معجم شعراء الشعر الشعبي في الجزائر الجزء الأول
كان الهم الثقافي، و العلمي في حياتي، و مشروعي محددا في التساؤل: هل أرى بوما مدونات التراث الثقافي الوطني متداولا بين أيدي الناس في وطننا كما هو الشأن في بقية أرجاء المعمورة، و هل أوفق يوما لأن أكون مساهما في شيء من ذلك بدافع وطني، و واجب قومي نحو شعبي و أمتي؟.
ومع مرور الأيام، و الحال ما كان واقعنا عليه حين لم نصل سنويا في إصدارتنا إلى رقم مائة عنوان سنويا، أصبت بشيء من الخيبة، و مع ذلك لم أطو صحائفي، ورحت أنجز ما استطعت جمعا، و تدوينا، و تصنيفا،و شرحا، و دراسة من تراثنا الشعري الشفوي، فتحقق لي إنجاز عشرة عناوين منها ما طبع و لحسن الحظ ثلاث مرات، ثم التفت إلى الموضوع نفسه في الفصيح أي التراث الشعري الوطني الفصيح، فأصدرت تحقيقا لديوان "ابن الخلوف" القسنطيني مع دراسة مستفيضة عنه، و ديوان "عفيف الدين التلمساني" و ديوان "الشاب الظريف" الذي ينتظر الصدور، و الذي شوهته إحدى مؤسسات الطبع عندنا بمباركة غير مختصين أيما تشويه. و كذلك ديوان "الأمير عبد القادر" الذي تصدر الطبعة الرابعة له قريبا إن شاء الله. إلى جانب عناوين: "مدخل في دراسة الأدب المغربي" و "الشعر العربي في المغرب العربي من الفتح إلى نهاية الإمارات" و "الأدب العربي في المغرب العربي من الفتح إلى قيام الدولة الفاطمية".
و لما كان الحال الآن و لله الحمد غير الحال من الذي تعد ولادة الكتاب فيه شبه معجزة، فإن أي مثقف أكاديمي جامعي واع لمسؤوليته، و صادق مع نفسه، و مؤمن بوطنه، و مفتخر بانتمائه إلى شعبه حقيقتا، فإنه مدعو إلى العمل ليلا نهار لاستدراك ما فاتنا، و فرض وجودنا التاريخي الثقافي الغني جدا، بنفض الغبار عن الخزائن النفسية المبعثرة هنا، و المهملة هناك.
و تحقيقا لذلك بمساهمة متواصلة في هذا السياق بأي إنجاز فإن هذا الجهد المبذول من قبلي يعد صورة مكملة للسابقات بحيث أني لا أعلم أن عملا بهذا العنوان "المعجم " و الخاص بشعراء الشعر الشعبي قد حدث له أي تأسيس.
و لعلنا هنا و عن هذه النقطة بالذات أجدني مسجلا شكري لمن حفزني للبلوغ، بالعمل مستواه المقدم عليه، إذ انه و مع وجود الفكرة فإن عائق الطبع دائما يخلق التردد عند الباحث.
و هكذا و على هامش عكاظية الجزائر للشعر العربي، اطلع الأستاذ"بوبكر زمال" على بعض أعمالي في المعرض فأراقته فيما يبدو فاتصل بي و حدثني ما إذا كان يمكن التعاون بيننا و بخاصة في الأعمال المتسمة بـ" الموسوعية" أو "المعجمية"، فاقترحت عليه العنوان "معجم شعراء الشعر الشعبي في الجزائر". فرد بمباركة العمل،و الشروع في انجازه فورا، إلى جانب مباركته عملا آخرا أدعه إلى حين أكمال إنجازه و نعلن عنه كذلك.
و مع انتهاء أيام العكاظية اعتكفت في مكتبي مع تنقل في أحيان للبحث عن مصدر أو مرجع يخص الموضوع، أظنه موجودا هنا أو هناك، و بشيء من الصرامة، و العمل المتواصل وفي جو حار جدا أحيانا انتهى جهدي التأسيسي هذا في هذا الغرض إلى اثبات ما تجاوز خمسين و مائتي شاعر شعبي جزائري من الجنسين بدءا من الشاعر "الأخضر بن خلوف" من القرن السادس عشر ميلادي وصولا إلى الأجيال الحديثة،و منها جيل الشباب النشط الفاعل اليوم في الميدان.
و إننا و مع أمنيتنا أن يكون المسح للموضوع اشمل فالمؤكد أن شيئا تحقق في العمل، و إنه سيتسع مع الأيام أكثر بنا أو بمن يستدرك علينا، أو يواصل و يضيف بعدنا، و الجميل في الأمر في تقديري ان الأهم قد تحقق و هو وضع مدونة من تراثنا الشعري الشعبي لعصور مختلفة، و بكل موضوعات الشعر المتصلة بحياة الجزائري كأي إنسان في العالم. وضع مدونة بين أيدي الباحثين و الطلبة و المهتمين، و تحقيق بعض الاعتبار لذلك المبدع الذي إعتنى بهموم الأمة، و هو محروم - في الأغلب حتى من الكتاب- لتعلم أبجديات القراءة و الكتابة، و بخاصة من انقضى نحبه منهم، و هو أدنى جميل نحفظه لهؤلاء و قد حفظوا ذاكرتنا في نصوصهم في جميع المجالات و المستويات، حتى أن بعضها يعد وثيقة جامعة لما تناولته بكل ما في الكلمة من معنى.
و بعد هذا و ما يمكن أن يعتبر من حسنات الجهد و فضائله، و قيمته، و منها شموليته للوطن و إيغاله قدر المكن في التاريخ، و تنويع النصوص المنتقاة للشعراء حتى تكون شاملة... و التوثيق العلمي الدقيق، بعد هذا و غيره من الحسنات والفضائل فإننا نراه يظل جهدا بشريا محدودا يحتاج إلى المراجعة و التغذية، و التدقيق، و النشر في كل حين حتى تحقق الرسالة التي يحملها في حياتنا الثقافية و العامة بشكل عام. و يبقى أن نشير إلى أن فكرة التوجه إلى تعجيم تراثنا في "المعاجم" هو من الضرورة بمكان لأنها الحافظة له من ناحية، والمرشدة للباحثين و البحث من ناحية أخرى. و مع أنه جهد المقل، فإن الزمن الثقافي الحالي الذي يرفض التفصيل و الاستطراد لإكتفاء الملتقى بالإشارة و العناوين و الفقرات و الشفرات، و رؤوس الأقلام يستدعى التماهي معه حتى يظل متفاعلا معنا، ثم يختار ما يراه شاغلا له، ومؤرقا إياه لإعطائه ما يستحق من التناول و العناية.
و في الأخير أسجل استفي الشديد ان شعراء ورؤساء جمعيات ثقافية، و هيئات كان بإمكانها ان تمدنا بمادة أكثر و لكنها وبالرغم من إلحاحنا لم تتجاوب معنا على الرغم من الوعود التي كانت تعطيها، فإلى متى يظل شعارنا "الغياب" و "الرفض" ما لم تكن المقايضة الدافع الوحيد للتحرك ليس إلا، و متى نظل نطلب و نطالب بالإعانات، فإذا تحصلناها اختفينا من الساحة و إلى غير رجعة. أو ليس الفعل الثقافي مسؤولية كل من على هذا الوطن من أبنائه؟ !