سقوط ذاكرة الأوراس في موعد ذاكرة التلفزة
عشت _ ككل مشاهد لقناة التلفزة الوطنية _ الجزء الثاني من حصة المخرج الفنان "محمد حازورلي" التي أعطاها عنوان" موعد مع الذاكرة"، وتأسفت لعدم مشاهدتي الجزء الأول من الحصة هذه لأكون صورة شاملة عن كل ما قدمه، وظننت _ ومازلت كذلك _ أن الحصة ماتزال أجزاء منها ستقدم لاحقا، كون المخرج لم يردف الجزء الثاني منها بـ "الأخيرة" مثلا، وبعد انقضاء أسبوع كامل دون تقديم أي جزء، بدالي أن أجزاء الحصة قد انتهت، وذلك يخول لي كتابة ونشر ما أراه يغني ذلك العمل، وعلى فرض أن أجزاء ستقدم لاحقا من الحصة. فما أسجله هنا عن الجزء الثاني لا يتعارض مع ما يأتي لاحقا، وإن حدث ذلك فمن اليسير استدراك ما ينبغي استدراكه، لأن الموضوع المتناول لا يموت ولا ينهي دراسة وعرضا وتقديما كونه موضوع ثقافي، تاريخي، فكري فني ...
_ 1 _
لقد تعاملت زمنا مع المخرج" محمد حازورلي" أيام كان كل شيء صعبا لقلة الوسائل، ومحدودية الاطارات، فأنا أعرف الرجل عن قرب، فعرفت نتيجة لذلك جديته، وأصالته، وإلتزامه، وإخلاصه، وانضباطه، ووطنيته، وفنيته، المتميزة، ولعل أعماله التراثية _ بخاصة _ التي أنجزها للتلفزة خير شاهد على ذلك. وهو في عز شبابه .
تلك الحميمية التي جمعتني به أثناء انجاز بعض أعماله، والتي مكنتني عن تكوين هذه الصورة عن الرجل وجهوده، جعلتني أتساءل، وأنا أتابع جزء الحصة السابق إن كان "حازورلي" قد أنجز عمله هذا بالمعايير التي يتبعها في أعماله، أو إن كان قد أنجزه براحو وطمآنينة ورضى، ذلك أن عملا كذلك الذي قدمه عن ذاكرة الأوراس يتطلب قبل أي إقبال على التنفيذ، يتطلب جمعا وتنقيبا ودراسة للمادة التي تكونه، لأن العمل يحمل عنوان" الذاكرة" فهو توثيقي و ليقدم بعد ذلك في قالب فني، وهذا ضروري، وإلا فليغير العنوان من " موعد مع الذاكرة" إلى اسم آخر، وليكن مثلا"ومضات من التراث"، أو" إضاءات ..."، أو أي شيء آخر.
_2 _
إن العمل كذلك، وبالعنوان هذا يؤخذ مأخذ التزكية والتصديق من لدن العام والخاص في الأغلب، ويستفاد الباحثون في توظيف مادته في مجالات مختلفة: تاريخية، فنية، أدبية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية، دينية، ثقافية بصورة عامة، وفي هذه الحال يلزمون بالاحالة على المصدر الذي أخذوا عنه المادة، والمصدر هو الحصة كما تجلى. وهذه الشروط التي لا بد من اعتبارها، ومحاولة إعطائها حقها في كل عمل كهذا لم تكن حاضرة، ومن ثم سقطت التسمية "الذاكرة" سقوطا يكاد يكون تامًّا، وهو ما جعلني أسجل التساؤلات السابقة عن الظروف التي انجز فيها "حزورلي " الفنان المثقف عمله ذلك .
