تأملات ودروس في القرآن الكريم وعلومه

إهداء
إلى روحي والدي الكريمين طيب الله ثراهما، وأسكنهما فسيح جناته في أعلى عليين مع الأنبياء والصدقين والشهداء والصالحين...
إليهما عرفانا بما خصاني به من رعاية، وما قدماه من تضحيات في سبيل تعليمي وتربيتي تربية مثلى، وما حرما منه نفسيهما من أي متاع مهما كانت حاجتهما إليه حتى أحفظ كتاب الله، وأكون شيئا مفيدا لنفسي ولهما وللأمة في الحياتين.
إلى روحيهما وقد بلغت شيئا مما تمنياه وعداني له أهدي هذه الثمرة المتصلة بكتاب الله التي هي جهد قصور وليس جهد مقصر عساها تنفعهم عنده تعالى فيجزيهم عني خير الجزاء، وتشفع لي في كل تقصير حدث مني نحوهما، وقد كنت وأبقى أبدا راعيا فيهما قوله سبحانه "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا"
ابنكما البار بإذنه تعالى العربي
باتنة في: 09/02/2015
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
يمكن للإنسان حين يود الإقبال على أي عمل ثقافي، أو علمي، أو فني، أو كان ما كان، يمكنه أن ينطلق بطمأنينة مطلقة ليقينه أن ما أقبل عليه ليس له من القداسة إلا النزر اليسير، فهو لذلك مقتنع أن ما يتعرض له عمله الذي ينجزه من مد وجزر هو من صميم طبيعة الأشياء، لأنه أساسا، وأولا، وآخرا من عمل الإنسان.
أما أن يقبل على تناول أي شيء من كتاب الله وهو مؤمن به، مصدق لما فيه فهو يعني أنه مقبل على كتاب خص به الله الإنسانية جمعاء، واحتضنته تحديدا أمة تسمى الأمة الإسلامية. ما يعني أنه آت مجموعة من القدسيات من جهة، وآت ما لا يمكن لأي عقل بشري كان أن يستوعبه بحال من الأحوال من جهة أخرى.
لهذا ظلت هذه الصفحات في موضوعها مؤرشفة في مكتبتي مع أنها منجزة منذ أمد رهبة من صاحبها أن لا تكون جديرة بوضعها بين أيدي الناس ينشرها في وسطهم، لأن ما أوتي من العلم في حقلها إلا ما لا يكاد يذكر من جهة، ولأنه كان متمنيا أن تكون متناولة لموضوعات أخرى ولضغط ظروف ملحة في مجالات غيرها ظلت تنتظر، وكانت تبقى تنتظر ربما إلى ما لا نهاية من جهة أخرى.
ولأن قضاء الله وقدره لا يدري الإنسان ماذا يقرران له حتى يجد نفسه منهمكا على فعل شيء، أو الإباحة به ونشره إن كان جاهزا، وهذه حال هذه الصفحات بعد طول الإنتظار غير أن عيني الزميلة الدكتورة (حورية رواق) وقعت عليها مخطوطة فأشارت علي بنشرها لأن فيها ما يفيد العام، وبخاصة الطلبة والمشتغلين بالتدريس، وظلت تراجعني في الأمر حتى ألغيت تحفظاتي السابقة، لأنها وهي أستاذة جامعية واعية لما تقول. انتهى بي الأمر إلى إخراجها بصورتها التي عليها ومن يدري أني أعود إليها يوما لاستكمال رغبتي في أن تكون أوسع مما هي عليه الآن.
وأملي بعد هذا أن يجد الجهد موقعا ضمن جهودي الأخرى، وجهود من تقدمني في الموضوع ومكانة لدى المتلقي ينال بها من أهديته له جزاء خيرا عند الله سبحانه وتعالى، إنه سميع مجيب، فهو نعم المولى ونعم النصير. وإني مقر مطلقا أن ما أنتظره لا يتجاوز أجر المجتهد غير المصيب على الأقل بإذنه تعالى.
