ديوان الشيخ محمد بن سليمان المستغانمي الندرومي
مقدمة
مثله مثل الشاعر "البوعبدلي" الذي أعددنا ديوانه للنشر، ومثل ديوان "قدور بن سليمان" الذي في مرحلة الإعداد، حصلت على نسختين من الديوانين، وديوان "البوعبدلي" كذلك عن طريق الأخ الأديب "شخاب" الذي هم بإعداد رسالة ماجيستير عن شعر هؤلاء الشعراء بالإعتماد على النسخ المخطوطة لدواوينهم بإشرافنا، ثم تخلى عن الدراسة نهائيا.
ومثل المقدمة التي خصصناها للشاعر "البوعبدلي" الذي ينتمي إلى المدرسة الطرقية الصوفية كشيخ من الشيوخ، وشاعر من شعراء هذا الإتجاه، أو هذه المدرسة على الأصح. فإننا نقدم هنا لديوان الشيخ "سيدي محمد بن سليمان المستغانمي، ثم الندرومي رضي الله تعالى عنه الموفى سنة 1346هـ - 1927م" كما ورد على صدر الصفحة الأولى من نسخة الديوان المخطوطة بخط مغاير لخط الديوان، والذي قدم له كاتبه بالآتي: " بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم عليه".
هذا ديوان لشيخنا وأستاذنا، وقدوتنا، وموصلنا إلى ربنا الشيخ الأكبر، و الكبريت الأحمر، العارف بالله تعالى، ذي السلسلة الشريفة، والنطفة الطيبة، سيدي وسندي محمد بن سليمان سلمه الله، وأحباءه، وأهله، وذريته، آمين" ثم بدأ بنص الديوان الأول الذي أوله "حبتني ذات الحسن". وهو الترتيب الذي حافظنا عليه دون أي تعديل، أو تغيير، أو تحوير من أول النص إلى آخره، حفاظا على مادة المخطوط، وفق المنهج العلمي الذي يبقى على المدونة كماهي إن لم يكن المحقق، أو المعد لها صانعا لنسخة منها من مجموعة نسخ تتوزع مادتها عليها وقد بدا لنا في هذه النقطة أن الشاعر رتب نصوصه بحسب تسلسل نظمها ولعله لو أرخها لوجدنا تواريخها بتسلسلها هذا في ترتيبه الديوان، وإلا لاعتمد فيها على الترتيب الهجائي (الألفبائي) كما هو معهود، ومعتمد.
أما ترجمة الشاعر فلا نجد لها حضورا في المراجع التي بين أيدينا إلا ما ورد في كتاب "الشعر الديني الجزائري الحديث" للدكتور عبد الله ركيبي"، ونصه:
" محمد بن سليمان ( -1927) من مستغانم ولكنه عاش بندرومه من تلاميذ قدور بن سليمان ومن أقاربه، له شعر كبير (كذا) بالفصحى وبالعامية ولكنه لم يطبع معظم نظمه في التصوف والمدائح النبوية والتوسل".
وبإهمال سنة ميلاد الشاعر بترك مكانها فارغا من قبل (الركيبي)، وبإضافتنا لها علامة استفهام وفق المنهج المعتمد في مثل هذه القضايا نستشف أن (ركيبي) لم يصل إلى تحديد سنة ميلاده شأننا كذلك، ونستنتج كذلك من قوله أنه اطلع على الديوان، وهو ما أثبته في قائمة المصادر، دون ذكر أي إشارة عنه توضح أي جانب من الجوانب المتصلة به.( مكان وجوده، النسخ أو النسخة المخطوطة التي اطلع عليها مثلا...). معنى هذا أن ما قدم عن الشاعر وديوانه لا يكاد يشكل شيئا ملفتا بحال من الأحوال، بل الحقيقة هي كذلك.
أما نحن فإن كانت غايتنا في جهدنا هذا مقصورة على إعداد المدونة إعدادا علميا، وإصدارها حتى تغدو متداولة بين الباحثين، والقراء، فتنال بذلك حقها بما تقدمه عن صورة الإبداع الشعري في زمن الشاعر بمستوى محيط، فإن ما نقوله عنها هنا في هذه المقدمة هي أن مجموع قصائدها بلغ اثنين وثلاثين قصيدة وكلها كانت بخط مغربي واحد، عدا القصيدة الأخيرة التي كتبت بقلم غير الذي كتبت النصوص الأخرى، وأن أقصرها طولا يبلغ عشر أبيات، وأطولها يبلغ طولها تسعين وثلاثمائة بيت. وأن مضمونها كله في الأغراض التي نوه إليها الدكتور "عبد الله ركيبي". والتي حددها في "التصوف والمدائح النبوية والتوسل". بمعنى آخر أنها موزعة على الديني القيمي العقدي التاريخي، والفكري الصوفي العميق في عمومه، والدعاء والرجاء ورثاء شيخه الشاعر (قدور بن محمد بن سليمان) على عادة أهل زمن الشاعر، بل وعلى عادة الزهاد بخاصة منذ ظهور نص الزهد الشعري بعامة.
