ديوان شمس الدين محمد بن عفيف الدين التلمساني المعروف بالشاب الظريف
صلتي بأسرة "العفيف" الإبداعية إن صح لي هذا التعبير كانت نتيجة للمنهج الذي حددته لنفسي منذ أن انتميت إلى الجامعة سنة 1971 بقسنطينة في مرحلة الليسانس. إذ تفاعلت مع الخطاب السياسي الوطني السائد، والذي كانت أسسه قائمة عندي منذ الثورة التحريرية. ذاك الخطاب الذي دعا إلى التركيز على كل ما هو وطني لخدمته، وإبرازه كل في موقع عمله. وزادني ترسيخ هذه الفكرة ما رأيت من اهتمام الأشقاء، وغير الأشقاء بتراثهم. فنويت عاقدا العزم على أن لا تكون وجهتي العلمية الأكاديمية والإعلامية كذلك، والثقافية بشكل عام إلا إلى كل ما هو من التراث الوطني بشقيه "الشفوي" و "المكتوب". فضلا عن قضايا الراهن التي كنت ولم أزل أثيرها متى أنجزت أي شيء في هذا المعنى.
وهكذا كانت كل جهودي المنشورة والمتداولة مما وفقت في إصداره، والمتجاوزة لعشرين عنوانا إضافة إلى الكتابة الشعرية ماضية في هذا المعنى. بحيث كان أول عمل تراثي وطني توقفت لديه تحقيقا ودراسة هو "ديوان ابن الخلوف" الموسوم من قبل صاحبه بـ"جنى الجنتين في مدح خير الفرقتين" والمعروف عند العموم بـ "ديوان الإسلام". وقد صدر الديوان والدراسة معا في زمنين متفاوتين نسبيا. فحفزني ذلك إلى متابعة السلوك هذا بحيث وجدت متعة مشفوعة بالإعتزاز كوني أحيي تراث شخصيات وطنية، وبخاصة عندما يكون ذلك التراث من صميم قيم الأمة، وإبداع أبنائها على مر العصور والأجيال.
وتشاء الأقدار وأنا أكمل هذا العمل أن يقع بين يدي كتاب الدكتور "عمر موسى باشا" عن "عفيف الدين التلمساني". المعنون بـ "عفيف الدين التلمساني شاعر الوحدة المطلقة". أو ما كان قريبا من هذا. ولما تصفحته وجدت شاعرا متميزا بكل ما في الكلمة من معنى، بحيث أنه بالرغم من انتمائه موضوعا "الوحدة المطلقة". والذي سبقه إليها أكثر من شاعر مثل "ابن سبعين"، و"ابن عربي" فإنه قد وجدته أنه أوجد لنفسه إبداعا متميزا مشهودا تفوق فيه عمن تقدمه ممن اطلعت على شعرهم فنيا تفوقا لا يشق له غبار فيه.
فقررت أن ألتفت إلى ديوانه الذي لم يكن محققا كما أشار إلى ذلك (د. عمر موسى باشا) حيث ذكر مجموعة من النسخ للديوان واكتفى في دراسته بواحدة منها، وهي نسخة ظنها كاملة، أو اعتمدها انتقاء منه لكونه تحقق له هدف دراسته المنصبة على "الوحدة المطلقة" عند الشاعر، دون إشارته بكيفية من الكيفيات إلى أن النسخة غير كاملة، إذ وجدت بعد جمعي خمس نسخ للديوان أن النسخة المدروسة من لدن "باشا" لا يبلغ شعرها حتى نصف ديوان الشاعر.
وهكذا تم لي إنجاز الديوان في تحقيق أولي إن صح لي أن أسميه كذلك، وصدر في طبعة أولى سنة 1993 ثم في طبعة ثانية سنة 2007 بمناسبة السنة الثقافية العربية بالجزائر، وهي طبعة فنية جميلة، ومن سوء حظي أنني لم أعلم بها حتى ظهر الديوان ما جعلها نفسها الطبعة الأولى إذ لو علمت لكانت الطبعة الثانية منقحة بما يجعلها إن لم تكن كاملة تكون قريبة من ذلك. وبخاصة وقد حصلت على نسخة مخطوطة تامة في مستوى التي اعتمدتها أصلا للتحقيق. فضلا عن إضافة الشروح والتخريجات التي يستدعيها التحقيق الشامل الدقيق. وعسى الله أن يتيح لطبعة أخرى فتكتمل بهذه الصورة، وهو ما أعده مسؤولية عظمى منوطة بي لأني لم أكن أتصور أن يكون إقبال طلبة دراسات ما بعد التدرج على الديوان بهذه الصورة. وهو ما أسعدني أيما سعادة كون نيتي، وعزمي أتيا بثمارهما فوق ما اعتقدته حاصلا في حين إنجاز العمل هذا.