باتنة في: 10/02/2015
التفكير في القرآن الكريم
حين نلقي نظرة على العصر الحديث، ونحاول متابعة جهود باحثين في مجتمعنا الإسلامي بخصوص ما يتعلق بالجانب الفكري في هذه المجتمعات، نجد أن الرواد من أجدادنا وآبائنا قد أعطوا الكثير مما يكن إعطاؤه من قبلهم في زمانهم، وإذا عدنا إلى تسجيل خطواتنا نحن اليوم في هذا المجال، أو حاولنا ملاحظتها ــ على الأقل ــ في جامعاتنا ومختلف قطاعاتنا التعليمية والعلمية والتربوية، أصبنا بدهشة، ولو حاولنا تعليل ذلك لما انتهينا من قائمة الأسباب الطويلة التي يمكن أن نجمعها من تصريحات وآراء هؤلاء، وهي في الواقع لا تساوي شيئا بالنسبة لنا لأنها واهية من جهة، ودخيلة من جهة أخرى على مجتمعنا - وإن لم تكن كذلك ــ وكان بعضها نابعا من داخلنا فإنه لا يتجاوز من جهته دائرة المغالطات العديدة التي نسجلها في مختلف المجالات، والقطاعات عشية الاستقلال. والطفرة الاجتماعية التي أحدثها في مجتمعنا.
ومن هنا كانت حاجتنا في تصورنا ــ على الأقل ــ إلى تناول مثل هذه الموضوعات، والدعوة إلى العودة إلى الفكر ضرورية، عسانا نجعل الأجيال اللاحقة تستدرك ما أصاب جيلنا والجيل الذي تلانا من خمول فكري، وكسل علمي نستحق المحاكمة عليهما، ولعل تناول الموضوع "الفكر" من مصدر خالد هو كتاب الله له أكثر من دلالة، منها أن ما ورد فيه بخصوص هذه النقطة كان شاملا جامعا، ومنها اقرارية شرعية التفكير، بل وجوب إعمال التفكير من قبل الإنسان في المجالات التي يستطيع تناولها وغشوها والتعامل معها، والعمل فيها. ومنها أنها المرجعية المطلقة الصحيحة التي ينبغي أن تستلهم في كل البحوث التي تخص هذه النقطة. وأخيرا حب صاحب هذا الجهد للقرآن واتجاهه إلى دراسة بعض الموضوعات التي يرى أنها لم تدرس، أو لم يطلع على ما كتب بشأنها.
هذه تكاد تكون الأسباب التي دفعتني إلى تناول هذا الموضوع الذي حين جئته، وحاولت ضبط الآيات التي وردت فيها صيغة "التفكير" بصفة من الصفات أو حالة من الحالات اجتمعت لدي ثلاث عشرة كلمات أو آية وردت فيها كلمة التفكير في سور مختلفة ــ كما سيتضح فيما بعد ــ بصيغ مختلفة، وأظنها الكلمات الواردة في القرآن بهذا المعنى، وقد اقتصرت عنها دون سواها تحديدا للموضوع بدقة متناهية، وضبطا لمنهج الدراسة حتى لا تتشعب المجالات التي تعطيها معاني أخرى متصلة بالمحور الرئيسي، والتي منها "التدبر" وكلمات أخرى ذات صلة من قريب أو بعيد.
إذن، فالسبب الذي جعلني أقتصر على معنى واحد، بل صيغة واحدة له ما يبرره في وجهة نظرنا، فإذا جئنا العدد السابق من الآيات التي وردت فيها عبارة "التفكير" بصيغة من الصيغ، تجلى لنا بسرعة أنها في أغلبها ترد في صيغة المضارع، وتتوزع على المخاطب والغائب، وتأخذ أشكال الجمع دون المفرد الذي لم ترد بصيغته إلا مرة واحدة بسبب اقتضى ورودها كذلك ــ كما وضح لنا سبب نزول تلك الآية ذلك ــ كما سيأتي .
وإذا كنا قد أعطينا الجانب الإحصائي للآيات أهمية، وكشفنا الغطاء عن المناخ الذي سنعيشه في هذا الجهد، فإننا نضطر قبل استعراض هذه الآيات، ومدلولاتها التي أدتها بخصوص هذه النقطة إلى قول شيء عن معنى الفكر كما يعرفه اللغويون والباحثون حتى تكون الصورة واضحة لدينا أكثر وسنتطيع ربط الصلة بين المعاني التي تفسر بها كلمة "فكر" والمعاني التي وردت في هذه الآيات .