_ 3 _
إنه من الصعب أن نطلب من المخرج أن يكون مخرجا، ومنشطا في الوقت نفسه، وربما مصورا في الآن ذاته، وهو ماحدث مع "حزورلي" في "موعد مع الذاكرة" الأوراسية، ومن الصعب أن نطالبه بمعرفة ثقافة هذه المنطقة معرفة تامة، أو تلك: لأن هذا ليس مسؤوليته، ولا شأنه. ولكن لا يمكن أن نتغاضي عن تشويه ثقافة، أو "ذاكرة" كما أسماها ، أي منطقة، وإنما نطالب المؤسسة التي غذت انجاز العمل، أو الجهة المشرفة على ذلك نطالبها بتوفير أساسيات العمل حتى لا يخرج مشوها، وبخاصة حين يكون ذلك تأسيسيا،أو تأصيليا، لأنه يظل مصدرًا، أو مرجعًا للقاصي والداني، وعلى أخص الأخص حين يذاع في القناة الدولية . وتجاوز الفخاخ التي تنصب أحيانا بفعل فاعل، أو فاعلين لغايات آنية غالبا ماتكون غير بريئة، تجاوز ذلك ممكن جدًّا، على شرط أن نعتمد منهجا ناجحا في انجاز عملنا هذا، وطبيعة هذا العمل تقتضي العودة إلى المصادر بنوعيها المكتوب، والشفوي، والإعتماد على المختصين، و هذه غيبت في الحصة تماما ، ماعدا بعض ما عدًّ حصى في عقد الحصيات التي تهتم بالتراث، والتي نراها دخيلة عليه، لأنها لا تمتلك لا مستوى معرفيا، ولا علميا منهجيا لتقول ما يوقد مقدار ضوء يراعة في الموضوع .
_ 4 _
إني لأعتقد أن الزمن قد حان لتكون مؤسساتنا المتعاملة مع الثقافة كمؤسسات أي وطن في العالم، فالعمل التراثي هو من أشق الأعمال، وكثرة المتسللين إلى تشويهه، وتحريفه، وتوظيفه في غير مقصده لأغراض أنأَى عن ذكرها هنا بات معروفا، وما نسمعه باطراد، ونقرؤه، ونشاهده يدمي الفؤاد أحيانا، ولكن لا نملك غير شهقات حادة، قد تفضي بصاحبها أو أصحابها إلى النهاية مادام، أو ماداموا ينسحب عليهم القول: "لمن تقرأ زبورك ياداود" . أقول تكون مؤسساتنا ككل مؤسسات الدنيا باعتمادها على مختصين، واتخاذهم مستشارين في القضايا التي لا تقبل التزييف، ولا يسمح بتوظيفها لخدمة أغراض آنية _ كما قدمت _ فنقتل الأصل الذي هو جوهر، ونبرز المزيف على أنه الأصل، وهو صورة مشوهة قد تبهر بما زخرفه بها، ولكن تموت في أية لحظة تبرزها للمشمس، أو نكشف عنها للرياح، حينئذ تغدو أبناؤنا تحت طائلة الأثر:" يداك أوكتا وفوك نفخ " .
_ 5 _
لقد آن لي بعد هذه الإطلالة التي تعد بمثابة الإطار العام، الذي لا بد منه ليمكنني من وضع الأشياء في نطاقها، آن أن أتوقف عند "سقوط ذاكرة الأوراس" أو إسقاطها في الحصة كما ينص العنوان. ووقوفي عند ذلك يتناول :
1 _ الجو العام الذي قدمت عليه حلقة الحصة.
2 _ مدونة النصوص مضمونا، وأداء .
3 _ ملاحظات عامة .
فبخصوص الجو العام الذي قدمت لنا فيه الحصة جزءها الثاني يتمثل في عرس نقاوسي أي أجرى في قرية تابعة لدائرة "نقاوس"، و المكان يبدو فضاءً غير محدد، ثم بيت تصدر فيه الأحكام بين المتخاصمين، أو تؤدى فيه محاولات الصلح و التقريب بين المتخاصمين، إلى جانب الأماكن التي أدى فيها مغنون أغاني من المنطقة، بل من الذاكرة الأوراسية كما قيل.
وهذه الفضاءات هي التي تكون نواة جريان الفعل أو حدوثه، مع من يؤديه أو يقوم بتنفيذه على أساس أنه كان يؤدى هكذا في زمن سابق، وأمسى تراكما في الذاكرة، واليوم يعاد بعثه بالصورة المعهودة التي كان عليها، ومن هنا تنطلق المفارقات، وتبدأ التجاوزات غير المبررة بحال من الأحوال .
