مطالعات و رؤى في عروض الشعر العربي و موسيقاه

بوح أرق
منذ ان اقتربت من القصيدة العربية، و من بحورها التي حددها الخليل بن أحمد كنت أتساءل دائما عن هذا الأنسياب الذي كان يسري في النفس مع قراءة هذه القصيدة، و لما كانت صلتي بها في الطفولة محدودة بالقصيدة الجاهلية و بالأخص القصيدة العنترية، و بالأنشودة الوطنية لكون الظروف التي بدأت فيها دراستي تطلبت ذلك، كان علي أن أندهش حين اتصلت بالقصيدة المعاصرة، و كان علي كذلك أن احدد موقفي مما شببت عليه في البداية، و مما أقرأه بعد ذلك في الصحف و المجلات، و الدواوين الشعرية المختلفة. فكان انسياب الأمس أول الأمر جدولي الذي جريت على شاطئه، فكانت محاولتي الشعرية الأولى دائرة في دائرة الخليل، ثم تلاها بعض التسلل عن هذه الدائرة، الأمر الذي قادني إلى خوض معارك أدبية عديدة بلغت ذروتها في السنوات 1974/1973/1972 و غيرها مع عدد من شعراء القصيدة الحرة، منهم الشاعر العراقي (طالب محمد طالب)، و (أحمد حمدي)، و (حديبي) و آخرين لا اتذكرهم اذ كنت و هؤلاء على طرف نقيض بحيث كنت أرى - و لم أزل - أن الأصالة هي السمة الممتازة التي تميزت بها القصيدة العربية، بينما كانوا هؤلاء عكس ذلك تماما، إذ سعوا لتجريد القصيدة العريبة من خصوصيتها الأصولية، و حاولوا البناء على الماء في بعض الأحيان - و ان تعقلوا - على الرمل و هذا عندهم نادر جدا.
نعكس على آرائنا، و اتجاهاتنا، و أمانينا، و لعل اختلاف نظرتنا الى الثورة الجزائرية هو الذي أدى الى الاختلاف في تحديدنا للتجديد و معناه، و حاجتنا اليه أو عدمها.
و كوني واحدا من الذين ذاقوا مرارة حرب التحرير و شرفها كنت أعرف معنى الاستقلال، و معنى الثورة، لذلك كنت أحسب - و مازلت - أن أي انحراف عن اصالة الثورة الجزائرية سيؤدي بها الى الضياع، و من عرف ثورتنا و تضحياتها، و قيمها، و مثلها، و كل خصوصياتها لا يسمح ابدا بمجرد الظن في تجاوزها، أو تجاوز أهلها و ما سنوه خلالها أبدا، و اذا قدر أن حدث ذلك فانه لا يتورع في استخدام كل الوسائل للقتال من أجلها، في حين رأى الطرف النقيض أن الثورة هي في التحول الجديد الذي تعرفه البلاد، و من ثم ينبغي تعرية الأمس و مكيجته في المحطات - ان اقتضى الأمر - بأي وافد حتى لو كان على حساب القيم و المثل و حساب الأرض و المجتمع بصورة عامة.
و من هنا جاء الاختلاف في الرؤى الفنية لتحديد نوع القصيدة الذي ينبغي أن يسود، و جاء الاختلاف كذلك نحو الانتماء الذي ينبغي أن ننتميه، و كل ذلك كان ضروريا في مرحلة كتلك و كان مغذيا - بكل صدق و موضوعية - لثقافتنا بعامة، و لحركتنا الأدبية بخاصة، و على الرغم من وجود قصور في النطرة من قبل البعض بحيث نظر الى العلاقات القائمة بيننا بمنظار الاختلاف الفكري المتباين بيننا، فنجم عن ذلك سوء تفاهم بيننا، و أصبح بعض من كان يشرف على الصفحات الثقافية في الصحف، او في البرامج الاذاعية و التلفزية يحاصر الطرف الذي يناقضه، بحيث وصلتني رسائل - و ما زالت في صورتي - من قراء، و كتاب عديدين يشتكون فيها عدم نشر آرائهم بخصوص هذه القضايا التي كان الصراع فيه بيننا على اشده، و هذه الظاهرة بين قوسين ما تزال الى اليوم، و يكفي أن نقرأ جريدة وطنية للتأكد من حقيقتها بحيث نجد اليسار الذي يرأس أعضاؤه الأقسام الثقافية لا يقدم الا ثقافته الهزلية السخيفة في كثير من الاحيان، و التي تضرب مقومات الشعب، و تضحي بكل ما استمات من اجله عشرات القرون، بيد أني لا أذهب بعيدا إذا قلت أن احد هؤلاء حين عجز عن الرد في يوم من الأيام استعدى على رئيس تحرير جريدة معينة فهددني هذا الاخير اذا لم التزم الصمت بافتراء تهمة من التهم حتى يسكتني على الاقل و ذاك مبتغاه هو و امنيته.
