معجم شعراء الشعر الشعبي في الجزائر الجزء الثاني
هي السعادة التي تصل بنا بنائلها حد النشوة تلك التي تعقب، أو تواكب أي كاتب، أو باحث، أو مبدع بشكل عام لقناعة الملتقى بجهده، و اهتمامه به، و إنصافه في حدود الممكن المتيح.
و هذه هي التي حظي بها جهدي الموسوم "معجم شعراء الشعر الشعبي في الجزائر من القرن السادس عشر إلى أواخر العقد الأول من القرن الواحد و العشرين"، إذ تابعته جل الصحافة الوطنية، بل أقول وسائل الإعلام الوطنية منذ علم البعض بانكبابي على انجازه، و أدرك البعض الآخر أن العمل قد وضع بين يدي أسرة جمعية "البيت" الثقافية التي تولت إصداره بتمويل من وزارة الثقافة مشكورة، فتوالت اتصالات تلك المؤسسات بنا للاستفسار، أو معرفة مضمون العمل، ومصادره، و مراجعه، و منهجه إلى غير ذلك مما ينبغي أن يتسم به أي علمي فني من هذا النوع، ثم و بعد صدور العمل شرف من قبل "صدى الأقلام"، و "المسرح الوطني الجزائري" بتقديمه من قبل منجزه في ندوة لوسائل الاعلام بشكل خاص، و المهتمين بشكل عام، بحيث فتح الحوار مطلقا بشأنه، بعد تقديم خطوطه الأساسية أو بؤره المركزية، بحضور المصدر أيضا رئيس جمعية "البيت"، الأستاذ (أبو بكر) زمال.
لقد كانت متابعة العمل بهذه الصورة من قبل تلك المؤسسات التي منها "الخبر"، "الحوار"، "الجزائر نيوز"، "الفجر" ، "البلاد"، "صوت الأحرار"، "والإذاعة الوطنية" القناة الأولى، و "البهجة" ،و"التلفزة الوطنية". و ربما أخرى أكون نسيتها أو لم أطلع عليها. لقد كانت هذه المتابعة، و الحوار المفتوح الغني الذي دام ثلاث ساعات تقريبا في ندوة "صدى الأقلام" بـ"المسرح الوطني" الجزائري، الذي استفدت منه حافزا آخر لي. بل تكليفا ثقيلا شرفت به لمتابعة الجهد الموسوم في الجزء الأول بالعنوان المثبة أعلاه. و هو ما أقبلت عليه بحيوية أقوى، وعزم أشد، وفاعلية أعظم، و تفاعل أحد، و أوسع، فكان هذا الجزء الثاني بالعنوان نفسه "معجم شعراء الشعر الشعبي في الجزائر الجزء الثاني من القرن السادس عشر إلى أواخر العقد الأول من القرن الواحد و العشرين". و كان الاتفاق مع ناشر الجزء الأول نفسه لاحتضانه ضمانا للمحافظة على ما سار عليه الجزء الأول فنيا، و إن سجل هناك بعض مالم يرضنا في هذا السياق، و بخاصة اسقاط صور الشعراء، وعناوينهم، و أرقام هواتفهم، و بتيرير مسوغ عند "البيت" و الذي فيه من الإقناع بعض ما يرضي من يرى اعتماد المنهج الذي تراه أسرتها مناسبا لوجهتها فنيا، إلى جانب الفهرس غير الدقيق الذي اعتمد ترقيم الصفحات بداية من كل حرف بحسب توزيع حروف كل المعجم، ما يتعب الباحث عن الشاعر الذي يريده، وهو ما تلافيناه في هذا الجزء، و ألزمنا على إعادة ثبت الفهرس الجزء الأول فيه كذلك تمكينا للملتقى من الوصول إلى أي شاعر يريده بسهولة و يسر. و من تحصيل حاصل أن أي تجربة أولى تفضي بصاحبها إلى الاستفادة منها إن أقبل على عمل يستدعي استحضارها. وهذا الذي حدث معنا في جهدنا هذا، إذ و في مقدمة ما سرنا عليه فيه هو توسيع اتصالنا بشعراء، و باحثين، و الاستفادة من معلوماتهم التي تمكننا من الوصول إلى أوسع فضاء يتصل بموضوعنا، سواء أكان ذلك عن طريق المصادر و المراجع، أم عن طريق الرواية الشفوية، و بهذه الكيفية أمكننا الوصول إلى مصادر و مراجع ذات شأن، و شعراء ما يزالون على قيد الحياة. و على سبيل الذكر فقد تمكنا من الوصول إلى مصادر مباشرة في الموضوع هي "أعلام الملحون بوادي سوف" للدكتور (أحمد زغب)، و"الكنز المكنون في الشعر الملحون"لـ(ابن قاضي) و " أعلام من منطقة غليزان" لـ" محمد مفلاح" ( الكتاب الثاني) و " أنطولوجيا الشعر الملحون بمنطقة الحضنة" لـ" عبد الكريم قذيفة"و إصدارات للرابطة الوطنية للأدب الشعبي، وردت في قائمة المصادر و المراجع مفصلة، و قصائد مخطوطة وصلنا إليها عن طريق التواصل المباشر مع المعنيين، أو عن طريق أقاربهم و أصدقاء لهم. و بالمسعى هذا تمكنا من الوصول بهذا العمل " الثاني" على مستوى يكاد يكون في كمه بحجم الجزء الأول، و يتميز عنه بأشعار تبدو في بنيتها مضمونا و تشكيلا تكمله، و تكشف عن سمات و تشكيلات فنية فيها من التعديد الإيقاعي، و التنويع القفوي، و إن لم يكن كثيرا ما يكمل أنواعها، و أشكالها الواردة في الجزء الأول بالقطع.
