المقاومة العربية في نماذج من الشعر الجزائر
حدد لمداخلتي العنوان " المقاومة العربية في الشعر الشعبي و الفصيح" في الدعوة الكريمة التي تلقيتها من السيد مدير الديوان الوطني للثقافة و الإعلام الأستاذ " لخضر بن تركي". و بفحص عبارات العنوان نلتقي مع كلمتين" المقاومة العربية " التي تحدد فضاء جغرافيا يعني الوطن العربي كله، ثم نلتقي مع الشعر " في الشعر العربي الشعبي والفصيح" و هما عباراتان شكلتا ثنائية لموضوع واحد هو "المقاومة". و المعروف أن طرح ثنائية أو أكثر في موضوع واحد يصعب على الباحث التحكم الدقيق فيه، و بخاصة إذا كانت الثنائية من الصنف المعالج في ورقتي هذه. وأكثر حين يكون الوقت المتيح محدودا كما في مثل هذه المناسبة.
فضلا عن المساحة الشاسعة لخارطة النص في حد ذاته لا يمكن لأي كان أن يحاصر حدوده، أو يوغل في ثغوره و تخومه،لأنه و ببساطة هو ذاكرة الإنسان العربي المرافقة لوجوده منذ بدأ هذا الإنسان يعمر الأرض باعتباره ما تقدمه لنا المكتبة العربية عبر تاريخ النص الشعري العربي الطويل و المجيد و الغني في مادته، و أنه و في إشارة يمكنها أن تفتح آفاقا هي من الاتساع، و الشمولية، و التراكم بمكان حين نقول أن لفظة المقاومة عندما نتابع دلالات جذرها اللغوي، ثم وحين ننقلها إلى دلالاتها الاصطلاحية بكيفيات من الكيفيات وفق الغاية والمقصود، فإنها كما ندرك تعني الحياة بكل زخمها على جميع الأصعدة . أما إن أردنا ضبط المدونة الشعرية التي تصنف وفقها فيما يعني مجالات المقاومة وهكذا وبدون تحديد " زمكانية" لها فإن الأمر يغدو ضربا من مطاردة سراب، بل سرابين لأننا نتحدث عن الشعر الذي هو " ديوان العرب" من جهة، و بنوعيه " الفصيح"، و " الشعبي" من جهة أخرى و الحال هذه فإني، و بخصوص مجال المناورة المحدد لي و تبعا للتنويهات السابقة فإن التجائي إلى اقتراح منهجة الموضوع وفق المتيح من الزمن المحدد لإعداد المداخلة من جهة، و وفق العنوان العام الثابت سنويا " عكاظية الجزائر للشعر العربي" من جهة أخرى. والتي تلتقي فيها صفوة من أبناء الأمة إن لم يكونوا من أرجاء وطنها، فهم يقينا يكونون من جلها ما يعني أن تحقيق الاستدعاء الشامل للعنوان " المقاومة العربية في الشعر العربي الفصيح و الشعبي" يتم بالتكامل الذي تنجزه المداخلات التي يتولاها الأشقاء كل من موقعه بحسب قطره.
أقول فإن اقتراحي لمنهجة موضوع المداخلة يغدو أكثر من مشروع، و أخذا بذلك فإن نص ورقتي مضطر فيه لتجاوز مفاهيم معنى المقاومة، و تأسيسا، و تأريخا، ومضمونا، والاستئناس بقولين عنها دونما التفات إلى المستويات الجمالية المتجلية، أو التنظير لها. أعني تحديد شرطية نص المقاومة جماليا حتى يضمن حداثته دائما بتشكيله الفني، لا بمضمونه " البطولي" أو "المواكبي"، أو "التأريخي". و لأن الموضوع من الاتساع بما لا يمكن لأي كان الإحاطة به كله، فالمتناول من قبلنا يكون من الشعر الجزائري فصيحه ويخص القضية الفلسطينية. وشعبه ويقدم صورتين من صور المقاومة الوطنية.