الطيش الذي نسجله في ساحتنا الشعرية بالخصوص بين الحين و الآخر، و سوف يتبعه القسم الثاني الذي سيتناول مظاهر التشكيل الموسيقى للقصيدة المعاصرة، ووجهة نظر الدراسات التي تولت القيام بهذه المهمة، و سوف ترينا تلك ركاما من المتناقضات التي لا يربطها رابط. و لا تجمعها قرابة من قريب أو بعيد.
و بذلك أكون قد أضفت الصوت الجزائري الى الصوت العربي و الانساني في مثل هذه الدراسات التي يهوب منها الكثير لصعوبتها و الجهود التي تتطلبها.
و الله اسأل التوفيق و النجاح فهو نعم المولى و نعم النصير
* تنويه: لقد الزمتني أعمال آخرى اكثر الحاحا لتعلقها بالتأطير في الجامعة و انجاز اعمال من صميم برنامجها العلمي و الفكري و الثقافي في المجالات الغائبة تأليفا عندنا، و التي تستدعي وضع لبنات لتغطية ذلك الغياب أو الفراغ، ما جعل انجاز القسمين المعلن عنهما في المقدمة يسيران سير السلحفاة، و لكن لم أتخل عنهما، و كما أشرت في نهاية هذا العمل فإن شيئا من ذلك أنجز، وبعضه نشر في الكتابين المذكورين هنا، و شيء من ذلك نشر كذلك في كتب أخرى لي ككتاب « مقاربات في ديوان العرب الجزائري » و « الأدب العربي في المغرب العربي … » يمكن للراغبين الاستفادة منهما العودة اليهما و على الله قصد السبيل.
المؤلف
أ- في موسيقى الشعر ومعناها
يبدو هذا المصطلح «موسيقى الشعر» بمعناه المعاصر و « علم العروض والقوافي » بمعناه القديم من المصطلحات التي التفتت إليها الدراسات العربية، وغير العربية منذ القديم، أي منذ عرف المجتمع العربي التدوين وربما قبله.
، أو عروض، ولا وجود لعروض بدون شعر، يعني أن هذه المعادلة متبادلة الطرفين، فعندما نقول « الشعر » نعني الثنائية التي تعرفها الدراسات النقدية العربية القديمة، في «اللفظ»، و «المعنى»، أي «المادة»، و «القالب» بالنسبة للمفهوم القديم العروضي للشعر العربي، بينما حين نقول موسيقى الشعر بالمفهوم الحديث فإننا نعني عروض الخليل حقيقة - كماهي في القديم - ونعني شيئا آخر غيره - كما سيتضح في أوانه -
إذن، فموسيقى الشعر، أو العروض الذي سنستخدمه أكثر في هذه البداية هي في الحقيقة هيكل النص الشعري بالمفهوم الثنائي الآنف، وهو الهيكل والدم والحياة. أي « الهيكل » و « الروح » بالمفهوم الذي تتبناه المدارس المعاصرة.
وهذا معناه ببساطة أننا - ومهما حاولنا - وضع تعريف لمصطلح الموسيقى أو العروض فإننا لا نبتعد كثيرا عما قاله غيرنا، بل لا نخرج من الدائرة المشعة التي يدورون في فلكها.
 » المعزوفة على الأوتار، والتي تكونها مفاتيح معينة - نلتقي معها في موضعها - بينما نسمع أسماء أخرى عندما نستعمل مصطلح العروض، ونحاول فك أوزان بحوره، نسمع « المقطع »، أو « المقاطع »، و « النواة » - حديثا - و « المتحرك » و « الساكن »، و « الأسباب »، و « الأوتاد »، و « الفاصلة » وغيرها من التسميات التي تكون طرفي المحور في المصطلح المعاصر « الوزن » و « الإيقاع »، والذي نجد الصمت عن تحديد معنيهما قائما زمنا طويلا.