لقد اعتمد في الرواية بالنسبة للعرس على صوت شخص واحد بدا جامعا بين "البرنس" الأبيض التقليدي، وهو من لباس أهل المنطقة أبا عن جدٍّ، وبذلة غريبة عن زمن العرس الذي نقوم بتشخيصه، وحصور الرأس الذي كان غريبا أجنبيا ليس إلا، فضلا عن عمر المتحدث ذاك الذي يريد تقديم معلومات وجيزة، وسطحية عن حفل العرس.كذلك المكان الذي يتم فيه تشخيص الحدث، والذي هو بعيد كل البعد عن عرس " الذاكرة"، إذ مكان عرس الذاكرة، هو فناء المنزل كان مبنيا باللبن، أو محاطا بأغصان الأشجار في شكل ما يعرف بالزربية، أما الصورة التي بدا عليها المحتفون بالعرس، فتكون فيما يعرف بموطن سباق الخيل، والذي يرفق بـ"المحفل"، وللتوضيح أكثر يكون خروج النساء بالصورة التي قدمها هذا العرس الخارج عن الذاكرة، يكون ذلك الخروج إما في عرس الزفاف، إما في عرس الختان، ويتم في فضاء واسع منبسط ينشط فيه الفرسان إما عروضا فروسية، وإما سباقات على أن يكون صف الرجال المتفرجين بعيدا عن النساء، وصف النساء بعيدًا عن الرجال، والفرسان تمر بينهما، وتتولى النساء المشكلات لما يسمونه بـ" المحفل " تتولى أداء أغاني خاصة بالمناسبة، وبالحدث مع الزغاريد، في حين يطلق الرجال البارود دون توقف، وقد يريحون النساء فيعزف منهم المختصون على آلات القصب من الوقت صباحا إن كان العرس ختانا، ومساءً إن كان العرس زواجا. ولا يختلط الرجال بالنساء أبدا سواء أكان ذلك ليلا، أم نهارا، بل للنساء رئيسات يدعون " شاوشات "، وللرجال آخرون من الرجال يدعون "شواشا" وهؤلاء، وأولاء لا يسمحون بأية حركة، أو لفتة تخل بالأخلاق و بالنظام العام،بل إن بعض من يريد الرقص، وبخاصة من النساء لا يسمح له إلا بعد الإستئذان، والحوار، وقد يسمح لها، وقد لا يسمح إلا إذا كانت عجوزا شمطاء، فالأمر بالنسبة لها هين يمكن لها أن ترقص دون الإستشارة. بينما رأينا عرس "النقاوس" خليطا من النساء والرجال، وكان يمكن تلاقي ذلك بيسر وسهولة. لو اعتمد أسلوب التنظيم المعهود في العرس الذي تحافظ عليه ذاكرة المنطقة لدى شيوخها، والذي حفظ مدونا في مسودات الجامعين والباحثين لهذا التراث، وفيه.
_ 6 _
2 _ مدونة النصوص
إن العرس كما هو معتاد لا يخلو من الغناء بحال من الأحوال إلا في الحالات الشاذة، وما أظنها موجودة في مجتمعنا، وعرس "النقاوس"، وذاكرة الأوراس بصفة عامة قدمت لنا الحصة عنهما أغاني بعضها غني في أثناء توديع العروس، والبعض الآخر غني على أساس أنه من الأغاني التقليدية، بل من النصوص التي صارت تراثا، وباتت في عداد مدونة الذاكرة الشعبية الأوراسية، وحاولت الحصة أن تبرزها عن طريق مغنين يستعملون الوسائل الموسيقية التقليدية، وآخرين يستعملون الوسائل الموسيقية الحديثة، والحال أن الحصة حاولت بين إبراز النص الأصلي الأصيل موثقا، ثم ابرازه مطورا، أو هو قريبا من ذلك، ومن الأكيد أن لا آعتراض على ذلك، لكن الأساس في اسقاط جوهر النص الأصلي أصلا من حيث الكلمات و الدلالة، والأداء، ذلك أن الفرقة التي انتخبت لهذه المهمة هي فرقة" قليل" على ما أذكر وبمشاهدتنا أعضاءها نستنتج بسهولة أنهم من جيل الإستقلال، ويقينا أن هذا الجيل تجاوز ذاكرة آبائه كثيرا، فهو لم يتدقق في أصل النص، ومضمونه ومبناه، لأن وظيفة النص عنده لا تتجاوز الإطراب، وهناك فرق عريقة في هذا المجال بالمنطقة وافقت أكثر من ثلاثة أجيال ما يزال أهلها يؤدون تلك الأغاني دون حذف، أو زيادة، وبالموقع الذي تؤدى فيه، واللحظة التي خصصت لها، واعتماد الصوت الذي يناسب كل ذلك، بحسب مايقتضبه الحال، ولكن هذه الفرق غيبت دون معرفة أسباب ذلك، ومنها مثلا فرقة "أولاد سي سليمان" وفرقة "أحمد أوبلعيد"، وفرقة "المعذر"، وفرقة" الباندو" بأريس، وفرقة"محمد الصالح السلامي" وهو رواية شعر المنطقة، وشاعر مبدع، ومغني وعازف في الوقت نفسه، وفرقة "كوندورسي " فيما بلغت .