و وفقا –إذن- للإطار هذا الذي رسم معالم سير المداخلة فإني أنطلق من القولين المستأنس بهما وهما اللذين عبرا بهما الدكتور عبد الله ركيبي، والدكتور التلي بن الشيخ عن الموضوع حيث قال الأول: "...أما القصائد التي ظهرت بعد الإحتلال وسايرت الإنتفاضات والثورات بعد ذلك، فهي تمزج بين السياسة والدين وهي إما هجوم على المحتلين والكفار أو هجاء لهم وإما من النوع الذي يسجل أحداثا سياسية أثناء حرب الأمير، مدحا له أو دفاعا عنه أو نقدا لمواقفه". وأما الثاني فيقول:"... كما قام الشاعر الشعبي بدور بارز في مجال الإعلام والتبليغ فكان ينظم القصيدة ويتغنى بها في كل ميدان المعركة، أو ينشطها وهو يتجول في القرى، والأسواق حيث يتلقها الرواة والحفظة، وبالتالي فقد كان يصوغ أحداث الثورة ومعاركها الضارية شعرا ونشيدا للعبرة وإذكاء الحماس".
وباعتبار ما ورد في الرأيين السابقين نستطيع في ضوئهما الالتقاء مع نماذج لشاعرين جزائريين هما: "محمد العيد آل الخليفة"، و "أبو القاسم خمار" وهي التي تحدثا فيها عن القضية الفلسطينية التي تستدعي تجند كل العرب ولم لا كل المسلمين حولها مع التنويه إلى وجود نصوص شعرية عربية جزائرية كثيرة عن الموضوع.
إن القضية الفلسطينية التي واكبها الجزائريون بالمقاومة شعرا وفعلا بالذهاب إلى فلسطين، و المساهمة في الجهاد مع إخوانهم هناك. فإن الشعر الجزائري معها منذ البداية بحيث وجدنا شعراء يسجلون تفاعلهم بوجدانية عميقة صادقة، و بتألم عميق، ورسم لما تم عنوة، وما ينبغي فعله لتجاوز ذلك الظلم، و الطغيان المفروض على أشقائه هناك كماهي مآسي يومياتهم في الجزائر منذ احتلالها.
و في هذا المعنى نجد الشاعر " محمد العيد آل الخليفة" بأصالته المعهودة ووطنيته العميقة، و قوميته العربية الإسلامية الصادقة نجده يحتضن ثورة فلسطين لسنة 1936م إذ وجه نصا للإنجليز الذين كانوا وراء مأساة أشقاءه الفلسطنيين منذ بدأت، وما يزالون إلى اليوم يكرسونها بأساليب إن اختلفت عن أجندة الأمس، فإنها أكثر إيلاما، و أعمق نزيفا مما جرى في الأمس.
يقول الشاعر مخاطبا هؤلاء الإنجليز، أو بريطانيا في قصيدة بعنوان " بني التايمز" في بعض منها:
بني التمايز قد جرتم كثيرا فهل لكم عن الحوار ازدجار؟
أفي أسواقكم نصب و اغتصاب تسوم القبلة الأولى التجــار
إخال القبلة انسجرت دماءً كما للبحر يا باللجج انسجار
********
تشاجرت العمومة في ذراها ولو لاكم لما وقع الشجار
غدا العبري للعربي خصما بها و كلاهما لأخيه جار
ترون لها سوى العربي أهلا وتأبى الترب فيها و الحجار
*********
ألم يؤلمـكم حرمٌ مباحٌ و شعب يستجير و لا يجــار
و نكبة أوجه بالكشف غر لمثل جمالها صنع العجــــار
كم احتجت لظلمكم و ضجت و لكن في قلوبكم انحجــار
إلى أن يقول:
إذن فالحرب للعربي دأب و هل تخفى "البسوس" أو "الفجار"
شددتم قهره فغلا انفجار وعقبى شدة القهر انفجـــــار
إلى ما في النص من تفاصيل وإشارات تخص انتفاضة الشعب آنذاك، وهي كما تبدو لنا في ما انتقيناه قد انطلق الشاعر فيها من أسباب التصادم بين الفلسطينيين و بين الورم الصهيوني. الذي أوجدته بريطانيا في قلب فلسطين بالكيفية التي أرادت و بالمناهج التي شاءت، و للغايات و الأهداف التي حددتها، و برمجت تحقيقها، ذلك أن وجود بعض من أولئك الصهاينة أعطوا ما ليس لهم ولن يكون لهم أبدا، إنما من كان منهم على ما ينبغي أن يكون عليه ضمن سكان فلسطين ليسوا جددا في الموقع، و التواجد، يبد أن الصلات القديمة والتعامل العريق بين هؤلاء وهؤلاء قد كان واحدا من سمات مجتمع أرض القبلة الأولى أرض الإسراء و المعراج، و لأن المحتل و كما هو معتاد أي محتل حين يحس بدنو أجله لا يرتاح أبدا لترك مربضه الذي اغتصبه لأهله في أمن و سلام، و عبر التاريخ و اسألوا أي قطر محتل من أي استعمار غربي عل ماذا يبرمج واقعه، و أي أجندة يتركها لأذنابه و تبعه حين يجبر على الخضوع و الاستسلام و يقرر المغادرة.
