الفصل الأول:
في الطرح التمزيغي السياسوي المغرض
الأمـازيغيـة واقعـا وتسييسـا.
قبل الإفتاء في إشكالية الأمازيغية حقائق وتساؤلات.
عـن أيـة أمـازيغية يصارعـون.
الشعر الأمــازيغي التسمية والاشكالية والحقيقة.

الأمازيغية واقعـا و تسييسا
يحتـاج موضوعنا هذا التنويه إلى مجموعة من نقاط جوهرية في تقديرنا ،لأنه موضوع من الحساسية بمكان،ومن التعقيد ما لا خفى على أحد، لهذا أجدني ملزما في البداية إلى التنويه إلى تلك النقاط التي أوجزها في الآتي :
1-تـبدو تسمية الأمازيغية تسمية جزئية ،لأنها ليست اللهجة الوحيدة المشكلة للهجات "الليبية" أو "اللوبية" ،أو "البربرية" ،كمـا أن تسمية الأمازيغ بمعنى كل سكان المغرب الحالي تسمية غير سليمة ،لأن " مازيغ " إن هو إلا جد من أجداد البربر، وليس جدهم الوحيد . 2-ظل السائد أن " الأمازيغية" و" الأمازيغ" بالطرح الحالي ، يعنيان سكان المغرب العربي فقط،والحقيقة غير ذلك ،فالفضاء الجغرافي الذي انتهت إليه الدراسات الحديثة ،وكذلك الفضاء اللساني يتجاوزان ما كان شبه متفق عليه، وإلى وقت قريب منا. 3- إن الدراسات التي تناولت الموضوع يمكن أن يلاحظ عنها ندرة الموضوعية،وربما انعدام البراءة فيها على الأقل في أغلب الأحيان،فهي إما خاضعة لنظرة استعمارية القصد منها الإساءة إلى السكان ،أو حصرهم في موقع ضيق محدود لغاية بتر جناح مهم جدا من أجنحة المنطقة وسكانها، وإما أنها صادرة عن غير مختصين ،أو في أحسن الأحوال متمكنين وقد ظلت في عمومها – تلك الدراسة – أحادية أو جزئية ، بمعنى أنها لم تعتمد المنهج المقارن إلا نادرا ، وهو المنهج المحقق لنتائج جد إيجابية .
4-لقد كانت الدراسات الغربية،وبخاصة الفرنسية أكثر اهتماما وحضورا ، إذا أننا نعرف أن معهد الدراسات الشرقية بباريس انطلق في الموضوع منذ سنة 1913 وقبله جهود بعض الأفراد، ثم جاءت الدراسات العربية- أقصد العرب - متأخرة وكان للمغاربة فيها النصيب الأوفر ،ثم الجزائريين فالتونسيين ، فالليبيين ويلاحظ أن الجزائريين استعملوا الفرنسية في دراساتهم أكثر من غيرهم ، وكثير من دراساتهم تمت خارج الوطن – الجزائر – كما أن البارزين المهتمين بها لا يقيمون بالجزائر، وإنما يقيمون في فرنسا.
5- يسجل أن بعض الجمعيات المعروفة باسم " المجتمع المدني " لا تقبل الحوار العلمي بخصوص هذه النقطة لظنها ، أو اعتقادها أنها تنتهي إلى الباب المسدود ،لأنها لا تملك التكوين اللازم،ولا تريد الانتهاء إلى الحقيقة، بل تسعى إلى خلق القلق و التوتر بدعاوى شتى منها أن العرب حاربوا تدوين الأمازيغية لذلك لم تدون، ومنها أبعد من ذلك أن فرنسا كذلك وقفت ضد الأمازيغية ،ومنها أن ما تورده كتب التاريخ العربية ، والمعاجم القديمة مزور ، ومزيف من لدن العرب، وهكذا دواليك مما ليس له أساس منطقي (1).
من هذه الملاحظات و من غيرها التي قد يلمع إليها في مظانها تتجه هذه الورقة إلى طرح الموضوع بإيجاز شديد بقصد إلقاء الضوء على ما أراه مستدعيا من لدن الغاية التي عدت لها الورقة ، وإذن ، فما يتناول هنا هو :
1-الجـذور .
2-المعجـم .
3-اللسـان .
4-الرسـم .