معنى الفكر في المعاجم
يعطينا صاحب اللسان فقرة وجيزة عن هذه الكلمة نوردها كما في الأسطر التالية، تقول هذه الفقرة:
"فكر: الفكر: والفكر: إعمال الخاطر في الشيء، قال سيبويه: ولا يجمع الفكر ولا العلم ولا النظر، قال: قد حكى ابن دريد في جمعه أفكارا. والفكرة : كالفكر، قال الجوهري: التفكر التأمل، والإسم الفكر والفكرة والمصدر الفكر، بالفتح. قال يعقوب: يقول: ليس لي في هذا الأمر فكر أي ليس لي فيه حاجة، قال: والفتح فيه أفصح من الكسر"(1).
أما مراد وهبه ومن شاركه في "المعجم الفلسفي" فإنه يعطينا مجموعة من التعاريف التي أخذها عن ابن سينا، وكانط، وبيران، وأفلاطون، وفي المذهب التصوري، و"فوي" وغيرهم من الفلاسفة. وقد وجدنا أن المعاني التي حاولوا إعطائها للفكر تتفرع إلى جملة من التعريفات منها استحضار ما ليس حاضرا في الذهن، وهي قوة نقدية للأحكام"، أو "ربط الظاهر بالمعرفة"، أو "قوة "داركة ترد الكثرة إلى الوحدة"، أو "تصور ذهني" وهو أنواع منه ما يتصل بالفكر الغريزي، وبالفكرة الحادثة الناتجة عن مناسبة نتجت عن حركات واردة على الحواس من الخارج، كاللون والطعم والصوت والرائحة. ومنها كذلك ما عبروا عنه بأفكار النطق والتي اعتبرها كانط:"قوة دراكة حاصلة على أفكار ثلاث ترد إليها جميع المعارف فتحقق الوحدة التامة في الفكر، هذه الأفكار هي: "العالم والنفس والله"(2).
وفي المعجم الأدبي نجد تعريفات قريبة من هذه، ومن أمثلتها أن الفكر: "استعداد عقلي يعين على المحاكمة والتأمل والتمييز" فهو: "ذهن، ونظر، وروية". وبمعنى آخر هو: "عمل الذهن وتوارد المعاني فيه. فتأمل الحكيم، واستدلال العالم وهواجس المراهق، وردات الفعل النفسية والحركية هي كلها من حيز الفكر الغاية الأساسية منها تكييف المرء حسب الواقع"(3). إلخ....
ب ــ في القرآن الكريم:
أما في القرآن الكريم الذي هو وجهتنا الأساسية فإننا وإنطلاقا من هذا التعريف الأخير، ومن الجملة الأخيرة التي تقول: "تكييف المرء حسب الواقع". نلتقي مع قول الله سبحانه وتعالى: "إنه فكر وقدر" لنجد الصلة التامة بين التعريف السابق وبينها بل لنجد الدقة المتناهية في نقل وتسجيل كل ما يتصل بالفكر، وصاحبه، وغايته، وأوان التفكير في الكلمتين القرآنيتين الكريمتين: "فكر وقدر"، بصيغة الماضي للإنباء بواقع جرى، وحادث وقع، وموقف تم، هذا الحادث، أو هذا الواقع، وهذا الموقف هو الذي أجمعت كتب التفاسير على صاحبه، والسبب الذي قاده إلى التفكير، والنتيجة التي انتهى إليها، ولنترك الإمام القرطني رحمه الله، ورضي الله عنه يوجز لنا في عرض شيق أنيق كل ذلك في تفسيره حيث يقول:
"إنه فكر وقدر" يعني الوليد فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، و"قدر" أي هيأ الكلام في نفسه،... وذلك أنه لما نزل: "حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم" إلى قوله: "إليه المصير" سمعه الوليد يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، و إن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صبا الوليد لتصبون قريش كلها. وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فمضى إليه حزينا؟ فقال له: مالي أراك حزينا، فقال له: ومالي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد. وتدخل على ابن أبي كبشة وابن قحافة لتنال من فضل طعامها، فغضب الوليد وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه، فأنتم تعرفون قدر مالي، واللات والعزى مالي بحاجة إلى ذلك، وإنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمزن أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا لا والله.... فقالت قريش للوليد فما هو؟ ففكر في نفسه، ثم نظر، ثم عبس، فقال ما هو إلا ساحر ! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟؟ فذلك قوله تعالى: "إنه فكر" أي في أمر محمد والقرآن "وقدر" في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما"(4).