وكون الشعر، أو أي إبداع أدبي مهما كان موضوعه، ورسالته، وأفكاره وقضاياه تكون آليات بنائه الأساسية، والأصلية لغوية معجما، وأسلوبا، وإيقاعا. فإن هذه يزخر بها الديوان، وبمستويات متعددة، ومتداخلة، ومغرية أيما إغراء بالتناول، فاللفظة، أو المفردة التي هي المقتضى الأول للشعر مع أننا نجدها كلها عربية مبينة، فإن توظيفها من قبل الشاعر خلقت صورا، وأساليب، وأشكالا للمثلث السابق (المعجم، الأسلوب الإيقاع) ترقى إلى مستوى يتقاطع مع ما يقتضيه التأويل في مقاربات شعراء الصوفية الكبار، (الحلاج)، (ابن عربي)، (ابن الفارض)، (ابن سوار)، و(عفيف الدين التلمساني)...
ومع ما تستدعيه الأساليب العربية الدقيقة في قواعدها العربية لدرجة أن بعض التراكيب التي يظن أنها خاطئة. نجدلها استعمالا في الغريب، أو حتى الشاذ كما يرى علماء اللغة.
والأمر نفسه حين نلقي نظرنا على التوزيع الإجرائي الشكلي المخرجة عليه كل قصائد شعره، فإن ما يسمى بالتوزيع البصري للقصيدة العربية نجده مجسدا في كلها. أما إذا سعينا إلى تحديد العلاقة بين تلك الرؤية البصرية للشكل، وبين الإيقاع المكون للتفعيلة العروضية، وبحرها بصورة من صوره
(كاملا، مجزوءا، مشطورا، منهوكا). واعتماد أي منها من أول البيت الشعري إلى آخر بيت في النص، فإننا لا نحقق ذلك مع كل النصوص، وفي حالة وصولنا إلى تحديد البحر لنص من النصوص، وهو حاصل كثيرا،( و قد أثبتناه في مطلع كل نص ) فإن ما يعتري التفعيلات بعد ذلك من الزحافات والعلل نجده السمة البارزة التي تغطي النص، والمؤكد أن هذه الظاهرة إن كانت مما لا يرضي العروضيين، والباحثين وفق الأنماط العروضية فإنها في الدراسات المعاصرة لها ميزة جمالية مثنى عليها لإعتبارات وضوابط ليس هنا عرضها بكيفية من الكيفيات.
بيد أن شعراء الذين هم من حيز شاعرنا، أو فضاءاته، أو مدرسته، كما تقدم قد عرفوا أن نصوصهم مملوءة بانزياحات عروضية كثيرة، وأن ذلك عندهم ليس معيبا. بل يعد عندهم خاصية، أو خصوصية محمودة، وكأني بهم توافقوا مع قول المعري الشاعر العربي الفيلسوف حيث قال:
" للمنون دائرا ت يدرن صرفها
حتى يتنقيننا واحدا فواحــــدا"
وحين سئل عن بحر البيتين، والذي لا تحديد له، قال:" أنا أكبر من العروض".
أو كما قال.
ومع هذا فإن الباحث المدقق في نصوص الديوان، والراغب في إيجاد صلات بينها عروضيا، وبين أخرى مثيلات لها من تراثنا، بخصوص التي لم تضبط إيقاعاتها على عروض الخليل، فإنه واجد صلات لها بأخرى للشعراء في العصر العباسي، وبخاصة في شقه الثاني، ومن نماذج ذلك قول القائل:
" ما وقوفك بالركائب في الطلل ما سؤلك عن حبيبك قد رحل
ما أصابك يا فؤادي بعدهــــم؟ أين صبرك يا فؤادي ما فعل؟
وقول الآخر:
" يا عبد ابكي (كذا) على فعل المعاصي ونوح (كذا)
هم فين جدودك أبــوك آدم وبعده نـــوح
دنيا غروره تجيء لك فـــي صفــــــــة مركـــــــــــــــــــــب
ترمي حمولها على شط البحور وتروح"
ونموذج آخر، وبه نكتفي وهو:
" يا قاسي القلب مالك تسمع وما عندك خبر
ومن حرارة وعـــــــــــــــــــــــــــــظي قـــــــد لانت الأحجار
أفنيت مالك وحالــــــــــــــــــك في كل ما لا ينفعك
ليتك على ذي الحــــــــــــــال تقلــــع عن الإصرار"
