الأدب العربي في المغرب العربي من النشأة إلى سقوط الإمارات
المقدمة
الأدب العربي عموما، في منطقة المغرب العربي، في فترة الفتح الإسلامي للمنطقة، والفترة التي تلتها إلى القرن الرابع الهجري، والذي يطرح منطلقه الأول من جهة، ونصوصه التي لم نتمكن من معرفة كمياتها، وأماكن وجودها، وأصحابها بالتدقيق أحيانا من جهة أخرى، يطرح إشكاليات عديدة على المتناول له، وبخاصة في زمننا هذا الذي سنت فيه مجموعة من المفاهيم التي تخص التعاريف الجديدة للأدب، والخصائص التي تميزه، ومنها: الأدب، أو الأديب والبيئة، والأدب والأديب "الذات والنص"، والأديب واللغة، والأديب والكون، أو العالم، والأديب والإنتماء، والأديب والتراث، والأديب والتجديد، والمعاصرة، وغير ذلك من المفاهيم، والقوانين التي أصبحت تحكم الأدب كأي علم آخر في عصرنا الحديث، وأصبح البعض يطبقها على تراثنا بكيفية معقولة، أو غير معقولة، متجاوزا شروط تناول النص الأدبي، أو أي عمل فني إبداعي آخر، ومنها مراعاة الظروف والزمان، والمكان، والثقافة السائدة، والتقاليد المتبعة في أثناء خلق ذلك العمل، أي عمل كان.
هذه الإشكاليات، أو الإشكالات التي اقتربت منها أكثر، وتأكدت لي عن قرب حين درست هذه المادة، أو هذا المقياس للطلبة في الجامعة، وبحثت بعض الموضوعات التي تتصل به، وأصدرت فيه كتيبا متواضعا، أقبل عليه الطلبة، والقراء بصورة لم أكن أتوقعها، حيث طبع مرتان في أقل من سنتين فضلا عن الصعوبات التي اعترضتني في تدريس المادة، أو المقياس، سواء منها المتعلقة بقلة المصادر والمراجع، أو الأفكار التي تملأ عقول بعض الطلبة، الذين لا يؤمنون بوجود شعر عربي مغربي بالخصوص، وأدب عربي في منطقة المغرب العربي بالعموم في الفترة التي تتناولها هذه الصفحات على اعتبار أن سكان المنطقة لا يعرفون العربية، وأن الفاتحين لم يكونوا جميعا من العنصر العربي وحده، وأنهم أيضا ليسوا شعراء لكونهم مجاهدين، فاتحين ليس إلا، إلى غير ذلك مما يثيرونه من افتراضات، ويصلون فيه حد التأكيد أحيانا.
الأمر الذي فرض علينا، ويفرض طرح مجموعة من التساؤلات التي ستكون وجهتنا في هذا الجهد، ومنها: ما هو المقياس، أو المقاييس التي نعتمدها لتحديد شخصية النص الأدبي الذي قيل في فترة الفتح، والولاة، والإمارات، أي من العقد الرابع من القرن الأول الهجري إلى أواخر العقد الأول من القرن الثالث الهجري، ما هي هذه المقاييس ما دامت الشخصية المغربية الأدبية (المغاربية) في طور التأسيس، إذ لا تبدو جلية بعد على منابر الإبداع الفني في الأدب العربي، هل نكتفي باعتماد صدور النص عن مقيم في هذه الديار فنعده مغربيا، أو نفحص محتواه فنعتمد ماله صلة في مضمونه بالمنطقة دون غيره؟.
وإذا اعتمدنا أحد المقياسين، أو هما معا، هل نعتمد خصوصيات الأدب العربي في المشرق، فنقوم أدب المغرب في ضوئها، أو نبحث عن خصوصيات أخرى نستنبطها من صميم مضمونه، وفي هذه الحال ألا نظلم أدب هذه الفترة، وأصحابه باتباع هذه التجزئة التي لم يعتمدها أجدادنا من قبلنا، وإذا تجاوزنا ما يطرح على النص من مثل هذه التساؤلات إلى مبدعه، هل نكتفي بمن ولد هنا في المغرب العربي، وشب على أرضه، وأبدع فوق ترابه، أو نأخذ بالرأي السابق، وهو اعتماد مكان، أو زمان صدور النص عن صاحبه، أي أين قاله، ومتى، ولماذا، إذا كان ممكنا، وإذا لم نأخذ بهذا التساؤل الأخير، فأين نضع شعر هؤلاء خاصة، وأدبهم عامة؟.
