ديوان الشاعر ابراهيم بن عامر العوامري السوفي ( 1875 - 1932 )
مقدمة
هو الديوان الرابع الذي حصلت على نسخة واحدة منه مخطوطة مع نسخ الدواوين الثلاثة الاخرى التي صدر منها اثنان، و هو ديوان الشيخ ( أبو عبد الله البوعبدلي البطيوي الرزوي ) كما يمسونه، و ديوان الشيخ ( سليمان بن قدور المستغانمي الندرومي ). إذ مكنني منها الأستاذ الاديب ( سعد السعود شخاب ) مشكورا الذي كان ناويا أن يدرسها في شهادة الماجستير بإشرافي، و المسجلة بجامعة ( الامير عبد القادر )، و لكنه لم يكمل مسيرته العلمية العليا لا معي ، و لا مع غيري في حدود علمي حتى كتابة هذه المقدمة.
و لأني و بالاهتمام و المنهج اللذين آليتهما على نفسي، و اللذين حددتهما في الارتباط الكلي إلى حد بعيد بما هو تراث أدبي جزائري مكتوبه و شفويه، فقد حاولت و بالوسائل السانحة انجاز صورة للديوان بمستوى الديوانين السابقين، و اللذين نشرتهما وزارة الشؤون الدينية و الاوقاف مشكورة على امل أن يجد الديوان هذا أيضا احتضانا من جهة من الجهات تتولى نشره.
و لأن أي عمل في صورته الاولى يعد دائما تأسيسيا فهذا الذي ينسحب قطعا على جهدي هذا و بخاصة و الاعتماد في التحقيق و التوثيق كان على نسخة واحدة، و هي نسخة بخط كوفي منسوخة بآلة ناسخة لا تقدم الصورة الواضحة في الغالب للنص، فضلا عن شكل الخط المعتمد من المؤلف أو الناسخ للنسخة، و الذي لا يقرأ إلا من الأقلية القليلة جدا من المهتمين بالمخطوط العربي و من طلاب الكتاب و الزوايا في العهود السابقة.
و إذا كان المتاح من الديوان المخطوط هو ما ذكرت، فإن ما يخص حياة الشاعر هو الآخر يتسم بالمحدودية التي لا تخفى على أحد و بخاصة حين يقرأ الآتي مما أفادني به الأخ العزيز ( الدكتور أحمد زغب ) الأستاذ بجامعة وادي سوف مشكورا حيث رد عن مراسلتي الإلكترونية اجابة عن سؤالي الخاص بالشاعر و حياته بقوله: " أستاذنا الكريم جاء في كتاب الشيخان للدكتور قمعون عاشوري أنه الشيخ ابراهيم بن عامر العوامري ولد 1875 بالوادي حفظ جزءا من القرآن الكريم تلقى تعليمه على شيوخ قمار من مبادئ النحو و الصرف و الفقه والاجرومية و غير ذلك سافر إلى ( توزر ) و ( نفطة ) حيث أتم تعليمه ثم عاد إلى وطنه فما لبث أن عاد إلى الزيتونية و مكث فيها هناك من 1897 إلى 1904 ثم رجع إلى الوادي بعد انتهاء دراسته في الزيتون "
ثم يذكر مؤلفاته التي هي:
" رسالة في أصول الاعتناء بالهلال
بيات الخطأ الواقع من قصار الخثطى .
رسالة الاصول الحسان لما به ثبوت صوم رمضان.
قلائد الدرر في بعض ما يتعلق بالبسملة من السر.
مواهب الكافي على التبر الصافي.
القصيدة المدنية.
المسائل العامرية على مختصر الرحبية في الفرائض .
البحر الطافح في فضائل شيخ الطريق سيدي محمد الصالح".
ثم يضيف الأخ الدكتور احمد فيما بعثه لي:
" قال: ابراهيم بن عامر جل شعره الشعبي في مدح شيوخ القادرية بتونس و خصوصا سيدي المولدي و له شعر فصيح. توفي سنة 1932" معنى المعلومات السابقة عن حياة الشاعر يقودنا إلى الاشارة إلى أن الدكتور (أبو القاسم سعد الله) قد ترجم له كذلك في تاريخه الثقافي و ذهب إلى انه استفاد من تعلمه في الزيتونة ما جعله يعارض تقاليد وقيما كانت سائدة في منطقته لم يكن راضيا عنها أي انه كان متبنيا للاتجاه الاصلاحي في الجزائر بشكل خاص و في المغرب العربي و العالم الاسلامي بشكل عام.
على ان ما في ديوان الشاعر لا نجد منه شيئا يمضي في هذا السياق، الأمر الذي يجعلنا هنا نورد تأكيد الأستاذ ( سعد السعود شخاب ) الذي منه حصلنا على نسخة الديوان، و الذي هو باحث جاد في الموضوع، و هو ان الشاعر و هو يجمل اسم ( ابراهيم بن عامر العوامري ) هو غير ابراهيم بن عامر العوامري صاحب المؤلفات المذكورة سابقا.