هذه القصة التي حددت سبب نزول الآية، ووردت فيها عبارة "فكر" بصغة الماضي أعطتنا تعريف التفكير، وحتى الفكر بالمفاهيم الإصطلاحية العلمية المعاصرة، إذ من خلالها عرفنا المحاور الثلاثة التي حددها (كانط) فيما عرفه بـ "المنطق" والتي تمثلت في "العالم والنفس والله". بيد أن الآية أعطت محور الفكر، أو مبدع الفكر الذي يمثله الإنسان بكل خصائصه وتكوينه، وقدمت الدافع إلى إعمال الفكر. والحوار الذي يؤدي في النهاية إلى النتيجة أو الاستنتاج. أي أنه يمكن لنا أن نشكل المعادلة المتسلسلة الآتية من الآية والقصة التي جاءت عنها فنجد : ــ المنطلق ــ التجدد أو التولد الناجم عن المنطق، وسبب ذلك، والإستجابة أو الرد عن السبب بالسلب أو الإيجاب، ثم النهاية بمعنى آخر وجدنا الفكرة، والعقل والفكر الذي يعني هنا التأمل، والبرهان.
هذا إن وجهنا دراستنا الوجهة الفلسفية بمفاهيمها ومعانيها الحديثة وذلك لم نقصد إليه منذ الآن بعد ما حددنا الإطار الذي يمكن أن تقدمه العلوم الحديثة لفهم كتاب الله في ضوء تطور هذا العلم.
أما وجهتنا كما حددناها فتخص معنى الفكر أو التفكير في القرآن الكريم، لهذا نعود إلى الآية لنرى أنها دلت عن حالة نفسية مرضية منحرفة، هذه الحالة التي كان صاحبها عندما ترك الفطرة تسير وفق طبيعتها ونقائها تحدد دائرة حقيقية مشرقة ناصعة، إذ نفت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما وسم به، ولما تدخلت العقلية "الجاهلة" أو بدت في الدائرة السحابة المعكرة التي مثلتها شخصية "أبي جهل" انطفت شعلة الفطرة، وحل محلها الظلام، ومن ثم تراجعت الفكرة الفاعلة المضيئة أمام فعل التأثر الخارجي الذي كان بمثابة نفس قوي أتى على ضوء الشمعة المتقدة، ثم تبعتها دعوى جديدة وتهمة أخرى مستدل عليها بواقع نجم عن العقيدة الجديدة التي تحملها رسالة الإسلام، وبذلك أعطانا القرآن النموذج الحقيقي الذي يتميز بكل مميزات ومقومات الإنسان فالتقى هذا النموذج مع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "يولد الولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
ومن هنا نستطيع أن نفتح النوافذ على بقية الآيات التي نجدها متمحورة حول سياق مثل لكشف الحجب عن بصائر العمي والقلوب المتحجرة كما في مثل قوله تعالى: "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمله عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" (الأعراف 176).
حيث أعطانا صورة المتعلق بالدنيا الرافض للقيم الروحية المتجاوز لدعوة الله، أو المحرف لها فدلنا على أن النموذج الذي من هذا الصنف والقبيل يدعو العقلاء إلى تأمل حاله ووضعه، ويلزم على تجاوزه، والظهور في غير صورته، ورفض سلوكه، فهو لصيق الأرض كأنه مشلول لا يستطيع الحركة، ومن هنا كانت جمعية العلماء تعتبر الطرقية ضربا من الشلل لأنها تعطل الفكر. أو هو كالكلب الذي يلهث في كل الأحوال قائما أو قاعدا ظمآنا أو مرويا، جاريا أو ماشيا. إن هذا النموذج الموسوم بهذه الصفة الذميمة إنما أتته هذه الصفة من تكذيبها لآيات الله. هذه الآيات التي عندما تتؤمل تعطى للإنسان طريقة في حياته إلى الدنيا وإلى الآخرة، وأول الطريقين. بل وبداية الطريقين الإيمان بآيات الله المنتشرة في كل مكان، والتي تبدأ من خلق الإنسان نفسه، وهيكله ذاته.