لقد بدا النص - كما رأينا – و هو يؤرخ انتقاضه و يحدد الدواعي و الأسباب و يضبط الغاية من ذلك، بدا إلى جانب ذلك مستدعيا لماض فيه من البطولة العربية ما فيه و من الكبرياء العربي و أنفته، و تحديه عند الضرورة ما لم تطمسه كل الوسائل والأساليب المستحضرة لذلك مستنفرا بجملة من المعاني و القيم التي لا يتنازل عنها العربي و المسلم معا بحال من الأحوال، مستنفرا كل من يتخندق في هذه التخوم العربية التي يطفح بها سجل مجدها. و ما زال يطفح، فكان بذلك برنامجا في تقديري يتوارث أبا عن جد بحيوية فاعلة، و تفاعل مطلق، و تأثر مسترسل، مثلما حدث ذلك في مختلف حقب تاريخنا المجيد في سلسلة مترابطة الحلقات بخصوصيات الزمان و المكان، والغايات والأهداف، ولكنها موحدة المرجع، و مترابطة الامتداد و التواصل، و مشتركة الإحساس بالجرح و ما يكون بلسما له في الجزائر هو نفسه الذي يكون بلسما لأي مواطن عربي شريف، وفي العهد، نقي النسب، صادق التوجه و المسعى أمين الإنتماء.
و لأن الغاية لم تحققها الثورة أو الانتفاضة السابقة، و نبض المقاومة لم يتوقف، و غضب الشارع العربي الأصيل، المؤمن بقضاياه، و الباحث دوما عن قيادة متفاعلة متجاوبة معه لدرجة الاندفاع متجاوزا الخانعة منها، فقد واصل الشاعر أبو القاسم خمار تفجير جرح أخيه بل أبيه بزلزلة هي الباقية منشدا أولا و أخيرا لتحقيق الحلم العربي في نص بعنوان "القسم" منه الأتي:
" يا ساحة اللهب المقدس زلزلي دنيا بطاحي 
و استلهمي ثاراتنا الحمراء من ساح لساحي
إنا ها هنا... من غضبة "الأوراس" من قمم الكفاح
من قبلة الشهداء... من قلب الملاحم و الجراح
يا شعبنا الجبار... يا زحفا تحرك كالرياح
ندعوك باسم ترابنا الغالي... إلى حمل السلاح" 
و في نص آخر بعنوان "الانفجار"حين يقول:
" تفجر شعبي... هنا القاهرة
هجمنا، إلى الموت يا غادرة
هنا الشام، في كل شهر جحيم
هنا... من جزائرنا الثائرة
هنا القدس، يا أمتي رددي
هنا تل أبيب هنا الناصرة
زحفنا.. زحفنا.. فلا مدفع
يرد خطانا ولا طائرة
يرى المهتمون بدراسة شعر أدب المقاومة أن شعراء يبلغون في إبداعهم الشعري ذروة الإيمان الصادق العميق بقضيتهم، أو قضاياهم، فيغدو ذلك الإيمان مضاهيا لأي إيمان عقدي حقيقي يستمات من أجل نشره، وحمايته لدرجة التضحية بالنفس إن اقتضى الأمر ذلك، والقضايا والتي تطفح بها أشعار المقاومة وبخاصة منها في شعرنا العربي، والتي تعد قاسما مشتركا أعظم بين كل شعرائنا الآمنين بالمقاومة، والثورة سبيلا وحيدا للخلاص من نير العبودية، والتحرر، وحماية خصوصية الأمة، المشتركة المجسدة في ثوابتها التي هي القضايا الثابتة التي لا تتحول بحال من الأحوال. هؤلاء الشعراء لا يحتاجون كثيرا إلى منطقة الأشياء، وتعليلها حين يدعون إلى تبنيها لإيمانهم الذي يموقعهم في الواجهة دون مواربة، والمحصن لهم فيه بزخم التراكم عبر الأجيال، والذي توارثوه جيلا عن جيل، ما يجعلهم يعتقدون أن لا حجب بينهم وبين الجماهير العربية، وأن لا حاجة إلى ديبلوماسية أدبية، أو إغوائية فنية، أو إغراء الجماهير، وموقعتها في الخنادق التي ينبغي أن تشغلها كونها تحس نفس إحساس الشاعر، وتتألم بالآلام ذاتها، وتطمح إلى طموحاته ذاتها.