وفي كل الأحوال، فإننا إن أوجدنا في هذه الأوراق ما يمكن أن يشكل وجهة نظر فاتحة لآفاق مكملة، أو معدلة، أو معارضة، معتمدين فيها على إشارات واردة في المتن، أو مراجع أخرى، أو على مادة المدونة نفسها، فإنه من الأفضل بمكان أن تكون خاتمة كل هذا هو ما نأخذه من مقدمة ديوان "الشيخ قدور بن محمد بن سليمان الموسوم بـ "عقد لآلئ العرفان"، وهو من أقارب الشاعر، ومن شيوخه كما نص على ذلك في بعض نصوصه، وهي مقدمة غير موقعة من كاتبها، وما نثبته منها هنا هو ما يعني تحديدهم لمفهوم الشعر، ورسالته، ومبدعه وحالاته، وهي لاشك بذلك تضع إطارا منهجيا لكل متناول لشعرهم حتى لا يذهب بعيدا، أو خارج سياقاتهم مضمونا، وتشكيلا. فيجني على إبداع برؤيا ليست منها تعبيرا، ومقصدا، وغاية، وتصويرا، والمقترح المنتقى من المقدمة هو:
"و بعد فهذه قصائد نظمت بأنوار لمعت، و رموز و إشارات بالأحوال و الأنوار و الأسرار نوهت، و سلك فيها الناظم مسلك الفيضان من غير ملاحظة للقواعد الشعرية و ما تبنى عليه من الميزان، فإن اللحن المعتبر عند القوم خلوا الكلام من سر العرفان، و كسوة القلب التي استقرت لكل عارف بلطيفة الجنان، و مدت شعاعها في كل رفيقة و بضعة من الأركاز، فالقوم مذهبهم إذا وجدت المعاني و فهمت فلا عبرة بمفاشحة ألفاظ اللسان كما قال بعض الأئمة الوعاظـ إذا فهمت المعاني فلا عبرة بمفاشحة الألفاظ قلت و هذا في غير ألفاظ الكتاب و السنة، و ما يحتاج فيها من فنون العربية و اللغة لاستخراج معانيها الظاهرة و الباطنة فإن ذلك متفق على وجوبه عند الأئمة.
و اعلم أن نسج الشعر على ثلاثة أقسام قسم خال عن سر المعاني الباطنة، و عن الموازين الشعرية و ذلك كهذيان العوام، و قسم متقون الألفاظ و الأوزان مع معان صحيحة مناسبة للمقام، لكنه عار من المعاني القدسية، و اللطائف العرفانية، كنسج أهل الرسوم الأعلام فهو متقون الظواهر ملحون المعاني عند الصوفية الكرام لأنهم رضي الله عنهم يراعون عسيلة شهد نسج الكلام وصولة حال المتكلم الموجودة في عين كلامه الناشئ عن قهر اشتياق و اصطلام، و القسم الثالث هو الذي تقدم ذكره في صدر الكلام و هناك قسم رابع يصادف المعنى و الميزان، كما هو في بعض قصائد هذا الديوان يأتي به الوهب في بعض الأحيان على ألسنة بعض الفصحاء الأعيان من غير فكر ولا مراعاة للأوزان و لا انتظار أو يستدركون إصلاح ما أتى به الوارد بعد الصحو و الاستشعار كما أن بعضهم يرجع عن الدلال عند الصحوء أدبا مع الحال. و بعضهم يترك الفيض على حاله المنير، اقتداء بأبي العباس أحمد الخضر، لأنه أتى بالخوارق، و حكم بها على رؤوس الخلائق، و كل من الفريقين على ما سبق به العلم، و تحقق به الفهم عن رب العالمين، و كل ما يصدر من العارفين من الدلال فهو على ما يقتضيه قهر الوارد و قوة الحال. لأن الوارد يأتي من حضرة قهار، يهتك الحجب و الأستار. فلا يملك الإنسان معه الاختيار، لأن الإملاء عليه من دائرة الفيض القديم، و إذا قورن الحادث مع القديم تلاشى وصار عدما و رميم، و كانت الإشارة لهذه القصائد قبل وجودها و الإبان بخبر من سيد الأماجد و أصل الأنوار و العرفان . .."
إنه ليتضح في اعتقادنا من هذا الجزء الطويل الذي اقتطعناه من مقدمة ديوان " عقد لآلئ العرفان " أن شعراء اتجاه صاحب هذا الديوان. بل أصحاب هذا الفهم للشعر قد كانوا متماهين غاية التماهي مع اتجاههم مضمونا و تشكيلا و بذلك شكلوا ظاهرة و لم لا مدرسة شعرية و هي كذلك في رأينا تخضهم. و كانوا أوفياء لها غاية الوفاء.
و إذا كان ما مثلنا به هنا من خصوصيات تلك المدرسة يعد غيظا من فيض فإن طلبتنا الذين وجهناهم لتناول شعر الشعراء الواردين في هذه الورقة بالدراسة في مذكرات الماجستير، و الدكتوراه سيبينون عن الكثير الكثير المفيد المتميز بإشرافنا إن وفقنا الله إلى ذلك، و ما ذلك عليه بعزيز.
باتنة، في: 2 أكتوبر 2010م الموافق لـ:23 شوال 1431هـ