و بتغييب أهل الذاكرة سمعنا نصوصا قدمت في غير مواضع تقديمها، وفصلت عنها رؤوسها أحيانا، وقطعت أرجل الأخرى منها، وبلحن غير لحنها الأصلي حتى مع فرقة "قليل" التقليدية نفسها، والمدهش أن البنتين اللتين كانتا تقدم ما تعلق بالعرس، وبهذه الأغاني، أو الفرق التي تؤديها لا تعرفان لهجة منطقة نقاوس فلهجتهما تختلف كثيرا عن لهجة "أولاد سلطان" اللذين صور عندهما العرس، ولهجة فرقة "قليل" كذلك، وهو ما يجعل المقدمتين غير داركتين للتحوير الذي مس النص، أو التحريف الذي أصابه، فضلا عن عمرهما الذي لا يسمح لهما بمعرفة النص المؤدى أصلا .
وهكذا وجدنا أغنية " نَشْنِينْ نَتْنُّونَّهْ " أي " نحن نوينا مُتَمَنِّين "، قد فصل رأسها عنها، أو ألحق بها رأس غريب عنها وهي كاملة كالآتي :
" وَ الصَّلاةْ علىَ النَّبَيْ مُحمَّدْ يَا عَلَيْ نَشْنِـينْ نَتْنُـونَّـه رَبَّهْ أغْنِي هَنَّهْ "
ومعناها بالعربية بالنسبة للبيت الثاني كون الأول عربي كله، ومفهوم في لغتنا الجزائرية المتفاصحة هو :
" نحن نوينا متمنين اللّهُمَّ أحْيِنَـا "
أو قريب من هذا المعنى، وهو نص ديني بحت، تؤديه النساء مطلقا وبدون الآلات الوترية، أو الجلدية، أو القصبية، ويؤدى في المحفل في مرافقة الفرسان، وأيضا عند استقبال العروس، وهو متفق مع الموقف تماما، كما تؤكد ذلك رسالة مضمونة، وهو ما غاب عن فرقة "قليل" كما غيبت لحنه الأصلي كذلك .
والأمر نفسه مع المغني الآخر، الذي أظنه تسمى باسم "كاتشو" وما أدري ما العلاقة بين "كاتشو" وبين الغناء الذي يؤديه بالصورة التي تابعناها والتي إلى جانب تجاوزها ألحانها الأصلية، والتي أعتقدها مسجلة في شريط من لدن هذا المغني، وتباع في الأسواق، وأعادها في حصة توثيقية هي "ذاكرة الأوراس" حتى أن غير العارف بالمنطقة، وتراثيها يظن أن هذا مافيها، وأنها تستهلك ذاتها، وهي في طريقها إلى الإختناق، والحقيقة غير ذلك تماما. وهكذا شارك هذا المغني "قليل" في أداء بعض النصوص كل بطريقته، والنصوص المقصودة هنا هي " لهوى أوَّذْرَار " أي " رياح الجبل" ، و"أرْقَدْ النِّيرار"، أي " تعالي نلعب" حيث قدما على أساس أنها نصان عاطفيان وأدمجا في بعضهما البعض باعتبارهما نصا واحدا، وحذف جزء منهما حينا آخر، وبذلك أبعدا النصان عن سياقهما، فحجبت دلالتهما التي تمثلها وظيفتهما، والتي هي الجوهر في كل العملية الإبداعية فيها، بل التي أنشئت من أجلهما .
فنص " لَهْوىَ أوذْرارْ "، رياح الجبال نص وطني، سياسي، رمزي بحيث يتولى مؤدوه تبليغ رسالة باسم الوطن من أجل الصعود إلى الجبال، ومؤنستها والعيش فيها، لأنها السبيل لتخليص الجزائر من الإستعمار، ويبدو تلك الرسالة ناطقة حتى في الحروف المختارة لتحقيق ذلك بحيث يبدأ النص بهمزة النداء :" أَمَنَّانة "، وهي اسم رمزي إلى الجزائر الوطن، وفضل على غيره من الأسماء لما يؤديه من معاني: "التمني"، "الأماني" ، "الأمنية"، "المن"، إلى غير ذلك مما يستنبط من المعاني، وهي كثيرة، ثم يعقب النداء قولهم: "أَشّمْ أّقَنَّانْ لهْوَى إيذُورَارْ " أي: "أنت الداعية إلى رياح الجبال"، أو" أنت التي فرضت رياح الجبال"، ويمكن إعطاء معاني أخرى للعبارات غير هذه، علما بأن هذا النص قد ظهر في الأربعينيات في المنطقة، ولعله بعد مجزرة 1945 بجهات عدة من الوطن. ولحنه الأصلي لحن حزين مستفز مثير للمشاعر والعواطف بحدة.