إن القرآن الكريم في المواطن التي دعا فيها إلى التفكير كان دائما يقدم للمدعوين ما يمكن أن يكون في متناولهم عن طريقة التأمل، أو المشاهدة، أو التذوق، أو التمتع والإستمتاع، وإذا عمم أكثر عمد إلى ضرب المثل، أو إلى الدل عن آيات الله، وهكذا نجد إلى جانب المثل السابق الذي حكى حالة شخص شابهه في ذلك كل من حذا حذوه، والذي قدمه في القرآن للمخاطبين من المشاركين على أساس نموذجيته في القصص القرآني الذي يقصد به الإتعاظ والإعتبار إلى جانب ذلك نجد المثل الآخر الذي يتناول الكون كله في الآية: "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ياكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون"(يونس 24).
إن الإنسان هنا أمام حقيقته في هذه الحياة، فهو بتفكيره الثاقب يصل إلى الآيات التي ذكرتها الآيات، فالأرض واحدة في أنحاء العالم والماء المنزل من السماء يسلك السبيل نفسه في كافة المعمورة، كما أن ما يعطيه الماء والتراب من زينة، ومن ثمرات حتى تستنير نفس صاحبها في أية نقطة في خارطة الوجود، فيتصور أنه بلغ الهدف المنشود، ويعتقد أن الأكلة قد نضجت واللوحة الفنية الطبيعية الجميلة في حقله. أو روضة قد اكتملت، فإذا به بفاجأ بحكم الله: "أتاها أمرنا"، هذا الأمر الذي يأتي على الأخضر، واليابس لكي ينبه الإنسان إلى محدوديته أمام الخالق، وعجزه أمام قضائه وقدره، فيختار بعد تأمله في وسطه الذي يعيش فيه، يختار من موقعه الوسطي اتجاهه بنفسه. فيعزى ما حل بأرضه إلى الله، وهنا يأتيه الإيمان فيكون فكره بذلك مشرقا كما تقول الآية، أو يعزى الأمر إلى الطبيعة. ويلتمس الأعذار من وسائل شتى ليرخي العنان أمام نفسه الضالة فتعمق في تفكيره المظلم الذي لا يود مخالفة المألوف الذي ألفه في جاهليته، أو تبناه في ردته.
وأيا كان الأمر فقد دل على المنتفع بتفكيره حقيقة حين يعمله، ويتجاوز غطرسته، ذلك هو الذي يفكر في دورة الحياة، والتي تشبه الضيعة أو المزرعة كما وضحت ذلك الآية.
فإذا تجاوزنا محور المثل الذي سقنا شواهده في المثالين السابقين، التقينا مع محور آخر فكري، أو تفكيري، هو الذي يخص الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة الذي وصف بالشاعرية ــ كما تقدم ــ آنفا، ووصف بالجنون في أكثر من آية كما في قوله تعالى: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن أنا إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (سبأ الآية 46).
وفي قوله جلت قدرته: "أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين" (الأعراف، الآية 184).
الآيتان قريبتان من بعضهما، فهما تسدان الذريعة أمام المغترين بدعوتهم إلى التفكير الهادئ والإعتراف الحقيقي أي الطرفين ضال، وأيهما مصاب بالجنون، أو متعنت مغرور محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفوه بالجنون أم الرامي الذي يبدي ما لا يخفي في نفسه، "قل إنما أعظكم بواحدة..." أي أدعوكم إلى طلب الحق بإعمال الذهن إعمالا فرديا، أو أعمالا جماعيا، فأنا لا أدعوكم إلى حاجات شخصية، ولا إلى تحقيق رغبة ذاتية تهمني، وإنما أدعوكم إلى تشغيل الميزة الطبيعية التي ميز الله بها الإنسان عن بقية المخلوقات "الفكر"، ثم يجيبون إن كان صاحبكم مصابا حقا بالجنون: متى، وكيف، وأين، أو لم يكن في وسطكم ملقبا بالأمين، ومشهودا له بالصدق والأمانة والإخلاص، والعفة والوفاء، فأودعت عنده الأمانات، ودعي لحل كل الخلافات والنزاعات في المواقف العظيمة، واللحظات الحرجة، فكيف يصير بعد ذلك مجنونا؟.