و بعد هذا فلست أدري ما إذا كنا نحتاج إلى التذكير مرة أخرى بالمنهج الذي اعتمدناه، أو الخطوات التي سرنا عليها في منجزنا، أو أن ذكرنا ذلك في المنجز الأول، يغنينا عنه.
و في كل الأحوال نقول للتنويه بإيجاز شديد أننا حاولنا مراعاة الآتي في إنجازنا:
اعتماد ترتيب الشعراء ترتيبا ألفبائيا، وفق المعهود في منهجنا العربي الإسلامي.
محاولة عدم تكرار نصوص لموضوع واحد لعدة شعراء حتى ننوع الموضوعات، بل و نحيط بها قدر ما نستطيع لتقدم صورة المؤرق الشعري للشاعر الشعبي الجزائري.
اعتمادا على أن جل الشعراء لن نعثر لهم على ترجمة دقيقة محددة لسنتي الميلاد و الوفاة، فقد اجتهدنا في الوصول إلى القرن الذي عاشوا فيه استنتاجا من إشارات وردت في نصوصهم، أو في الجمل المحدودة أحيانا المصدرة لنصوصهم، التي يوردها مثبة النص، كما في عمل "الكنز المكنون" مثلا.
تجنبنا شكل النصوص لأن لغتها مع أنها متفاصحة بشكل كلي إلا في حالات شاذة جدا جدا، فإن أصواتها نطقا تختلف من منطقة إلى أخرى، و مع أن بعض مصادرنا شكل مؤلفوها نصوصا فإننا أردنا – و بقصد توحيد صورة العمل و شكله – عدم شكل العمل كله حتى يكون على صورة واحدة، و لعلنا بوصولنا يوما إلى من يشكل النصوص الواردة في المتن من قبل أناس على دراية بلهجات مختلف المناطق نثبت ذلك آنذاك.
من القضايا التي أثارها بعض المتدخلين في ندوة " صدى الأقلام" بـ " المسرح الوطني" قضية ابعادنا شعراء اللغات، أو اللهجات الأمازيغية، و قد شخص أحد هؤلاء شاعرا بذاته هو من قبيلة " القبائل" و يدعى ( محند أو امحند) و فق لهجة أهل المنطقة، و ( محمد أو محمد) وفق التعبير الصحيح بدون إبدال الحروف.
و لسنا ندري إن كان العنوان الذي يحمله عملنا لم يرشد المستفسر إلى ذلك بل المحتج عن غياب شاعر ( محند أو امحند) لم بفهمه ( العنوان) بدلالته ( الشعر الشعبي في الجزائر). لأن كلمة شعبي محددة علميا في الدراسات الشعبية العربية بأنها تعني أي عمل أدبي بفهمه كل شعب وطن الشاعر. و تفهمه الخاصة و العامة. و النخبة و دونها، و ما كان من هذا القبيل في لغته فإنه يفهم في كل الوطن العربي بالمؤكد المطلق. و المصطلح "الشعبي" هذا أو "الأدب الشعبي" اعتمده ملتقى بغداد سنة 1987 على هامش مهرجان "بابل" للفنون الشعبية توحيدا له على مستوى كل الدراسات في الأقطار العربية، و تمييزا بينه و بين مصطلح "الأدب العامي" و الذي يعني ذلك ما ينتج بلهجات مستغلقة لا تفهم إلا في مناطق محدودة ضيقة جغرافيا، و في المناسبة ذاتها، و التي غابت عنها الجزائر مع الأسف الشديد تأسست رابطة " للأدب الشعبي العربي " و انتخبت شخصيا، و الدكتور الصديق العزيز ( عبد المالك مرتاض) في مكتبها. و إذن فإن عملي محدد علميا في وجهته، و مادته، و غايته، و رسالته، وللذي يملك مادة شعرية لشعراء أمازيغ أن ينجز لنا معجما لهؤلاء حين يتمكن من ذلك، و يمكننا منه وآنذاك تقدم له من الشكر و التقدير ما يليق بشخصه، و ظني أن هذا يتم و أنا العارف إلى حد باللهجات الأمازيغية، يتم وفق قوله تعالى:" حتى يلج الجمل في سم الخياط". هذه بعض الإشارات التي أردت، بها تقديم إضاءات عن عملنا و أجدني في النهاية شاكرا كل باحثينا و كل شعرائنا و تنظيماتنا التي أمدتني بما استطاعته من المادة و المعلومات، و محييا مؤسساتنا العلمية التي ثمنت جهدي و اهتمت به، و بخاصة منها جريدة "الحوار" و "صوت الأحرار" و "الخبر" و "التلفزة الوطنية" ( القناة الثالثة). و في صدارة هؤلاء بعد و قبل " صدى الأقلام" و "المسرح الوطني الجزائري". مسجلا أسفي الشديد على عدم وفاء عدد من المتجاوبين مع رغبتنا بالرغم من الاتصال بهم أكثر من مرة ووعدهم لنا بمدنا بما يقترحونه علينا لإثباته في العمل. و إنه لعجب أن يحدث ذلك و بخاصة من أناس نسمعهم في المنابر التي يحضرونها يشكون بمرارة عدم الالتفات إليهم. و الأمر ينسحب على الجمعيات التي يعنيها قولنا هذا و التي من جهتها تدعي خدمة الثقافة الوطنية، و تشكو بمرارة أشد تغييبها كما تقول عن المسرح الثقافي الوطني أو المحلي.
و من يدري - في النهاية- فلعلنا، و بتوفيق من الله نلتقي مع الجزء الثالث يوما ما مادمنا نسعى في الحياة على هذا الوطن الغالي المفدى الجزائر.