فنرى في البيت الشعري العربي الكامل « الإيقاع » و « الوزن » معا، ومن ثم نجد تناوب المصطلحات عن بعضهما البعض، أو تطوير تسميتهما بحسب العصر وما تقتضيه ظروفه، وحياة أهله.
ولعل انهيار الحدود بين الثقافات في العصر الحديث، والشعوب هو الذي أدى إلى هذا التزاحم بين المصطلحات التي توقعنا في الحيرة عندما نريد تحديد معانيها واختيار أفضلها، ناهيك عن الحماس الذي نتميز به لتبني أي جديد غربي يظهر في الساحة حتى كدنا نفقد كل الإتصالات مع تراثنا الذي نجده في كثير من الأحيان يغنينا عن المصطلحات الغربية الوافدة.
هنا نلتقي مع « المضافين » المشكلين لعنواننا « موسيقى الشعر » من خلال بعض التعريفات التي حاولت أن تقول شيئا عن تعانقهما هذا التام، أو عن تكملة ذات كل منهما لدرجة أننا لا نجد حضور ذات إحداهما دون ذات الآخر - كما قدمنا -
وإذا كانت وجهتنا تقف عند موسيقى الشعر العربي، فإننا بين الحين والآخر نستعين بآراء غير عربية. وخاصة حين نجد تلاقي هذا الفن في نقطة تعنينا عند كل شعوب الأرض أو أغلبها.
لقد حاول أجدادنا العرب وضع تعريف للشعر، وحاولوا الوقوف على الأسباب التي مكنت أشخاصا دون سواهم من قول الشعر فقالوا في ذلك الكثير سواء في تعريف الشعر، أو في تفسير تخصيص أشخاص دون سواهم بقول الشعر، ثم حتى تفاوت هؤلاء الشعراء وتمايزهم بالرغم من أنهم يأتون فنا واحدا، وقد يأتون موضوعا واحدا في زمن واحد.
ومن التعريفات ذات الإتصال بما نرمي إلى إثارته، قولهم « الشعر قول موزون مقفى دال على معنى.. » (1) وقالوا: « الشاعر من شعر يشعر شعرا فهو شاعر، والشعر المصدر ونظيره الكافل.. ولايستحق الشاعر هذا الإسم حتى يأتي بما لا يشعر به غيره.. » (2). وأما المعري فقال: « وأما الأشعار، فإني لم أسمع بهذه الكلمة قط إلا الساعة، فقلت الأشعار جمع شعر، والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط إن بان أو نقص أبانه الحسن » (3).
وجاء في صحيفة (بشر بن المعتمر): «  ومما يفضل به الشعر أن الألحان التي هي اللذات إذا سمعها ذوو القرائح الصافية والأنفس اللطيفة لا تتهيأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر فهو لها بمنزلة المادة القابلة لصورها الشريفة، إلا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطط فيه الألفاظ، فالألحان منظومة، والألفاظ منثورة » (4).
وقال الأخطل في الغرض:
« إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد ليلا »(5)
ويمكن أن نجد تعريفات عديدة لا حصر لها، ولكن هذه تكفينا بصورتها القديمة التي تحدثت عن الشعر، والتي بدت لنا في المقولة الأولى أن لا شعر بدون وزن، وأن الوزن هو الفاصل بين الشعر وغيره من الأجناس القولية الأخرى، ومن ثم فإن تعريف الشاعر في الرأي الثاني يوحي لنا أن الشاعر لا يكون شاعرا ما لم يكن الكلام الموزون الذي تقبله الغريزة، مؤيدا بهذا القبول جانب التكامل الإيقاعي الذي يقوم على التفعيلة كأساس للوزن الذي يكون وحدته الأساسية البيت الشعري بمساحته المكانية الأفقية، أو مدته الزمنية في القطعة أو المقطوعة والمقطعة والقصيدة على السواء. كما يفصل (بشر بن المعتمر) في قضيتي « الوزن » و « الإيقاع » بدقة عن طريقة المقارنة الدقيقة التي أقامها بين إيقاع ووزن الشعر العربي وإيقاع الأشعار الفارسية.