ما يعني أن ما ذهب إليه الأستاذ ( شخاب ) قد يكون قابلا للبحث و التقصي لازالة هذا اللبس اعتمادا على مذهب الشاعر الديني و على مدة اقامته الطويلة بحسب ما يبدو من شعره في ( نفطة ) و ( توزر ) بتونس و هو ما حاولت تحقيقه عن طريق مراسلات لي لزاوية توزر عن طريق موقعها الالكتروني، و سفارة تونس بالجزائر و وزارة الثقافة التونسية بالطريقة نفسها، و انتظرت أكثر من نصف سنة فلم يأتني أي رد من أي منها حتى الآن.
إن الديوان لا شك في انه للشاعر بالاسم الذي أثبتناه ما يؤكد نسبته و اصالته فهو يذكر اسمه في آخر كل نص من نصوصه أما أنه هو صاحب المؤلفات السابقة، و الترجمة ذاتها، أو أنه شخص أخر فذاك ما ينبغي أن يوثق بشكل دقيق، و قطعي، و نهائي، و لعل بوح زاوية ( نفطة ) و ( توزر ) لنا بما عندها من المعلومات ستفضي بنا إلى اليقين الذي ينهي الظن السابق قطعا. هذا عن الشاعر أما الديوان فإنه مكون من اربع و ستين قصيدة منها ست عشرة فصيحة و ثمان و أربعين شعبية دونما عنونتها إلا بالإشارة إلى مضامينها و جلها لا يخضع إلى أي وزن كان و ما كان موزونا منها على عروض الخليل بن احمد، ففيه كسور كثيرة لدرجة امكانية العثور على تداخل البحور في نص و واحد كما هي الحال عند بعض شعراء الشعر الحر في عصرنا الحالي. إلى جانب اتسام لغته بأكثر من مستوى سواء في القصيدة الفصيحة او الشعبية، فالفصيحة تنهل من المعجم العربي العريق، و المعجم المحلي الشعبي، و تستدعي بعض الرموز التراثية الغريبة أو المهملة منذ امد بعيد ما يجعل الوصول إلى دلالاتها يستدعي التقصي و البحث و في حالات يكون ذلك في أكثر من معجم، و مدونة لغوية أو فقهية او تاريخية أو فلسفية و هكذا دواليك.
و الحال هذه تنسحب على معجم، أو لغة القصيدة الشعبية فهي إن كانت في جذورها الاصلي عربية فاليقين أنها في توظيفها الذي لا يخضع للنمطية التقعيدية النحوية و الصرفية العربية يخرجها عن ذلك الجذر المحدد بصرامة في تلك النمطية، يضاف إليها معجم المحلية الموجود بنسب متفاوتة تتعلق بالمكان و تعابير اصطلاحية، و صياغات فرضتها احداث أو تعاملات أو سلوكات معينة تخص المنطقة في حدود جغرافية معينة. فلغة الديوان هذه المتسمة بما تقدم كانت الآلية التي أنتج بها مضمون ديوانه و هو مضمون مكرر في جله إذ أنه لا يخرج إلا نادرا جدا عن مديح شيوخ الطرق الصوفية أو و في قلة عن شخصيات إسلامية و في النادر الأندر نجد نصا عن حادثة تمت في محافظة الشرطة الفرنسية تتعلق بابنة المحافظ على ما يذكر و ما سببته للسكان من ملاحقة و سجن و تعذيب، إلى الرثى و الوصف و التكسب و التضرع و الدعاء.
فمضمون شعره في كل الاحوال صورة معبرة مضمونا و معجما و فكرا و تشكيلا عن ثقافة عصره و قضاياه و اهتمامات اهله و بخاصة ما تعلق منها بالبحث عن المخلص من الأوضاع المزرية التي كانوا يعيشونها آنذاك في كل المنطقة العربية و الاسلامية أيضا.
و شأنا اللغة و المضمون السابقين المتعلقين بالنص الفصيح يتقاطعان مع الوزن أو الايقاع إذ نلاحظ أن أشكال أوزانه و إيقاع شعره الشعبي إن كانت تلتقي مع مثيلاتها في أرجاء الوطن، و في أقطار عربية، فإن بعضها يظل محليا صرفا كذلك الذي يسمونه في المنطقة بـ " الرداسي ". إن مدونة كهذه، و اخذا منا بما عليه العالم الآن و ما ينبغي أن نكون عليه نحن كذلك في هذا العالم، أرى ان وضعها بين أيدي العموم، و الخاصة من الباحثين و المهتمين تعيينا يقودنا إلى تقديم حضور ابداعي فكري ثقافي له من الخصوصية، و الفرادة، و الجمالية المعبرة عن المتفاعلين مع مضمونها، و تشكيلها ما تساهم في تموقع تراثنا الند للند مع التراث الانساني. بل و قد يعتلي الصدارة على الأقل في جوانب منه، و هو ما لا أظن أن أي أصيل وطني لا يعنيه فعل ذلك خدمة للأمة و الوطن
و الله من وراء القصد
باتنة في 26/06/2012
د/العربي دحو