الأمثل لكم أن تتفكروا فيه رسولا أمينا صادقا مبلغا لرسالته، فتقوموا ناشدين شهادة أن لا إله إلا الله، أو ناشدين القرآن الكريم الذي يجمع كل ما يخص الإيمان والإسلام ويتعلق بهما، ثم حكموا ودلوا على الجنون الذي بصاحبكم، أو على ما في القرآن الكريم مما ليس صالحا سليما؟.
هذا هو دور الفكر الذي يقود صاحبه إلى مصلحته، ويهديه إلى السعادة الحقة في الدارين، أو هذا ما يجب أن يكون عليه تفكير المخلوق أمام معجزات الخالق حتى يحس بالاكتمال الحقيقي الذي يظل يفتش عنه ما لم يهتد إلى الله الذي يعطيه تفسيرات لمعضلات الوجود والكون التي عجزت عن تفسيرها الفلسفات القديمة، أو حاولت الفلسفات الحديثة الإلحادية تحريفها، وتأويلها وفق الهوى المتبع من قبل أصحابها.
إن مجتمع الشرك في الجزيرة العربية الذي سول له تفكيره أن يوصف في الآية الثانية بأنه لم يفكر في صاحبه المرمي بالجنون، ولو فكر لما وصفه بذلك، ولما اتهمه بهذه التهمة، هذا المجتمع الذي قال ذلك آن قضى (صلى الله عليم وسلم) ليله فوق الصفا ينادي قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان... يا بني فلان حتى الصباح فقال عنه: مجنون، هو الذي نجد نظائره اليوم في جماعات وسط الأمية الإسلامية، وبالقطع هو الذي نجده في العرب حيث يحذو حذو ذلك المجتمع متخذا أسلوبا آخر يستخرجه وفق هواه من بعض الأحكام الفقهية، أو من جوانب من العقيدة الإسلامية كالطعن في الإسلام لكونه دينا يكرس الطبقية، أو يربي الدراويش إلى غير ذلك مما لا يسمح المقال بالإستطراد معه هنا.
والمحور الآخر المتعلق بشخصية الرسول (صلي الله عليه وسلم) هو ذلك الذي نجده يلزم فيه بالإتيان مما ليس مكلفا به من قبل الله، بقصد تعجيزه وإيقاعه في الحيرة والتساؤل، حيث يتدخل القرآن الكريم ليرد عن أصحاب هذا التفكير فيدعوهم إلى تأمل حقيقة الرسول كإنسان وكنبي يوحى إليه. ومن هذا القبيل قوله تعالى: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون"(الأنعام الآية: 50).
