجل، إنني من عينه حارسا لأرشيف جبهة التحرير في القاهرة، فهل يصنف الحارس في صف الإطارات، لا ادري قد يكون تصنيف المناصب في ذلك الزمن غير التصنيف المعتمد لدينا فاللهم زدني علما.
و من أرشيف الجبهة الذي عينه الأستاذ ( مهري ) لحراسته بالقاهرة أخذ ما طاب له من الوثائق، و في سنة 2000 تحديدا أخبر ( د. عبد العزيز التميمي) صاحب المؤسسة العلمية الجامعيةبيتونس الدكتورين ( يوسف مناصرية ) و هو أستاذ بجامعة الحاج لخضر حتى الآن، و الدكتور ( عبد الله حمادي ) أستاذ بجامعة قسنطينة حتى الآن كذلك بصفة الأول رئيسا لاتحاد المؤرخين الجزائريين، و الثاني بصفته مديرا للمركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية و ثورة نوفمبر. اخبرهما مع مرافق له لا اذكر اسمه أن المرحوم ( بلعيد ) قد عرض عليه حقيبة من وثائق الثورة التحريرية للبيع وطلب مقابلها ما يتجاوز ثلاثين مليون من العملة التونسية على أساس ان مركز التميمي مختص في الدراسات التاريخية و تلك الوثائق تهمه قطعا، و لكنه رفض شراءها بسبب المبلغ المرتفع، و هنا ألتمس ممن يعنيه تاريخ الجزائر، و يناضل في ( مصالية الكرسي ) بل (مصالية الصنمية) و له علاقة بالمرحوم، و قدم له ما قدم من خدمات علميا، أو إعلاميا ... أو ... التمس منه أن يبحث لنا عن هذه الوثائق عسانا نسترجعها، و يمكن لمن تهزه الحمية الوطنية و همة الجزائري الأصيل وكبرياء الشعب الجزائري العظيم يمكنه إن أراد أن يتواصل مع الدكتورين ( حمادي) و ( مناصرية ) فربما يعطيانه من المعلومات عن الموضوع اكثر مما أوردته و هو اكيد كونهما عاشا القضية مع التميمي.
إن لدي ما قدمته، و غيره ربما ألحقته يوما بما سبق، و لأن حلمي في رؤية النخبة المثقفة الوطنية في أي موقف كانت تتخلص من اختلالات و أمراض لا أقول تسيء إليها فحسب. بل أقول أنها تنسحب بل سحبت منها سلطتها العظيمة، التي حصلت عليها بما وهبت و بما اكملت بها مواهبها، و كل عضو فيها متميز عن الآخر ما يجعل أيا منها لا يطابق غيره ما يعني ان لا احد و مهما تكن مرتبته ينافسه في موقعه، او يسحب منه بساطه، و الذي يظل خالدا حتى بعد رحيله أقول إن حلمي هذا و الذي اجتهد في عيشه شخصيا وأسعى إلى تكريسه هو الذي يملي علي كتابة ما اكتب، و هو الذي في كثير من الأحيان و المواقع يسحب علي قول الامام علي كرم الله وجهه " ما أبقى لي الحق صديقا" أو كما قال رضي الله عنه.