ردة و لانايت بلقاسم لها
للرئيس الفرنسي الأسبق" جيسكار ديستان" كلب سماه" يوغورطة" بحسب ما تواتر في الصحف، و هذا الرئيس قد زار الجزائر كما نعلم جميعا، و قيل أن إطلاقه إسم " يوغورطة" على كلبه كان بدافع النيل من المرحوم الأستاذ " مولود قاسم نايت بلقاسم"، ومن خلاله النيل من كل الجزائريين كما يفهم العقلاء و يعتبرون ذلك إلا من هو من أغبياء خلق الله، أو من يتموقع على الضفة الأخرى قلبا، وعقلا،وروحا، ويرعى جسدا، ويملأ جيوبا... من مخزوننا، و خيرات فضاءاتنا الطيبة الكريمة. وبخاصة أولئك الذين بواهم النظام مواقع في الواجهة ومنهم من ما يزال إلى الآن ومن يمكن أن بعد خير خلف لخير سلف بالتوارث، و التناسل عن طريق تلقين مشايعيهم ميثاق هذا السلوك، و تحصينهم بثقافته، و منافعه،... مادام من اقتنع في هذا الوطن بان أمرنا يبقى يتأرجح أبدا بين تياري المد والجزر، مع طغيان الجزر عليه أكثر كوننا نهرب في معالجة أمرنا هذا الذي تراكم شأنه من مخلفات قرن وثلاثين سنة من الظلم و الاستبداد و الطغيان. و التجهيل، و التفقير و التمريض و الإبادة. قلت نهرب من معالجة أمرنا المتيح لنا القيام به بعد نعمة ثورة نوفمبر العظيمة التي استعدنا عن طريقها سيادتنا الوطنية وهو اعتماد المثل الشعبي لقطع داء كل ما له صلة بالمرحلة الاستعمارية الكونيالية الاستيطانية" ضربه بالفاس خير من عشرة بالقادوم". ورحنا نتلكأ، ونفتعل نقاشات في مسائل جوهرية مفصول فيها شعبيا بطريقة السؤال البيزنطي أيهما الأسبق، أو أيهما أنتج الأول" البيضة أم الدجاجة" تاركين عدونا الحق بالأمس و اليوم والغد، و إلى ما شاء الله بعد تموقعه بأساليب خفية بأخطر من تلك التي اعتمدها علنا وذات يوم في موعد الاحتلال.
قلت لدافع النيل منا جميعا أطلق" ديستان" على كلبه اسم" يوغرطة" الملك الامازيغي الوطني البطل الذي تنسب إليه المقولة "إن روما مباعة فمن يشتريها" عندما ألقي عليه القبض و سجن فيها حتى مات بها. فلما علم بذلك المرحوم "مولود قاسم نايت بلقاسم" أقام الدنيا على ديستان في كل المجالس و المحافل، بكل اللغات التي يعرفها و طرق أدائها في أحاديثه و خطابه الشفوي، والمكتوب معا، مذكرا الرئيس الفرنسي أن ما أقدم عليه إن ظن أنه يسيء إلى "يوغورطة" العظيم فإنه قد اخطأ التقدير، لأن مجرد استدعاء اسم يوغورطة من قبله يعني الكشف عن عقدته إزاءه، و إزاء شعب عظيم عرفه التاريخ في كل مراحله بخلاف" فرنسا" التي لا تملك من التاريخ مقدار بساط تمد عليه رجليها إن كانت لها أرجل.
لقد تذكرت هذه الحادثة فقفز إلى ذهني من ذاكرتي أن "مولود قاسم" هذا إنما كان احد النخبويين الجزائريين فكرا، و أحد الوطنيين الشرسين الصادقين في انتمائهم لوطنهم، و شعبهم، و دولتهم، و احد السياسيين البارعين الدهاة المحنكين، و احد الثابتين على مواقعهم، المستميتين في الدفاع عنها مهما كلفهم الامر ما كلفهم. حتى انه، ووفق المصادر الإعلامية دائما أنه زار مرة" الإتحاد السوفياتي" و هو وزير و حين وجد في مطار موسكو مستقبله أقل منه رتبة عاد من المطار، ورفض استكمال زيارته مع ما للجزائر من علاقة متميزة مع الإتحاد السوفياتي في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين.
و اليوم قد عشنا ما عشنا مع وزير الخارجية الفرنسية في عقر دارنا، و مع الرئيس" ساركوزي" و مع "ماسياس" و مع "جمعيات الحركى" و مسؤوليها، وما ينشر في مواقع شتى للمجموعات، و اللوبيات، و الشخصيات اليهودية الصهيونية بسبب تصريح وزير المجاهدين المعني قطعا بكل ما يخص هذه الفئة التي ما تزال تعاني من كل ما لحقها من جراح جسدية، و معنوية، و وطنيين ما يزالون لم يعوضوا ما نهب منهم، ولم يصلوا بعد أبا عن جد، و ابنا عن أب لفض النزاعات التي خلفتها القوانين الجائرة التي كانوا يعاملون بها لمصادرة أملاكهم، ولاستعداء بعضهم عن بعض....
و تطول القائمة، و التي لا ينتهي سردها بحال من الاحوال، ومن كل هذا وغيره. نجد بعض ما صدر من مواقف محدودة رسمية، وغير رسمية بخصوص القضية في قمة مستويات الخجل، وسجلنا غياب جهات من المجتمع المسمى بالمدني كانت المدعوة بجدية إلى التحرك الفاعل و السريع، بل و قرأنا لآخرين جلد الذات مرة أخرى بسبب تصريح وزير المجاهدين....
فهل يمكن أن يعقل أن يكون زمن زيارة" ساركوزي" في هذه المستويات، وما لم أتمكن من متابعته هل يمكن أن يكون بهذا الفتور، وهذا التحاشي، و عدم المبالاة و التجاوز لو كان" مولود قاسم " حيا. ثم أين أولئك الذين كانوا توائمه سياسيا، وفي المراتب، و المواقع، وما يزالون، ومن حين إلى حين يرسلون لنا عنتريات صحفية تعج بـ"الأنا" بتضخيم شديد أو ليس هذا أوان القول، و فق الأثر" لكل مقام مقال" و"لكل حادث حديث" أم أن الإصطفاف في صف انتظار ردة الهاتف الفاتحة لليلة قدر السلطة لعل وعسى ينزلهم أرائك و لذلك توجب عليهم تجنب المقولة" كل الطرق تؤدي إلى روما" لأن روما المطلوبة هنا تستدعي حسابات و حسابات.
و الحال هذه في الزمن سموه زمن العولمة، وزمن "البزنس"، وزمن"من يدفع يرفع" وزمن... ألا يحق لي أن اسأل عن زمن الإنسان بكبريائه، و عزته، و شرفه... و قيمه، و ثوابته، و خصوصيته، و سؤالي قطعا يشفع لي عندما قلت إنها ردة و لا "نايت بلقاسم لها".