1 - الجـذور :
تأتي إشكالية الجذور هذه أساسا منطلقة اليوم من سؤال جوهري قبل أي شيء آخر هو كيف نسمي ما يعرف عند البعض بالمسألة " الأمازيغية " أو " البربرية " ،أهي فعلا مسألة أم "قضية" أم " إشكالية " ، ثم إن كانت " المسألة " تعني اللغة فقط،كما يذهب دعاة التمزيغ إلى أي عهد تعود، ومن أين نبدأ التناول، أننطلق من اللهجات المتداولة الآن ، أم نوغل إلى ما يصل ثلاثة عشر قرنا ، أو أكثر كما رأى ذلك بعض الدراسين، فإن اتفقنا على أن العودة إلى الجذور من الضرورة بمكان فماذا نبحث ،و مانريد تحقيقه ، وهل نقبل بنتائجه ، وأي مصطلح نستعمل " الأمازيغية "،" البربرية " ،"الصنهاجية " أو الزناتية " أو المصمودية " ، وغير تلك الأسماء ، وفي أثناء ذلك ، ونحن نقارن بين " البربرية " واللغات، أو اللهجات التي في عمرها ، ولها تداخل وثيق معها، وصلة قوية بها، هل نستعمل مصطلح "اللغات العروبية "بمعنى " الكلدنانية " و" الليحانية " ، و" المصرية" في جملة واحدة – ما يعني اللغات "السامية"، أو " الحامية " ، أو هما معا ..؟.
والمرجح الذي ينبغي أن يعول عليه، بل يستوجب الاعتماد عليه هو استعمال مصطلح "البربرية" ،او "الليبية" ،أو "اللوبية " ، أو"البونية"،ومادامت النقوش التي سنأخذ منها نموذجا للغرض استعملت "الليبية" ،أو" اللوبية" فليكن هذا المصطلح هو المعتمد،دفعا لتعدد المصطلحات الذي قد يؤدي إلى الإبهام،أو الالتباس ،وبخاصة ونحن نبحث في الجذور .وحين نريد تلك اللغات القديمة مجتمعة ،فإننا نقترح استعمال مصطلح " مغرو شرقية " دفعا لكل حساسية يثيرها مصطلح " العروبية" ، عند المعقدين من هذه العبارة. أما الإشكالية الأخرى الجوهرية كذلك،والتي تستدعي النظر بعمق،وترو، وتدقيق فهي المعتادة التداول مرة باسم " المسألة الأمازيغية"، ومرة باسم "المسألة البربرية" ،ومرة بـ"قضايا الأمازيغية "،وهذه أهون من سابقتيها في ظني .
فالذي يبدو واضحا أنه قبل الانتهاء إلى تشخيص الإشكالية ،بل ضبطها في مصطلح دقيق: "إشكالية " ،أو "مسألة" ،او " قضية"،فإن لدينا سؤالا مهما جدا وهو من أين يبدأ هذا المصطلح،وأين ينتهي ،ومن أطلقه على الموضوع هذا ،وعلى أي أساس بناه؟! لأنه وفي كل الأحوال لا نستطيع أن نجد في أي مصطلح من المصطلحات تسمية دقيقة جامعة مانعة، مرضية لسكان ليس المغرب العربي فحسب، بل الجزائر وحدها ، فإذا عرفنا طارح هذه المصطلحات ومتبنيها أمكن لنا الوصول إلى نيته إن كانت بريئة ، أم غير بريئة،وآنذاك نعرف الأبعاد المقصودة من هذه التجزيئية غير مبررة – في تقديري على الأقل- وعلى سبيل المثال بشيء من التدقيق حين تقول" المسألة البربرية " من نعني بالبربر ،وكذلك" المسألة الأمازيغية " أنعني كل السكان الذين كانوا قديما ينضوون تحت هذه التسمية والحال هذه فجزر الكناري معنية،وتوارق "النيجر" و"المالي" وجزء كبير من سكان مصر بدءا من الإسكندرية فضلا عن بعض مناطق في العراق أو مناطق السودان على الأرجح كذلك إلى جانب أقطار المغرب العربي:" تونس "،"الجزائر" ، "المغرب"،وكذا "ليبيا" ؛ وإن كنا نعني "اللغة الأمازيغية" فالرقعة تتسع أكثر فحين ندرس "الليبية "القديمة نجد لها حضورا في مناطق من العراق،وفي اليمن اليوم،وفي الجزيرة العربية بعامة كذلك(2).
