استنسر البغاث "كوشنير"
ما تعلمته في مدرسة جبهة التحرير الوطني منذ اشتداد عودي، و ما في ذاكرتي من الثقافة الأصيلة التي تحدد التعامل بين الأطراف، أي أطراف ومنها الأثر العربي "إذا كنت في قوم فاحلب في إنائهم". وما أجاب به الشيخ محمد الأخضر السائحي رحمه الله سائله الذي تعجب من رأيه في شعر الشاعرة" ربيعة جلطي" عند استضافة الدكتور" لمين الزاوي" له في حصة" أقواس" حيث قال له: لقد أوصاني المرحوم الشاعر "محمد العيد آل خليفة" أن أقول طيبا دائما وبخاصة عندما أكون في بيت من يطلب مني إعطاء وجهة نظري فيه. أو ما كان بهذا المعنى.
هذا الغيض من الفيض الذي أظنه على صلة بشيء من السلوك الديبلوماسي، و فق الموقفين السابقين، و وفق أدبيات جبهة التحرير مدرستي السياسية الأولى و الأخيرة التي يحدد توجيهها لنا البيت الشعري العربي:
" يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا
نحن الضيوف و أنت رب المنزل"
وهو المعهود عن أدبيات الديبلوماسية الجزائرية عبر تاريخها و بخاصة مع ثورة نوفمبر الخالدة وإلى الآن، لكن في غير ضعف ومذلة، وهوان، و يبدو أن هذه الميزة لدبلوماسيتنا و هذا السمو من قبل أبنائها المنضوين تحت لوائها، أنست السيد كوشنير أن لدينا في ثقافتنا كذلك مقولة المتبنى:
"إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم".
ما جعله (كوشنير) يعتقد أن الجو قد خلا له فتصرف، وفق المقولة القائلة كذلك "خلا لك الجو فبيضي واصفري" إلى آخرها. فتجاوز أدبيات لياقة الضيف المكرم لحد اعتبار بيت المتنبي الآتي مرة أخرى واجب الإستدعاء هنا وهو:
"إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا"
قد يكون لدى السيد "كوشنير" من المعلومات ما يزخرف له من لدن أذناب بقايا فرنسا الإستعمارية بأن العلاقة بين الجزائر وفرنسا ما تزال على واقعها حين كانت علاقة التابع بالمتبوع والعبد بالسيد، والآمر بالمأمور، في ظل الإحتلال، والقمع والتسلط على رقاب الجزائريين بكل قوة، وبطش، وضراوة، واضطهاد، في حين أنه كان على "كوشنير" أن يعرف أن هذا قد ولى إلى الأبد، وأنه لن يتحقق له، ولمن ينحو منحاه حتى في أضغاث الأحلام، وأن المجاهد محمد الشريف عباس الوزير هو واحد من أبناء الجزائر الرموز المخلصين الأوفياء. وأن من ينبغي أن يخجل أي متلفظ باسمه، هو الذي يبحث اسمه عن إيجاد موقع له في وطن عمره عمر الأبدية موطن محمد الشريف، وموقع في شعب عمره عمر البشرية وتاريخه تاريخ الخلود منذ الخلق وإلى الأبد. وهو ما لا أظن أن كوشنير سيضفر به ولو أقام الدنيا ولا يقعدها. ومع ذلك شكرا على استنسارك هذا لنا في عقر دارنا لعلى وعسى نرى تحقق قول الإمام ابن باديس:
"واهزز نفوس الجامدين
فربما حيا الخشب"
مع أولئك. الذين يملأون بطونهم بشهد الجزائر العزيزة الغالية، ويسبحون باسم اللعوب الفاجرة". وإن غدا لناظره آت.