ومن هنا كان المقتطع من نصي "خمار" السابقين يتجاوز كل حيثيات الديباجة المهيئة، والخالقة للجو النفسي أو الإجتماعي، أو التاريخي، أو القيمي. أو غيرها، كانت غاية المقتطع في ضوء دلالاته أشبه ما يكون بأمر ليس تبليغيا فحسب بل تنفيذيا دون فحص أو تحليل، أو مناقشة لأنه لم يحدث قط أن يفسر الماء بالماء، أعني مادام الشاعر، والمواطن العربيين يعرفان تماما القضية، ويدركان كل الإدراك أن كيلها قد طفح، فالحال هنا هو كيفية دفع ضيمهما، واضطهادهما، وقمعهما إلى زحف عملي كاسح حد سقفه التحرر، واسترجاع ما اغتصب، وإعادة الذات العربية بمقوماتها ومكوناتها، وثوابت أمتها إلى مرتبتها التي كانت عليها، ومن ثم كانت آليات نص خمار لفظا ومعنى، وغاية مكملة لآليات "العيد" بحيث كانت الأولى محاورة وحجاجا، وتذكيرا، وتنبيها، وكانت الثانية دفعا، وفعلا، وتحديا، وإصرارا على الإنجاز، والتموقع حتى يتم كاملا طال الزمن أم قصر. 
هذا عن فلسطين في نماذج شعرية من النص الشعري العربي الفصيح أما من النص الشعري الشعبي العربي فإننا انتخبنا أبياتا من نصين أحدهما من القرن السادس عشر والآخر من القرن العشرين فالأول نعتقده قد كان مؤسسا لرسم الطريق التي احتذاها جل الشعراء في سلسلة المقاومات والانتفاضات التي قام بها الشعب الجزائري. والتي جسدتها الصراعات المختلفة بينها و بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط الأوروبية بعامة و عنوانه قصة"مزغران" و تاريخها تحديدا. 1558 حيث تناول الشاعر العدو، وصفا، وعرضا، محذرا الجيش الجزائري، واصفا يقظته التي تحلى بها –ذاكرا أغلب القبائل التي شاركت في المعركة. مفردا الأبطال البارزين بالذكر و التسمية. مخصصا لهم بعض الثناء و الشكر، مارا بتحديد زمن المعركة ووسائل التقاتل و أسلوب الكر والفر بين الجيشين، ناقلا لنا مشاهد كاريكاتورية ساخرة من جنود العدو. وما آلت إليه حالهم، معيدا إلى الأذهان صراع"الهلال" و "الصليب" التقليدي المتواصل الذي تأبى أروبا التخلي عنه دوما. خاتما نصه بالدعاء على الطريقة المعهودة، المألوفة و الذي يدخل من جهته في نطاق المقاومة المعنوية، التي لا مناص منها في مثل هذا الموقف.