بيدَ أن الأبعد من ذلك هو ماذا تعني عبارة "مسألة" ،أو مصطلح " مسألة".وإن قصرناها على الجزائر ليس إلا، وهذا الحاصل اليوم،أحقا في الجزائر جزائريون لهم "مسألة" أو"قضية " أو"إشكالية" ، وجزائريون لا يعنيهم ذلك ؟ فإن كان الجواب بنعم فمن متى تكونت هذه المسألة،وهل أجدادنا وعبر العصور لم ينتبهوا إلى هذه "المسألة" أو هذه"القضية" ،أو "الإشكالية" ، أيعني أنهم أغبياء إلى هذا الحد ، وهم الذين لم يقبلوا عبر التاريخ،وإلى اليوم بأي استعمار كان ، وإن يكن الجواب بلا أي أنه لا يوجد شيء اسمه "المسألة الأمازيغية "،او "المسألة البربرية "،أو "القضية"،أو "الإشكالية" ، أو أي اسم آخر، فمن تحصيل حاصل القول آنذاك أن لدينا تراثا ثقافيا جزائريا اسمه التراث الثقافي "البربري"، أو"الأمازيغي "، أو"البوني"،أو "الليبي" ،ومنه مختلف اللهجات التي تشكل منها ،وهو بهذا المنطق الحق تراث كل الجزائريين ؛ومسألتهم جميعا ، أوقضيتهم، واشكاليتهم في كيفية بحثه والتعامل معه في ضوء العلم الحديث.
إنه-ولاشك-أن هذا الفهم الأخير للموضوع،وهذا التكييف الحقيقي المنطقي له هو الذي وعاه أجدادنا وعيا تاما لأنهم كانوا قريبين أكثر منا من اللهجات القديمة التي شكلت تراثنا ذاك فتعايشت ثقافتنا تعايشا متنوعا،متميزا بتكامله ،وبتقاطعه لا بتوازيه ،ومن ثم لم يسمعوا يوما بما افتري علينا الآن باسم "المسألة البربرية" ،أو اسم "المسألة الأمازيغية" ،أو "القضية الأمازيغية"،وإلا فإن ما قاله التاريخ عن عظمة أجدادنا،وتضحياتهم،وبطولاتهم من أجل حريتهم وكرامتهم،كذب في كذب أو باطل في باطل ،وهذا قطعا غير موجود عند العدو قبل الصديق(3).
وحتى تأخذ هذه المسألة عمقها الدقيق ،وبعدها الموغل في القدم نبقى مع السكان وبخاصة من نسميهم بالأمازيغ،ونسأل مجددا أهذا هو الاسم الأصيل الشامل فعلا لسكان المغرب العربي خصوصا والمنطقة الواسعة الملمع إليها من قبل عموما ،الأمر الذي سمح للمتمزغين هؤلاء بناء أحلامهم على هذه الفرضية وإنْ لم يكن كذلك ،فماذا يقولون على تلك الأحكام ،وهل يعودون إلى جادة الصواب؟ !.
إن التاريخ بما لا يدع مجالا للشك أعطانا حقائق الآن مستنبطة من الوثائق القديمة ، والنقوش الموجودة هنا وهناك، فوجدنا أن الاسم الأول الذي أطلق على سكان المنطقة هو اسم "اللوبي" وهو " أول اسم ظهر لأول مرة في الوثائق المصرية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، كما ورد في مصادر أخرى كالتوارة "،ثم جاء الاسم الثاني وهو " البربر وهو اسم عربي قديم ليس خاصا بسكان شمال إفريقيا وحدهم بل كان يطلق أيضا على جماعات بالعراق وشرق إفريقيا ولا علاقة له البتة بكلمة (VARVARAS) اليونانية ولا كلمة (BARBARUS) اللاتينية وكلمة بربر ذات الطابع الرعوي الصحراوي …" (4)، ومن الليبين الذي هم أوائل سكان المنطقة نجد قبائل بارزة تحمل اسما " المشواش"،و"التحنو" ، و"التمحو" ،وقد ورد ذكر هؤلاء " في نص أوني " حاكم الجنوب وقائد القوافل في عهد بيبي الأول من هذه الأسرة ،وورد أيضا في نص خرخوف حاكم الجنوب وقائد القوافل في عهد الملكين (( "مرنوع" بين "بيبي الأول" ، و"بيبي الثاني …")) (5)،وكل ذلك في فترة ما بيين ( 2434 –2242 ق م).