بعبارة أخرى لقد كان الوزن العروضي لصيقا بالقصيدة العربية، وكانت تعريفات الشعر لدى هؤلاء منطلقة من هذه الخصوصية التي لا تلازمه فحسب، ولكن ميزته عن بقية أشعار الشعوب الأخرى المجاورة لشبه الجزيرة العربية منطلق هذه الأشعار ومهد نشأتها الأولى.
ومع ذلك فإننا نجد من الغربيين من يواكب الأفكار العربية هذه، بل نجد بعضهم يبالغ في قضية الوزن حتى عده كل شيء، أي اعتبر الشعر هو الوزن حتى إن لم يكن الكلام الوارد على أعاريضه وأضربه ومقاطعه ذا معنى، حين يقول بعض هؤلاء:  « .. أي كلام موزون يسمى شعرا سواء كان جيدا أو رديئا » (6)
فإن اعتدلوا في مقولاتهم، وحاولوا المقارنة بين الفنون وتحديد علاقات بعضها ببعض ألحقوا الشعر بالموسيقى للصلة الموجودة بين الإثنين، ومما يؤثر في هذا المعنى عندهم رأي أحدهم القائل: « إن الفنون يعتدى بعضها على البعض » (7) مستخلصا ذلك من رأي (أرسطو) الذي أشار فيه إلى وجود أصل مشترك بين الشعر والموسيقى و الرسم (8)، بينما كان الرومان يقولون، « إن الشعراء ليسوا إلا مغنين يترنمون بأشعارهم ويغنون بها لأنفسهم، ولمن شاء أن يرددها بعدهم » (9)
ة منه، أما الرقص فعلى العكس من ذلك، فعلى الرغم من استخدامه نفس أجزاء الجسم وأعضائه التي تستخدم في المشي له نظام حركات هي غاية في ذاتها »(10).
من هذه الآراء المتفاوتة في أهميتها ودقتها ننتهي بالإتفاق مع (محمد غنيمي هلال) في قوله: « فكان الشعر لغة الكمان الأول، ولغة الفلاسفة والمشرعين الأول، وهم معلمو الإنسانية في قديم عصورها، وكانت للشعر صبغته الميتافيزقية التي تربطه بعالم غيبي أسطوري. وفي اليونان كان الشعر يوقع على نغمات العود، كما ارتبطت المسرحيات عندهم بأناشيد الجوقة، فكان الشعراء يهدون قومهم بالخيال والعاطفة إلى الحكمة. في طريق محلى بالزهور والنغمات » (11).
إن هذه النظرة إلى الشعر من خلال اللفتة التي وصفت بلغة « الكهنة »، أو « الكهان » عند اليونان، والتي عرف مثيلها عند العرب فيما أسموه « سجع الكهان »، والذي نفر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد محدثيه عندما قصد إليه قصدا. والتي تمتاز بالإيقاع الموسيقي. الذي يوصلها أحيانا إلى سلسلة من التفعيلات العروضية التي تحقق بيتا شعريا كاملا، أو مشطورا، أو منهوكا لإطراب السامع ووضعه تحت مؤثر الشعر أو الألحان حتى يفقد وعيه هو الذي أباح لنا القول عن لغة الشعر الأولى لغة « الكهنة » أو « الكهان ». ونقول لذلك أن الإيقاع ثم الوزن قد رافقا نشأة الشعر بل كان الأول ممهدا للثاني، والعكس هو الصحيح في ظننا. لهذا راحت كل التعريفات توازي بين كلمتي « الشعر » و « الوزن »، أو « الشعر » و « الموسيقى ». بل راحت تذيبهما في بعضهما البعض وتعتبرهما وجها واحدا لعملة واحدة، وإن طغى لون أحديهما عن نده في حالات معينة وأزمان معروفة. فكيف بعد ذلك عرف العرب موسيقى الشعر من خلال عروضهم، وماذا يعنون أولا بهذا المصطلح أو هذه العبارة « عروض » لغة واصطلاحا، ومتى ظهرت عندهم بالمعنيين معا؟
ب- العروض العربي
أ- معناه:
ترجع الكلمة العربية « عروض » إلى الأصل « عرض » الثلاثي، الذي جاء في اللسان في أكثر من تسع صفحات، مما يدل على كثرة معاني الكلمة، واستخدامها في البيئة العربية القديمة، وهذا يعني من ناحية أخرى أنه لا يمكن متابعة معاني الكلمة مهما حاولنا ذلك، لأننا - إن فعلنا - نبتعد عن اللب، والذي يعنينا هنا هو الجدل الذي أثير حول الكلمة التي منها اشتق الخليل مصطلحه، أو المعنى الذي رجحه عن بقية المعاني الأخرى، وأطلقه على ميزان الشعر العربي.