والأمر نفسه ينسحب على النص الآخر الداعي إلى اللقاء، والمؤانسة، ذاك اللقاء الذي يتمثل في احتضان أحلى منه في الدنيا أبدا، وحين نسأل الشيوخ بالمنطقة التي اختيرت لتصوير العرس، أو التي تقيم فيها فرقة "قليل" فإنهم لا يخرجون عن هذه السياقات،وهذه الدلالات، ومن المؤسف أن تقدم هذه النصوص مقزمة في كمها، وشكلها، ومضمونها، ودلالاتها فتفقد روحها، وبفقدها ذلك، تقدم جثة هامدة منفورا منها كأية جثة ألقيت على حافة السبيل من لدن عابريه .
إن مدونة نص الغناء الأوراسي الذي بين أيدينا مما يعود إلى قرننا الحاي لا يختلف عن النص الشعري الفصيح، أو المتفاصح في مضمونه تماما، فهو نص قضية، تلك القضية هي رسالته التي يبلغها، ويدافع عنها، ويهيء كل ما لابد من تهيئته من أجل تلك القضية، ومن ثم خلا تماما من الغزل، فتحقق فيه مع أصحابه الأثر المعروف" : منشبه أباه فما ظلم"، وكان يقينا أن وظيفة هذه النصوص، ومعانيها تفهم على صورتها الحقيقية لو قدمت بكيفيتها الأصلية، وبخصوصيتها المميزة لها، ومن لدن من عايش ظهورها، وتعامل معها أداء، أو تأريخا، أوبحثا، ودراسة،وقديما قيل: "فاقد الشيء لا يعطيه ".
_ 7 _
3 _ ملاحظات عامة
وهذه نود أن نجمل فيها بقية الجوانب التي نعطيها حقها من العرض، والبحث، وتخص الجلسة التي قدمت لنا على أساس أنها تمثل جلسة مصالحة يعتمد في أحكامها على العرف الأمازيغي، وكذلك ملابس أهل المنطقة في الأعراس، وطريقة نقل العروس من بيت أهلها إلى بيتها الجديد، بيت الزوج الذي تزوجته، تاركن بعض الملاحظات، التي يبدو تجاوز هناتها في الحصة مقبولا.
فالجلسة التي قدمت في بيت لم نر خارجه حتى نحدد انتماءه، بل ملكيته أثار تساؤلات لدينا منها: لمن البيت، وماذا يمثل بالنسبة لمتصدر الجلسة التي ترأسها، ومن آنسه من غير الخصمين، وما علاقة تعليق المعلق عن الجلسة، وهو لم يلحظ لا كمتصدر للجلسة،ولا بالقرار الذي قد أصدره أو لا، لأن الحدث لم تقدم لنا نهايته، إلى جانب هذا لغة الحوار التي كانت بالعربية المتفاصحة في منطقة يجيد أهلها إجادة تامة الشاوية، وفيها خليط من لهجاتها، ثم بعد ذلك نسميها جلسة خصام أمازيغية، أعتمدت العرف الأمازيغي، وهنا تساؤل العجب حقا، إذ أن المعرف للعرف الأمازيغي هذا بالحماس الفياض، والإعتقاد الراسخ، والإنبهار المطلق باكتشافه، نسي أن العرف مصدر تشريعات شعوب الدنيا كلها تقريبا، وأن الإسلام حماه حماية تامة إلا ماكان منه متناقضا مع المعتقد، والقيم التي أتى بها منشئا، أو موفقا، والأدهى أن الجلسة تذكرنا تماما بنظام القبيلة التي مرت به، أو عليه شعوب الدنيا كلها، وهو مانقرأه في التراث الجاهلي العربي أقرب إلينا من غيره. لقد كنا نسعد بهذا التخريج " المستنوق" من لدن المخرج هذا، ونبارك اهتداءه إلى ذاك، وهدينا إليه لو ذكر لنا مصادره ومراجعه البعيدة، والقريبة، لكي نطمئن إلى السبق الأمازيغي في ذلك، وهو ممكن، أو نبحث في ضوئها عن الينابيع التي استقى منها هؤلاء قبل الفتح الإسلامي، مثل مانعرفه عن حروف " التفناغ"، التي لا نشك في أمازيغيتها، والتي فتحت شهية العلماء، والعقلاء المتمكنين وتابعوها، فقالوا عنها ما قالوا وما يزال القول عنها نافذا ما بقيت البشرية على المعمورة.