ففي المعنى الأول المتصل بتحديد الموضوع، وبدقة أكثر عنوان النص قال:
يا فارس من ثم جيت اليوم قصة مزغران معلومة
ثم يتجاوز المطلع التوشيحي الذي بنى على نظامه (الموحش) نصه كله، ليحدد أكثر فيقول :
ياسايلني كيف ذا القصة بين النصراني و خير الدين
اجتمعوا في برنا الأقصى بجيوش أقوية، وجاوا متهددين
ترى سفون الروم ما تحصى صبحوا في المنا أعداء الدين
ثم يخصص كل الجوانب السابقة بلوحات توشيحية، أو في مقاطع من نصه الذي بناه على النظام التوشيحي الذي يختمه كلا منها دائما بشطره "قصة مازغران معلومة"، و القفل المتكون من بيتين ، و بذلك جارى الشاعر الشعبي. أخاه الشاعر المدرسي، أن لم يكن هو نفسه جامعا بين اللونين كما هو معروف عند "المنداسي" ، وصاحب هذا النص"الأخضر ابن الخلوف" و غيرهما. فالمتنبي، و قبله "عنتره" قد تعرضا إلى مكان القتال، وإلى المقاتل، وإلى مطية القتال ووسيلته، كما حاولوا تناول الخصم من الزوايا ذاتها، معبرين- كذلك- عن سبب المقاومة أو الحرب إن شئنا، فعنترة يدعم القبيلة التي ينبغي لها أن تظل محمية الجانب، سامية الجاه كما ينبغي له كنموذج مهزوز الشخصية والذات أن يرسخ هذه الشخصية، و أن يجعل غيره يتجاوز هذه الذات من الهيكل المادي الأسود اللون إلى الأعماق، إلى ما في الباطن لأجل ذلك كانت مقاومته ملخصة لأشكال المقاومة بجانبيها المعنوي و المادي – إن صح لي هذا التعبير- و المتنبي-بعده- خرج من هذه الذاتية العنترية المتعبة ليعطي شكلا جديدا بهذا الخروج مثلته" الأنا " أو "الفردية" الطامحة التي جمعت بين العمق "النفس الأبية" ، و السطح ، أو الخارج"الخلق الكامل" ليختار لها الموطن الذي ينبغي لها أن تنزله، هذا على مستواه الفردي أما على مستوى الإنتماء، فإن الأمير المجاهد البطل، سيف الدولة، الذي لخص لنا صراعه في نهاية ميميته المشهورة في البيت :
و لست مليكا هازما لناظره و لكنك التوحيد للشرك هازم
هو الذي"الأمير" ينبغي له النزوح المتواصل، و التجاوز المثالي المتتابع لتحقيق الرغبة الإنسانية الخالدة . الحرية:
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرحقير كطعم الموت في أمر عظيم
هذا هو اللقاء الذي جمع بين شاعرنا الشعبي، و شاعرنا المدرسي، إنه اللقاء الذي يتجاوز حتى هذا المحور الطويل ، العريض إلى الساحة الإسلامية، أو العربية، إلى المجتمع الإنساني ككل في هذا العصر الذي يرتكز في نص المقاومة على تناول الفارس –إذا وجد – و إضفاء الهالة عليه ليغدو خرافيا أحيانا، و إن لم يوجد يفتش عليه، أو يخلق من الخيال للحفاظ على النزعة التواقة إلى الأفضل في كل الأحوال، و تجاوز الأدنى من الأمور، سواء كان ذلك على مستوى ذات(الفرد)، أو على مستوى الجماعة، أو الإنتما بصورة عامة .
