المولد النبوي: عندنا متى يكون جزائريا و متى يحين لهوية الامة ان تترجل؟ !
من جملة ما تعلمته ما اكدوه باسم " اهل الحل و العقد"، و ما اتفقوا على تسميته بـ" الجمهور"، و ما يوجد عند كل أمم الدنيا من راسمي مناهج حياتهم و محددي الصالح من الطاحل لها، و قد وردوا في كتاب الله باسم " العلماء" و لهم تسميات أخرى " الصفوة"، " النخبة" و غير ذلك، و بخاصة من تربعوا على عرش المذهبية، و في صدارتهم من نسميهم بالأئمة، فهم و منذ أن وجدوا و على مر الزمان مصابيح منيرة للشعوب و الأمم بحسب خصوصياتها في محراب معتقداتها، و فكرها، و نظمها، و قيمها حتى ان القوانين الوضعية حين لا يؤخذ فيها باحكام، و فتاوى هؤلاء، فإنه يستأنس بها لسن ما يؤدي إلى القطعية، و في مقابل هؤلاء الواقعين تحت أي تسمية، أو في دائرة أي تمييز هناك حياة شعبية، أو الحياة الاجتماعية للأمة، و التي تعطى على مستواها ما تعطي استلهاما منها لما يتقاطع مع معتقدها، و ما ينسجم مع ما غدا عندها من أعراف، و تقاليد، و قوانين شبه مجمع على صلاحياتها فاعتمدت آليا لذلك.
و لأني – حتى و إن كنت اعرف – لا اعطي لنفسي حق الوقوف موقف المفتي بصحة هذا و خطإ ذلك، فالقائم على هذا الشأن و ما يتصل به موجود هنا و هناك في الوطن، و تحت تسميات معروفة لدينا فهو الذي يتوجب عليه، أو عليهم ان يفعلوا، و أن يقوموا بماهم مسؤولين عليه.
و من هنا – وهي الطامة الكبرى – يأتي التساؤل هل لمسنا شيئا فيه من الخصوصية ما يشهد لهم بأنهم وفق المنوط بهم، و من ثم على الامة ان تطمئن على تواصل حاضرها بماضيها، و ترى حضورها المميز لها مستدعيا، و مؤصلا، ومثمنا لجهد أبنائها الذين كانوا في أحايين كثيرة نماذج لشعوب و أمم شتى، و في ضوئه تضيف اجيال اليوم ما تضيف، فتغني التراكم الحضاري للأمة، و تجلى هويتها الناصعة بعثا، و تكريسا، ومدا بالمستحدث، الواسط في غير ما استلاب، و لا جنوح و تطرف، و شطط بمثل ما سار عليه آباؤهم واجدادهم.
و مع اني لست معنيا بالاجابة عن التساؤل لأني لست في حاجة إليه كونه هو في حد ذاته جوابا، و لهذا فالذي ينبغي أن أجاب عنه و من التساؤل الآخر الذي هو هل ما يجرى اليوم في بلادنا في احتفالنا إحياء للمولد النبوي الشريف، و ما يعقد له، هل له صلة بتراث إحياء المناسبة في شتى دولنا الماضية، و هل نحييها اليوم تحقيقا للغايات التي اسست له في أزمنتها المختلفة ...؟
قطعا امرنا عجيب، بل امورنا عجيبة فنحن نجمع، او نكاد على ان مدرستنا تعيش الرمق الأخير في المضمون و التوجيه بالرغم من الهياكل التي قلما نجدها عند غيرنا، و ان مجتمعنا في تفتت غريب و ان الفساد في استشراء مخيف، و أن قيم العمل، و الابتكار، و الابداع، أمست عبارات وهمية و احلاما طوباوية حين تذكر إنما تأتي للتمويه او التضليل، أو لعزل الحقائق المرة التي نعيش تعششها في جل فضاءاتنا ليس في المناسبات فحسب بل حتى و في حياتنا اليومية.