إن أصعب الأشياء هو البحث عن جذور، والعلم اليوم يرفض الإنشائية، والخطابية غير المؤسسة، ويقترح وسائل شتى للخوض فيها، فإن لم تعتمد، ولم يبد أثرها في أي فعل علمي كان صدر عمن صدر، فهو في أدبياته أجوف من طبل، وإن علق في أعلى شجر وهبت عليه عواصف شتى، فما بالنا إذا كان الأمر يقرر أحكاما على أساس أنها مولودة من ذاكرة، وأي ذاكرة ، إنها ذاكرة الأوراس ؟.
أما الملابس التي بدت فيها نسوة العرس ورجالها فمجملها مقحم على المناسبة _ العرس _ إقحاما تاما، ولا تراني في حاجة إلى التفصيل أكثر لأني إن غشوت المجال فسأضطر إلى كتابة مقال آخر، لأني ملزم بتناول القماش، والخياطة، والألوان، وطريقة اللباس، وبحسب أعمار المشاركين والمشاركات في العرس، وكيفية الظهور بها أثناء القيام بألعاب الفروسية، أو الرقص، أو تفجير طلقات البارود، أو "التبراح" بالنسبة للرجال، وكثير من ذلك بالنسبة للنساء، وهو المغيب تماما عن المشاهد المشخصة للعرس، إلا إذا كان من هندس العرس هذا قد ألبسه لبوس أعراس منطقة أخرى غير المنطقة التي تم فيها، فذلك شيء آخر، وكان أولى أن ينسب إلى الجهة التي تتميز بتلك الميزات، لا إلى المكان الذي حدث فيه، والسكان الذين نسب إليهم .
كذلك ما تعلق بنقل العروس حيث لاحظنا توديع النساء لها بمحفل من بيت أبيها بالصورة التي تستقبل بها عند الإقتراب من الوصول إلى بيت العريس والأمر هنا غير ذلك بحيث أن " المحفل" لا يحظى به العروس إلا من لدن أهل العريس وضيوف حفله، واسم" المحفل" الذي يطلق هكذا على مستقبيلات العروس بالجهة تلك كاف للإفصاح عن القصد من فعله، وهو في بعض معانيه يعني: الخطبة والسرور باستقبال شخص آخر انتمى إلى الأسرة، وتمكن ابن الأسرة المزوج من حقه الطبيعي و الشرعي بتزويجه، ثم أيضا بلوغه السن تلك، واستقباله مسؤولية جديدة، وإشعار العروس بالرضا عنها، وفرحتهم بها، وإبلاغ الناس بالحديث عن طريق ذلك التجمهر، وتلك الأغاني، والمعزوفات التي تؤدى طوال فترة الحدث، ودفع كذلك الأرواح الشريرة عن طريق النصوص الدينية المتضمنة للأدعية و الإبتهالات التي لها حضور قوي في الحفل، وعن طريق بعض الطقوس التي يرفقونها ب>لك، الحاملة لمجموعة من دلالات ومعاني التفاؤل التي يجسدونها كذلك في بعض الماديات، توزيع التمر، الرش بالماء، السكر، الرمان ... إلى غير ذلك مما تقترحه كل منطقة عن أهلها، وما توارثه الخلف عن السلف تباعا .
_ 8 _
لقد وددنا، أو لنقل تمنينا عيش ذاكرة الأوراس في المناطق التي قصدت، أو اعتمدت لتحقيق ذلك، وكان التمني ممكن التحقيق _ يقينا_ عندما علمنا أن منجز فاعليات ذلك هو المخرج "محمد حازورلي" الذي أؤكد أنه فنان مبدع أصيل، مملوء بهم الوطن حتى النخاع، ولكن المتنبي ذات يوم قال :
" ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن "
فما أدري أن الرياح التي جرت فصرفت سفن "حازورلي" عن مراسيها الأسطورية، والفانوسية، والقوس قزحية من أين هبت، وأظل ولو بمفردي أنتظر الموعد مع الذاكرة الأوراس بدفئنا، وخصوبتها، ونقاوتها، وبراءتها، وسموها، ومجدها، وعظمتها، وأصالتها، ويقتنا لها موعد مع ذلك، كما كانت لها المواعيد، وكانت مع كل المواعيد أبدا.