إن الصراع- بعد ذلك – يترتب عنه الهازم ، و المهزوم، و هذه النتيجة هي التي تعطى- في مقابل ذلك – أو تحدد الطرف المقاوم، و الطرف المتسلط، و جوهر الخلاف بينهما ممثل في طرفي المعادلة لهذين المتناقضين فالمهزوم يبحث عن الوقوف، أو التجاوز، و يبدو ذلك في أشكال الرفض و وسائله، و الهازم يبقي الأوضاع كما هي، و يخلق لها المناخ الملائم الذي ينمي فيه بذرته الجديدة "السيطرة" ومصادرة كل شيء بما في ذلك خصوصيات الذات نفسها، لكن صاحب الحق المهزوم يخنق فلا تتاح له وسائل التبليغ- على الأقل- بينما يكون النقيض مسخرا لكل الوسائل لتثبيت وضعه الجديد، ففي هذه الحال يبدو عنصر المقاومة الفعلي الذي يميز عن عنصر المواجهة أو الصراع – كما تقدم – إذ أنه في لحظة الصراع قد تكون الوسائل موحدة، و قد تكون متقاربة من بعضها، كما تكون المواقع متقابلة أو متكافئة لكنها بعد النتيجة يذوب الطرف الضعيف في القوي إن طوعا، أو كرها. إلا أن هذا الضعيف إن صودرت تربة وقع أقدامه، فإن أنفاسه تظل الريح حاملة إياها، و عبر هذه الأنفاس تأتي الكلمة المقاومة معطرة بها، نابضة بحرارة صاحبها، متنزية بدم باعثها من عمق الأعماق...فتعطينا وضعه في السجن، و توقانه إلى الشمس و الهواء، و تكشف عن لوعة الحب للأهل و الأصدقاء...و عن العشق الأكبر الوطن، الذي هو الأرض أو هو الجسد و الروح . ففيها يجنح إلى حيث يشاء و يريد منذ لحظة الوضع، حتى لحظة العودة(النهاية):
يرميو أعلى كل شايفة من برج و طوبانــه
و الرجال على الحرب واقفة كالسبوع غضــبانه
ولات البهجة كما لجمر ترمي الموت بنار شاعله
و حين يكون العدو ممن قاسمك نعمة هذا الوطن تغدو المصيبة أعظم:
حسبنا على مزغنّه (الجزائر) خلق كثير يبقى ميت
في لحفاير و الجبانة شبان للبلا تتفاوت
على موالها تتفانا يبقى الدم غير مقلت
لكن بالحزن حزنا من بعد عزها وانهانت
حتى ليهود فرحوا لينا و انساهم لكلاب تزغرت
قد نتساءل عن عنصر المقاومة في هذه النماذج التي تبدو أنها حاولت تجسيد جوانب مما اتصل بحوادث معينة خاصة بمدينة الجزائر،أو بأماكن أخرى في القطر، فنقول إن هذا التجسيد والتصوير لما جرى هو نفسه القمة المقاومة، لأنه عن طريق وصف الحادث ، و نقل جزئياته هذه يلقى الشاعر في أعماق المتلقى عن طريق القراءة أو الإستماع شحنا كهربائية تبقى ملتهبة في الأعماق. مهيئة لصاحبها في كل لحظة لإستقبال الآتي الذي آتى فعلا، و إذا عز عن المتلقى الأول أن يرى هذه الشحنات الكهربائية ملتهبة في الواقع طوال عمره، فإنه ينقلها عبر أسلاك الإرسال المختلفة التي يبث عن طريقها محنته إلى أولاده، و أحفاده، و إلى كل من يجالسه حول الموضوع . و بذلك تؤدي هذه الشحنات دور المخزون المتفجر الذي ينتظر لحظة الضغط على الزر ليصير فاعلا في الميدان و ذاك ما حدث في الفاتح نوفمبر1954 ، وفي الإنتفاضات المختلفة التي سبقته.
بيد أن عبورنا بالنص الشعري الشعبي الذي نقوم به من تاريخ النص الأول المتقدم (القرن السادس عشر) إلى الثامن ماي 1945 آخر انتفاضة قبل ثورة أول نوفمبر الخالدة يعطينا هذا التلقيح المتواصل بهذه الشحنات، التي تنمو و تكبر حتى تصير قنابل. تغدو براكين، و زلازل تظل كامنة حتى اللحظة المناسبة، وكل ما نسجله من خلاف فهو في الوسيلة التي تطغى في عصر دون آخر، فإذا كانت الأبيات السابقة تحدثت عن المواجهة وحددت وسائلها ونتائجها، فإن ما نجده متناولا لانتفاضة الثامن من ماي خمسة و أربعين و تسمائة و ألف، قد جاوز ذلك بل أضاف إلى هذا المنظور الإقليمي الخارطى إلى مستوى الخارطة الإفريقية كما تحدث عن مظاهرات كأسلوب من أساليب الثورة، و كضرب من المقاومة المباشرة الرافضة للوجود الإستعماري.