وفي عهد الاسرتين الفرعونتين الثانية والعشرين ، والثالثة والعشرين " تمكن قادة [المشواش ] من الوصول إلى الحكم وأصبحوا ملوك مصر وفراعنتها "(6).
من كل ما سبق نستنتج أن اسم " الأمازيغ" المعتمد الآن ،والمطلق على سكان المغرب العربي على أنه الاسم الحقيقي المعتقد من لدن من يذهب إلى عزل المنطقة عن محيطها المجاور،نستنتج انه لم يكن أهله اوائل من سكن المغرب،وأن الأسماء" الليبو"، و"البربر" ،وما تفرع عنهما "كالتحنو"،و"التمحو"،و"المشواش" ،وغيرهم هي التي عرفت في المنطقة قبل " مازيغ"،لأن النقـوش لا تتحدث عن "مازيغ" ففي الفترة التي حددتها لنا تاريخيا،فضلا عن ذلك فإن "مازيغ" لا يعـني سكان المنطقة كلها ،ولكن بعد ظهوره أطلق على قرية،أو عائلة،أو سكان جهة معينة ليس إلا. ولعل الأفيد كذلك جدا مما يستنج من نصوص النقوش السابقة هو التداخل الحاصل بين سكان المنطقة مشرقا ومغربا قبل الإسلام بآلاف السنين ما يعني أن الاجتهادات الحاصلة خارج هـذا السباق، والتي تفرض على الواقع،والحقيقة بتبني مجرد فرضيات ،وتصورات لا سند علمي لهـا ، وتصنف في منحى أغراض في نفس يعقوب ليس إلا.
إن العودة إلى الجذور بالنسبة إلى سكان المغرب العربي الحالي عودة ممتعة ومفيدة ، ومجيبة عن كثير من الفرضيات والتصورات،وبقدر ما تتاح الفرص ،وتسمح الفضاءات بقدر ما يهتدي الإنسان إلى حقائق جد مثيرة ،لكن مقام الورقة هذا لا يسمح بالإطالة اكثر لذلك فإن مجمل ما ورد من الحقائق أبطل مجموعة من الدعاوى التي تتداول في الساحة الجزائرية بخاصة،والمغاربية بعامة في جانب إنسان المنطقة "المغاربية"،والأمر نفسه سيتضح في الجانب اللغوي الذي ركز عليه أكثر من غيره لبتر جذور اللسان المغاربي القديم، وتكييفه وفق وجهة "سياسوية" ما أنزل الله بها من سلطان .
2 –المعجــم:
من البديهي أننا حين نتحدث عن معجم أي لغة أن يخطر ببالنا اسم تلك اللغة،وتاريخها بكيفية أو بأخرى، وبخاصة حين تكون اللغـة المراد تناولها في موقع ما نسميه اليوم بـ "الأمازيغية"،لأنها موظفة وبشكل مكثف توظيفا سياسيا إيديولوجيا،وربماعرقيا ليس في الجزائر فحسب، ولكن في مناطق أخرى من المغرب العربي؛ وبالعودة إلى دارسي هذا الموضوع نجد أن التركيز كان على أصل هذه اللغة، وأرومتها ورسمها ، ومعجمها ،وهذه النقاط هي التي تعطي فعلا صورة تقريبية أو دقيقة عنها فبخصوص اسمها فإن المستنتج من النقوش القديمة التي بين الباحثين الآن ، والتي تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد على الأقل ،أطلقوا على تلك النقوش اسم "اللوبية"،أو "البونية"،وعن ذلك نورد القول الآتي : " وقع التعرف على هذا الخط من قبل الأجانب من فرنسيس وغيرهم في القرن الماضي،ومن ضمن النقوش المكتشفة نقوش مزدوجة الكتابة منها ما هو باللغة البونية ، اللوبية ،ومنها ما هو باللغة اللاتينية واللوبية ،والاعتماد على النقوش البونية،اللوبية،تم ضبط أبجدية الخط اللوبي المتكون من 22 حرفا "(7).