وبمثل ما حدث معي حين قررت التوجه إلى ديوان "العفيف"، حدث معي كذلك مع ديوان ابنه "الشاب الظريف" الذي أقدمه اليوم للقارئ وكلي سعادة، وأمل في أن ينال من الدراسات ما ناله ديوان أبيه "العفيف". إذ أني أيضا وأنا منشغل في تحقيق ديوان أبيه، وجدت أن ابنه "الظريف" له ديوان، ومطبوع أكثر من مرة، فشرعت في البحث من ذلك الحين على نسخ للديوان، وكانت أول نسخة وقعت في يدي هي تلك المطبوعة طباعة حجرية بالقاهرة، ثم نسخة الجزائر المطبوعة ضمن سلسلة أنيس في مؤسسة "موفم للنشر". وبمقابلتي بينما ساورني شك في أن العملين غير موفقين في الكم. أو في الإخراج، ومع الأيام وقعت بين يدي نسخة المحقق "شاكر هادي شكر". والتي حين اطلعت عليها وجدتها عملا علميا موفقا إلى حد بعيد. فضلا عن كونها جمعت ما يمكن عده قريبا من الحصول على شعر الشاعر كله. وهنا سجلت بكل أسف المسخ – إن صح لي التعبير- الذي لحق بالديوان في النسخة المتداولة في الجزائر، والصادرة في سلسلة أنيس عن مؤسسة "موفم للنشر" سنة 1991 ما ألزمني أكثر من أي وقت مضى على إعادة تحقيق الديوان بالمقابلة بين نسختي "شاكر" و "موفم" التي قدم لها الأستاذ "محمد قنانش".
وقد انتهيت في جهدي ذلك إلى ماهو على الصورة هذه التي قمت فيها بمقابلة دقيقة بشكل مطلق بين النسختين والتي أعطتنا النتائج الآتية:
لقد اشتملت نسخة "شاكر" على أربع وسبعين وثلاثمائة نص (374). موزعة على القصيدة، والمقطوعة، والدوبيت، والبيت. في حين كان عدد النصوص في نسخة الجزائر محددا في رقم ثلاثة عشر ومائتي نص موزعة على الأشكال المذكورة سابقا أيضا. ما يعني غياب أكثر من ثلث شعر الشاعر عنها. عدد الهوامش المسجلة في الإختلاف بين النسختين والبالغ 672 هامشا يؤكد أخطاء كثيرة نحوية ولغوية بالخصوص في نسخة "موفم" هذه كونها غير محققة، وغير مصححة، فهي في كلمة واحدة لا ترقى حتى إلى وصفها بالمستوى التجاري النظيف. إضافة إلى ما ينقص النسختين معا "شاكر" و"موفم"، وهو بحور القصائد، والفهارس التي ترشد إلى ما يحتاجه القارئ حال البحث عنه. >خط نسخة الجزائر المتعب جدا في الحجم والنوع، والورق أيضا، بحيث أن القارئ العادي لا أظنه يقبل على قراءة ما في النسخة للصعوبة التي تعترضه لهذين السببين. وقد سرت في عملي هذا على منهج اكتفى بالمقابلة بين نسختي "شاكر" و "موفم" وتحديد التباين والتباعد الحاصل بينهما في التوثيق والكم متجاوزا لهما في الشرح بقصد عدم إثقال الهامش بمادة مكثفة يمكنها أن تصرف القارئ عن مدونة الشاعر التي هي الأساس. ومن الأكيد أن العارف بأبجديات التحقيق يدرك مرمى هذه الكيفية التي اعتمدتها في إيجاد هذه المدونة. وآخرا، وليس أخيرا فإني أراني محظوظا بالتقائي مع "العفيف"، و"الظريف" ولا شك لما استفدته من قراءتهما، وما تمتعت به من ابداعهما، وما لقيه الأول من الصدى في الدراسات الجامعية، وأتوقع مثله للثاني حين يوضع ديوانه بصورته التي اعتقدها كاملة بين يدي القارئ الجزائري بخاصة والعربي بعامة.
والله أسأل بهذا أن يوفقني للوصول إلى دواوين شعرية أخرى من تراثنا الوطني العربي الإسلامي لإخراجها والإنتفاع بمادتها، والتمتع بتشكيلها. وما ذلك بعزيز على الله.