قصة يوم سطيف معتاها مازالت في القلوب مكميهّ
محاين قاويين شفناهــا كيتهم في الليل مقــدية
قصة يوم سطيف مروية
ذاك اليوم الحيف كان اغزير جات الساعة واتغلب غيوم
جابوا خبره ذي ايشارت خير هذا الغاشي للبلاد اطمـوم
تلموا في بلاصت الخيـر في نشيد و حرجهم مقيــوم
من عند النخلة لدارالمير و الزعامة بين، صفـوف اتحوم 
شبان صغار جاو بالتفسير وعبد الباقي شاطر ومعلــوم
أيلاقي بالشرح و التنذير لا ظلم بقا، ولا بقا مظلــوم
أعلات النجمة الإفريقية
لقد كان التعبير الشعري، و غير الشعري حاضرا في فترات الظلم، والإستبداد و القهر و الطغيان، وكان هذا الحضور متسما – كما تقدم – بجملة من المظاهر التي تواكب الظرف، و الذي قيل فيه النص. فالشاعر بإمكاناته الطبيعية: الموهبة، و التراث، كان يستفيد من الخاصيتين معا ليس على مستوى التشكيل الفني للنص – فحسب – و لكن أيضا على مستوى التجربة، وبذلك يمكن لنا أن نفسر هذا التكيف الطبيعي مع الحدث، و التصرف إزاءه بما يناسبه، فالنص إنطوائي تأملي مرتكز فيه على الجانب الديني الذي يتخذ محرابا للبحث عن الفرج على أساس أن هذا العنصر- يقوم بوظيفة المرهم المسكن المغذي حين تقل الوسيلة، و يصعب الفعل، ويبقى التوتر متواصلا حتى يحين الحين. و عنصر الفعل أو أن توفر الوسيلة بحيث يخرج بصاحبه من لحظة التأمل و الإنطواء، و التصبر، و السلوى، والتعزية إلى لحظة، أو موقف الفعل الواجب – الجهاد- أو التضامن، و التعاون .
وهو أيضا – النص – رسالة ناقلة للخبر عن طريق التداول والتواصل والآداء، و بخاصة حين يغنى. و قد يصل إلى درجة البرقية في الإيجاز، و التركيز، و الإيحاء، و الإشارة، و الإنتشار" يا شاري ابره و خيط باش اتخيط فمك".
وقد يكون ملحمة عابرة للآفاق، متجاوزة للحواجز و الحدود ، تتناول بطولة الماضي سواء كانت عنترية، أو إمامية – الإمام علي كرم الله وجهه – أو هلالية (الجازية) ، (ذياب) أو غيرها لتحرك العاطفة المتأصلة في إنسان هذه الديار، والتي جعلت هذا التراث كيانا ساريا في ذاته يتأثر بأدنى حرف، أو ذرة تمس، أو يعتدى عليها. و بهذه الإستثارة للهمم يبعث الماضي في صورة تجسيمية فنية متوسل لها بآداة التعبير الشعرية، التي تكتمل فيها أطراف الصناعة الفنية " الإيقاع"، (المضمون) ، (اللغة الشعرية) تتم عملية الإستثارة – فعلا – أو تأخذ هذه مجاريها إلى الفعل – في حالة وجود الصراع – أو إلى التقزز، و التوتر، و تركيز الرفض – في حالة الإنتظار - .
و قد يحاور الأهل الأصدقاء – النص – فيلتمس الأعذار، و يجمل، و يعزى المتأثر بسبب الخروج، أو الهجرة إلى الجهاد، و التضحية ، فضلا عن هذه الخلاصات التاريخية المركزة التي تعطينا الحادث، و أسبابه، و نتائجه، و العبرة عما ستنتج منه.
لكل ذلك كان النص الشعري المقاوم فصيحه أو مدرسيه وشعبه مؤديا لرسالة الشاعر في الحياة، ومن هنا نزعم أن البحث عن كثير ما يخص مقاومتنا الوطنية، و تاريخنا المنسي وقيم قوميتنا العربية نجده في هذا التراث التعبيري الشعري عن المقاومة بالدرجة الأولى.