لقد تعرض لهذه النقطة من المعاصرين (كمال أبو ديب) في كتابه « فن البنية الإيقاعية للشعر العربي »، عندما حاول مناقشة بعض المستشرقين الذين اهتموا بهذا الموضوع، فقال: « لقد اقترحت تفسيرات عدة لهذا المصطلح، مايزال أكثرها دلالة تفسير بعض النحويين العرب القائل إن علم الأوزان سمي العروض لأن الشعر يعرض عليه. لكن بعض المستشرقين، على عادتهم في رؤية الجمل والخيمة في كل ما تنفس به العرب، أكدوا أن العروض اسم للناقة، أو أنها مشتقة من الخيمة متبعين في ذلك رأيا أبداه أحد النحاة على سبيل الإجتهاد. ومن المدهش أن أحدهم، (فايل) الذي ينصب نفسه حكما قاطعا في كل ما يتعلق بإيقاع الشعر العربي، لم يلق بالا إلى التفسير العربي المجمع عليه، بل تبنى ما تبناه مستشرق آخر هو (لين) (Lane) دون مبرر علمي إطلاقا… » (12)
ثم، وبعد، مناقشته للرأي ينسب إلى الخليل قوله: « والعروض: عروض الشعر، لأن الشعر يعرض عليه، ويجمع أعاريض، وهو فواصل الإنصاف.
والعروض تؤنث وتذكر جائز.
والعروض طريق في عرض الجبل، وهو ما اعترض في عرض الجبل في مضيق ويجمع عروض » (13).
والحقيقة أن المعاني التي عرضها (أبو ديب) نجدها في لسان العرب، كما أن المعاني التي نسبها في بحثه إلى المستشرقين (فايل)، و (لين) موجودة في اللسان أيضا، وهذا - بالضرورة - يعني الحيطة والحذر، لأن هذا الموضوع لم يخل أحيانا حتى من الخيال الذي يمكن أن نسميه شعبيا، من ذلك ما يقال عن صاحب العلم نفسه الذي قيل عنه أنه لم يكتشف هذا العلم إلا بعد أداء فريضة الحج، وهناك دعا الله أن يلهمه علما لم تكن تعرفه العرب من قبل، فكانت ثمرة الدعاء أن أجاب الله دعاءه وخصه دون العرب بهذا الإكتشاف المذهل، ومن ثمة سماه مكتشفه « العروض » تيمنا بمكة المكرمة التي تنعت بالإسم السابق أيضا وتيمنا بأحد أنهارها التي بها اهتدى الخليل إلى الإضاءة الأولى لاستنتاج البحور الشعرية العربية من الشعر العربي الذي تقدم عصره.
إلى جانب معاني مصطلحات أخرى اقتبسها الخليل من بيئته العربية كتلك المتصلة - فعلا - بالبيت الشعري، ومنها الفراغ الذي بين الصدر والعجز في البيت الشعري. والذي يمثل الستار الفاصل بين جانبي الخيمة عن صدرها باعتبار الأول خاصا بالنساء (الحريم) والآخر بالضيوف، كذلك ما أسماه بالأوتاد والأسباب، والتي نجدها كلها متصلة بالخيمة، وأيضا يتعلق ببعض الزحافات التي أخذت من حالة ووضعيات تخص الناقة العربية التي كانت رفيقة الخليل من قريب أو من بعيد.