و ان التناحر كل التناحر، و لا أقوال التنافس بيننا كله مكرس نفسي و بعدي الطوفان، فالسياسي لا يعنيه شيء من مكونات الامة المشرقة، و لا البحث عن بلاسم علاج ما تفشى فيها من امراض، و المعلم ( النبي ) و الامام المرشد كل همهما هو كيف ينالا ما يشبع نهمهما و عنهما تعلمنا من تراثنا " القناعة كنز لا يفنى"، و الموظف و في أي درجة و رتبة يتموقع أحلامه ان يستيقظ على خزائن قارون تحيط به من كل صوب ولا يهمه مصدرها و كيفية الحصول عليها، و ينسى ان اجداده، و ربما آباءه كانوا ذات يوم ينامون على الحصير، و بعضهم إن لم يكونوا كلهم تبيت أحشاؤهم خاوية، و المسؤول لا شيء بين عينيه غير أي أسباب تمكنه من سعود السلاليم بقذفات صاروخية و ليكن ذلك على أي ركام يسببه لمن صعد على جثثهم، و قطعا أن في ذاكرته انه مسؤول امام دماء، و أرواح الشهداء، و عرق وطنيين مخلصين مضحين من اجل ان يكون مسؤولا حرا ليكمل جنة الوطن التي احيوا بساتينها، و رياضيها، و اضاؤوا ظلامها، و دفقوا منابعها، و اغنوا حقولها و مزارعها، و العامل، و الفلاح، و الراعي، و هم القائل عنهم في ثقافتنا " خادم القوم سيدهم" هؤلاء و لأن الزمن زمن الانسلاخ المبرمج و المكرس عن كل ما في الامة مما أعطاه أبناؤها في دولها و مجتمعاتها من " الرستميين" و " الموحديين"، و " الصنهاجيين"، و " الحماديين" ... و من "الزيانيين" و هم من اصل اسسا و نظاما في الاحتفال بالمولد النبوي و اعتمد نموذجا في اكثر من دولة آنذاك مشرقا و مغربا ... ومن قبلهم و من بعدهم.
لأن الزمن هو هذا فلا غرابة إذن إن رأينا في ذكرى احياء المولد النبوي عندنا اختلاط الحابل بالنابل، و أصبح كل من يطيل شعر ذقنه اكثر من غيره صاحب حل و ربط، و كل من قرأ أوراقا، أو صفحات في تنظيم من التنظيمات، او في مسمية من المسميات يصول و يجول واعظا راشدا، خطيبا، مفوها، و في حال الحصول على شيء من الجد تجد قراءة " البردة" أو " البرأة" كما يسميها البعض و لعلها التسمية الصحيحة، و لو سألت كم نصا كتبه الأمير ( أبي حمو الزياني ) عن المناسبة لسخر من سؤالك، و لو قلت أن للثغري التلمساني ديوانا و يكاد يكون كذلك في الموضوع لو سمت بالجنون، و قس عن ذلك الحوض، و(ابن الخلوف القسنطيني)، و (عفيف الدين التلمساني)، و ابنه (الشاب الظريف) و ( السائح الكبير)، و (محمد العيد آل الخليفة)، و غيرهم ... و غيرهم كثير.
و بهذا الطمس الممارس على تراث هوية الأمة و حضارتها، وتاريخها، والذي يستهدف كل مجالاتها، و باعتماد التبعية الكلية لهذه الجغرافيا أو تلك المنهجية ممن أصاب الله الأمة بهم ليظهروا لابنائها أن لسنا شيئا حضاريا حتى يغربوهم، أو يعوقوهم حضاريا، بل حتى يجعلوهم منقطعي الأصول و الجذور فإن سعوا ليكونوا جزائريين يبعث خصوصياتهم، و تسييد ذاتهم الوطنية اتهموا في عقولهم، و فكرهم، و سلوكاتهم، و خلقوا لهم العدو (الوهم)، و العدو (المؤامرة)، و ما فعلوه في تجميد قانون التعريب، و تعريب العلوم، و المدرسة بدءا من مشروع المرحوم ( مصطفى لشرف ) خير مثال على ذلك و الموضوع أولا و أخيرا ابعد بكثير مما يمكنني أن أحيط به في هذه الصفحة المحدودة.