لقد جاءت الآية ردا عن سؤال أو رجاء ذكرته آية أخرى وهو المجسد في قوله تعالى: "ناقلا ما توفوهت به ألسنتهم: "لولا نزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر لكل قوم هاد"(الرعد الآية: 7). أي لو أتتنا آية من عنده حتى نؤمن به. فأوحى الله سبحانه وتعالى لنبيه بالآية: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله..." أي أني لا أملك قدراته حتى أجيب طلبكم. وألبي رغباتكم، كما أني لا أعلم الغيب حتى أنبئكم بما تودون، وأخبركم عما تسألون وتبحثون، كما أني لست ملكا حتى أكون كما تتوهمون بأني أحسن من البشر، فالذي تنشدونه لا يأتي ممن في موقفي لأني لا أتبع إلا ما يوحى إلي، وقد أدرك ذلك العقلاء ووعاه المستنيرون أما من انحرف واختار العمى فذلك لا يتجاوز ذاته المظلمة، ومحيطه المألوف الذي ورثه وصمم البقاء عليه كلفه ما كلفه من ضياع وتمزق.... " قل هل يستوي الأعمى والبصير.." أي هل ستوي الجاهل والعالم، أو المؤمن والكافر...؟
إنهما لا يستويان عند المفكرين إطلاقا، وعدم إستوائهم وتساويهم لا يسمح بطرح التساؤل هذا أبدا، ولا يفتح الباب أمام الظن والتخمين، إن المجتمع الذي سعى إلى هذا الجدل كله، وود آية من غير الآيات المألوفة في عهده وغير معروفة عند محمد هو نفسه المجتمع الذي يعرف أنه لا يتلقى الجواب السابق، لأنه يعرف أن صاحب الدعوة لم يكن يوما مراوغا، ولا مسوفا، أو مهرجا، أو واعدا بما ليس في إمكانه، فهو ــ وطوال حياته ــ لا يقول إلا الصدق، ولا يأتي إلا الصالح. ولا يعمل إلا المباح المشروع، ولا ينطق إلا الحق.... لهذا كان الأولى أن يكون التفكير هنا في هذه الجوانب حتى نجعلها الفائدة، وتقودنا في النهاية إلى استعاب دعوته، والإيمان برسالته، وبذلك تتقد البصيرة والبصر، و يضيئ الفكر، والعقل فلا يبقى أعمى، لا في هذه ولا في الأخرى.
لقد كانت هذه الآية عبارة عن صدمة فكرية، أو شحنة كهربائية هزت أعصاب المتسائلين الناشدين للآية التي ليست من إختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك تم التجاوز، والتحدي من يؤمن فلنفسه، ومن يكفر فلها، إن محمدا لا يملك غير ما كلف بتبليغه، وهو لذلك يسعى فمن اهتدى واقتنع فله ذلك، ومن أبى وتكبر وتجبر فله ما أراد، لكن عليه أن يعرف عاقبته عن طريق ما يذيعه محمد من كلام الله القرآن الكريم، أو من النتائج التي يتوصل إليها بفكره إذا أعمل فكره في نشدان الحقيقة كما صورها له القرآن الكريم.
فالرسول صلى الله عليه وسلم، إذن ، وحتى، الآن محكوم عليه في فكرهم وبتفكيرهم على أنه مجنون، أو أنه فقير لا يملك خلفية معجزة تعطيه ما يبصر به الأنظار، ويقنع الأذهان، والواقع أنه حتى إذا تم ذلك فإنهم يتعللون بتعليلات أخرى كما حدث مع اليهود زمن نبي الله موسى عليه السلام. ثم يأتي المحور المتفرع عن هذا الذي يخص شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم والذي إن قالت لنا الآية السابقة أنه لا يملك خزائن، ولا يعلم الغيب، وليس بملك فإنه قد أتى بوضع ذلك في جانب ويتجاوزه في جانب آخر، تقول الآية: "بالبينات والزبر وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل الآية: 44).
هذا الذي أعطيه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ليس بالقليل إنه يكفي للمفكر المتفكر أن يعرف ما في الذكر مما نزل منه إلى الناس، فيعرف بذلك آيات الله، ويتأكد من رسالة محمد. أما إذا كان قد غض الطرف. أو إختار العمل والميل والإنحراف فإنه لا يصل إلى درجة المتفكر المنشود في كتاب الله، وعدم وصوله إلى ذلك سيجعله يطلب من محمد أكثر مما تقدم، ويجعله في النهاية معرضا فارا حتى من فطرته التي تأبى عليه تحجر فكره وانفلاته حتى لا يستنير بالأضواء المشعلة التي طمسها في أعماقه نتيجة، عناده وغطرسته.
وحبذا تمثل هذا النموذج أو هذا الصنف قول الشاعر:
أربا واحدا أم ألف رب، أدين إذ انقسمت الأمور؟ا
تركت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الرجل البصيرا
ومن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإنسان أي إنسان في هذه الحياة وفي هذا الوجود الذي يطالب بالتفكر في نفسه، في ذاته، في خلقه، في بدايته ونهايته، في حياته، وفي النعم التي أعطيها واللذات التي يتمتع بها. يقول القرآن الكريم: "أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون" (الروم الآية: 8).