كما أن صاحب اللسان يترك لنا في هذه النقطة مايلي:
« والعروض: عروض الشعر وهي فواصل أنصاف الشعر وهو آخر النصف الأول من البيت، أنثى، وكذلك عروض الجبل، وربما ذكرت، والجمع أعاريض على غير قياس، حكاه سيبويه، وسمي عروضا لأن الشعر يعرض عليه، فالنصف الأول عروض لأن الثاني يبنى على الأول والنصف الأخير الشطر، قال: ومنهم من يجعل العروض طرائق الشعر وعموده مثل الطويل يقول هو عروض واحد، واختلاف قوافيه يسمى ضروبا، قال ولكل مقال، قال أبو إسحاق: وإنما سمي وسط البيت من الشعر مبني في اللفظ على بناء البيت المسكون للعرب، فقوائم البيت من الكلام عروضه كما أن قوام البيت من الحزق العارضة التي في وسطه، فهي أقوى ما في البيت الخرق، فلذلك يجب أن تكون العروض أقوى من الضرب… والعروض ميزان الشعر لأنه يعارض بها، وهي مؤنثة ولا تجمع لأنها اسم جنس » (14). إن هذه المعاني سواء منها التي أكد صحتها « أبو ديب » والتي تعني « عروض الشعر لأن الشعر يعرض عليه »، أو تعني ما ذهب إليه المستشرقون من اتصالها بالناقة أو بالخيمة أو تعني غير ذلك (المكان) فإن العبرة عندنا ليست في أي المعاني يريد الخليل، أو في أن المستشرقين بما ذهبوا إليه قد أنقصوا من قيمة العرب، أو من ثقافتهم كما يستشف ذلك من عبارة (أبو ديب) في الفقرة السابقة - ولكن العبرة في هذا العقل الجبار الذي مكن الخليل ليس من الوصول إلى هذا العلم - فحسب - بل ومن استمداد مصطلحاته من بيئته العربية الأصيلة بالرغم من صلته بالنغم الموسيقي، واتصال مجتمعه آنذاك بمجتمعات أخرى، وظهور بصمات من ثقافة هذه المجتمعات على الثقافة العربية. وهذا في - اعتقادنا - قد خدم الخليل والثقافة العربية من حيث درى أو لم يدر المستشرقون الذين لا نجزم بما وراء نواياهم ما دمنا لم نقرأ كل ما قالوه في الموضوع، إذ العجب الذي كنا سنسجله عن هؤلاء كان يكون لو قالوا غير ذلك، والإندهاش الذي كان سيقع لنا كان يمكن أن يتم لو لم تكن المعاني المتقدمة هي التي قصدها الخليل، وجاءنا بمثل ما نراه اليوم في ساحتنا الأدبية من أمثال ما نراه عند (أبي ديب) نفسه من حروف أبجدية لاتينية، ومن عبارات أعجمية بقصها وقضيتها وهو يحاول تنظيرا جديدا لإيقاع البنية الشعرية العربية. فيا رب عذر أقبح من ذنب. أو كما جاء في الأثر العربي.
الاحالات
-1 قدامة بن جعفر/ نقد الشعر/ تحقيق وتعليق الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي/ ط1/ مكتبة الكليات الأزهرية/ القاهرة 1980. ص 53. وابن فاس في المرجع التالي/ ص120.
-2 د. محمد بدوي المختون/ نظرة القدماء إلى الناحية الصوتية في علمي العروض والقافية/ الثقافة/ العدد الأول أكتوبر 1973 وزارة الثقافة المصرية/ القاهرة/ ص 120.
-3 أبو العلاء المعري/ نقلا عن المرجع السابق الصفحة نفسها.
4- صحيفة بشر بن المعتمر/ نقلا عن المرجع نفسه/ ص 120.
5- المتقدم نفسه.
6- نفسه/ ص124-123. وكذلك أحمد أمين في النقد الأدبي/ ج1/ ط3/ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1963. ص67.64.63.
7- محمد بدوي/ المرجع السابق/ ص114 وأيضا إحسان عباس/ فن الشعر/ ط3/ دار الثقافة بيروت، لبنان/ ص13.
8- إحسان عباس/ الصفحة نفسها.
9- أحمد أمين في العنوان السابق، وأنظر د. أحمد عثمان/ الشعر الإغريقي تراثا إنسانيا وعالميا/ سلسلة عالم المعرفة/ الكويت/ مايو 1984/ ص19.18.17.16.
10- فاليري (الشاعر) نقلا عن النقد الأدبي الحديث/ د. محمد غنيمي هلال/ دار نهضة مصر/ القاهرة/ 1973/ ص 381.380.
11- نفسه/ ص/ 366.365.
12- د. كمال أبو ديب/ في البنية الإيقاعية للشعر العربي/ دار العلم للملايين/ بيروت/ ط2/ 1981/ ص27.26 وما بعدهما.
13- نفسه، والصفحات ذاتها.
14- ابن منظور/ لسان العرب/ مادة عرض/ مج2.