قليلا من الاطلاع يا دكتور سعدي
في عدد جريدة الخبر اليومية الصادرة يوم الخامس من جويلية الموافق لذكرى تاريخ استرجاع السيادة الوطنية، و عيد الشباب الوطني الجزائري، قرأت مقالا للدكتور "عثمان سعدي" موسوما بـ"هل استقلت الجزائر بعد 47 سنة ؟" و هو مقال له من الأهمية ماله لأنه يتحدث عن الذكرى بخاصة، و يلفت إلى موضوع من الأهمية بمكان موضوع "الذات"، و موضوع مدونة الشعب الجزائري الشعرية الشعبية عن ثورة نوفمبر المجيدة. فضلا عن كون أي كتابة عن ذاكرة الأمة المشرقة بمناسبة و غير مناسبة، مما يتوجب الاحتفاء به، و الثناء على أصحاب الأقلام التي تفعل ذلك.
و لأني من المهتمين بموضوع، "الذاكرة الشعرية الشعبية الوطنية" عن الثورة التحريرية بالعربية و الأمازيغية لزمن تتجاوز مدته سبعا و ثلاثين سنة، و صدر لي عن الموضوع ثمانية كتب، و التاسع في الطريق إلى جانب الرسائل الجامعية التي أشرفت عليها، أو ناقشتها في جل الجامعات الوطنية، فإني لذلك وددت أن أحيط علما فضيلة الدكتور "عثمان سعدي" أن الساحة غير خالية أبدا من جهود وطنيين جزائريين صادقين من المجال الذي تحدثتم عنه، و أني بالمناسبة كثيرا ما أقرأ "محورية " شخصكم المحترمة في أكثر من ميدان من ميادين الثقافة الوطنية، و هو خطاب كان مستساغا قطعا في السبعينات، و حقيقي بالفعل آنذاك، و ما يزال متواصلا في كتاباتكم على ما هو عليه، ما يوحي لي أنكم - سيدي – لا تتابعون حركية الإبداع، و البحث، و الثقافة بشكل عام في وطننا، أو أنكم – كما هو معتاد- عن بعضنا أنه يعز عليه حتى الإشارة إلى جهد غيره، هذا الغير الذي قد يكون أكثر حضورا، و أشد قوة وفاعلية، أكان من السلطة، أم من المبدعين و أقصد بهم كتاب النص الإنشائي من أجيال مختلفة، أم من كتاب النص الوصفي، و أقصد – كما هو معروف- الباحثين من أكاديميين، و غير الأكاديميين من المحققين و المهتمين.
وسواء أكان الأمر بالمعني الأخير هذا أم سابقة (عدم) الإطلاع و المتابعة) فإن الأسماء التي كانت ذات حضور حقيقي في زمن الفراغ عشية استرجاع السيادة الوطنية لأسباب لا داعي لسردها أو سرد بعضها هنا، و تعد شاهدة على حقبة غير قصيرة، و غير عادية من حياة الجزائر الثقافية، و كانت بذلك مرجعية – و لا شك – و ما تزال في شيء من حياتنا الثقافية، و امتلكت قطعا موقعا عند الأجيال اللاحقة، فإنها إن أرادت أن تصل جهد الأمس بجهدها المتواصل، و تعطيه مصداقية من جهة، و تغنيه بما يكفل له الحضور من جهة أخرى، فإني أرى أن عليها أن لا تقصي جهد غيرها، و الذي يعد في السياق الحركي لثقافة المجتمع، أو لمسيرة مؤسساته العلمية، و الإعلامية متقاطعا مع من سبقه مهما تكن وجهات النظر متباعدة إن كان ذلك حادثا فعلا.
لقد تحدثت سيدي الدكتور " عثمان سعدي" عن الذاكرة الشعرية الخاصة بالثورة، و ذكرتم تجربتكم فيما جمعتموه من النصوص المنظومة وزنا على إطار "حزب الثوار"، و عن خمس و ثلاثين أغنية جمعتموها عن الثورة، و هو عمل يعد مؤسسا إذا نظر إلى زمن القيام به. إلى جانب إشارتكم إلى غياب دور المسؤولين عن الثقافة في وطننا في المجال هذا ما يصنف فيما يؤدي إلى محو الذاكرة الوطنية، و هو رأي له من النسبية الحاضرة حقا درجة عالية جدا، و لكني و للحقيقة و التاريخ، فإني أسجل على مستوى المسؤولين مما لي به دراية أن الأستاذ "لمين بشيشي" وزير الاتصال و الثقافة الأسبق قد سعى إلى تحقيق شيء من ذلك. إذ أوكل لي شخصيا عن طريق إذاعة باتنة المحلية جمع كل ما يمكن الوصول إليه من نصوص الثورة التحريرية بمنطقة الشرق الجزائري بالعربية و الأمازيغية (الشاوية) المغناة منها و غير المغناة، و كلف المحطة بوضع كل الوسائل المساعدة لي على ذلك، و قد تحقق شيء من المشروع، و لكنه – و مع الأسف- بعد مغادرته الوزارة توقف دون معرفتنا السبب.
هذا على مستوى السلطة، أما على مستوى العمل الفردي فإن عملا معتبرا إن لم أقل عنه متميزا لأني لا أعرف نظيرا له، أنجزته على فترات، و طبع في أجزاء بحسب فترات إنجازه بدءا من سنة 1984 م و انتهاء بجمعه في ديوان يحمل عنوان "ديوان الشعر الشعبي عن الثورة التحريرية بالعربية و الأمازيغية (الشاوية) جمع، و توثيق، و تصنيف، و ترجمة إلى العربية، و شرح، و تعليق، و تقديم". وقد صدر بمناسبة السنة الثقافية العربية بالجزائر، في طبعته الثانية جمع من كل جهات الوطن، و تألفت مادته من ثلاثة و عشرين و سبعمائة نص، و عدد أبياته ست و خمسون و مائة و خمسة آلاف بيت (5156) و فيه من ملحمة "حزب الثوار" التي أشرتم إليها، و ملحمة "قداش نفكر فالجزائر" كمية معتبرة، و بعضها كتبته نساء مجاهدات، و لمن أراد تفاصيل عن ذلك العودة إلى الديوان الصادر عن دار "ثاله" في طبعته الثانية المنقحة و المزيدة. و لم يزل جهدي مسترسلا في الموضوع مع بعض طلبتي و قد تجمعت لدينا نصوص أخرى إن وجدنا منفذا آخر لإصدار الطبعة الثالثة سنضمها إليه، و هو ما حاولنا فعله في مراسلة إلى وزارة المجاهدين منذ أمد و لم ترد علينا -كما هو معهود- و قد راسلنا مؤخرا في المعني نفسه وزارة الثقافة و إننا لننتظر.
هذا غيض من فيض دفعني إلى صياغته مقالكم – سيدي الدكتور عثمان سعدي – و لو أن الفضاء يتسع لأثبت عددا معتبرا من عناوين رسائل طلبة من جامعاتنا، و هو ما أعتقد أنه متماه مع عنوان ورقتي هذه، و أعتقد أنه سيفرحكم حين تعلمون أن أمنيتكم الصادقة في جمع تراث الثورة الشعري الشعبي الشفوي الجزائري فيها من يشارككم إياها، و يترجمها إلى عمل حقيقي و في الواقع الثقافي التاريخي الفني الإبداعي العلمي الوطني، أما ما يخص العربية فجرحك هو جرحنا، و لكن ما صمتنا يوما عن المطالبة بإلحاح و إصرار على تضميده، و ما أظن أن حقا وراءه طالب يضيع أبدا.