وإذا انطلقنا من الرأي الذي يمثله التساؤل الذي ينطلق من استبعاد كل ما صدر عن المشارقة الفاتحين، واعتماد ما صدر عن المغاربة منطلقا لتحديد النص الأدبي العربي المغربي، فهل نستطيع الوصول إلى الشخصية المغربية الأولى التي أبدعت في الأجناس الأدبية، وهل ما أبدعته له خصوصيات تجعله مختلفا عما أبدعه شقيقه المشرقي في تلك الفترة، فيكون لنا ذلك سندا – على الأقل- لسلك هذه السبل في تأريخ أدبنا العربي في المغرب العربي، ودراسته، وإذا لم نحصل على ذلك، فهل بإمكاننا العثور على مصوغ ما يسمح لنا بالتجزيئية هذه التي يطرحها البعض، وما جدواها، وفائدتها، وهي لا تحقق شيئا ذا بال في تقديرنا اعتمادا على ما سنلاحظه حين نطلع على النصوص التي يعتقد أنها تمثل أساس النص الأدبي العربي في مغربنا العربي ؟.
إنه من غير السابق لأوانه – ما دامت الدراسات التي تناولت الموضوع محدودة جدًا جدًا، إذا لم نقل منعدمة، إن قومت بالتقويم الشمولي من غير السابق لأوانه – إذا أكدت أن المنهج الذي يتوجب اعتماده هو هذا السائد والمعروف بالتاريخي، والذي يقسم النتاج الأدبي إلى عصور لأنه المنهج الأمثل لتناول أدبنا العربي في المغرب العربي - على الرغم من كونه غير منطلق مع الأدبي المشرقي في بداية ظهوره -، لأن خصوصيات، وخصائص هذا الأدب في تلك الفترة ليست متباينة عن –بعضها البعض، كما أن وحدة الدولة القائمة آنذاك جعلت التنقل مباحا بين المشرق والمغرب، والمكوث هنا أو هناك ميسرا، ومضمونا، فعاش أجدادنا آنئذ في المشرق، أو في المغرب كأسرة واحدة لا يفرق بينهم غير قضاء الله وقدره، وهو ما ينبغي أن نعيه نحن اليوم، وأن نسعى إلى الوصول إليه، أو نتمثله – على الأقل – حين نتناول ما تركوه لنا من تراث.
ومن هنا وددت أن أخرج هذه الصفحات إلى الوجود وهي التي أطلقت عليها عنوان "الأدب العربي في المغرب العربي من النشأة إلى قيام الدولة الفاطمية (30 هـ - 230 هـ) : جمع وتوثيق وتحقيق وشرح وتعليق وتقديم" مريدا بذلك -في حدود جهدي- جمع المادة الأدبية التي حصلت عليها من المصادر والمراجع، التي تمكنت من الوصول إليها، لتعطي هذه المادة صورة دقيقة عن القصيدة العربية في تلك الفترة في هذه الديار، ولتكشف لنا عن أصحابها، وهمومهم، وعن واقع هذه المنطقة من خلال النص الأدبي باعتباره وثيقة جوهرية، وبخاصة الشعر الذي يعد ديوان العرب. ولتملأ الفراغ المسجل في الساحة الأدبية، والعلمية، والفكرية العربية في مغربها ومشرقها، ولدى كل مهتم متتبع في أي منطقة كان. وذلك - في زعمنا - يمكن الراغب في الإجابة عن التساؤلات السابقة بحسب ما يريد، وبحسب الموقع الذي يختاره، والمنطلق الذي ينطلق منه، كما قد يسمح لغيري باستدراك ما فاتني، فيغني الموضوع بما يضيفه من نصوص، أو آراء، أو أفكار، أو بما ينبه إليه من أخطاء أكون قد وقعت فيها ولا شك، وهو ما أشكر عليه مسبقا كل من يلمع إلى ذلك.
أما محتوى هذا العمل فيتكون من مقدمة وتمهيد وأربعة فصول، فالتمهيد تناولت فيه الأرض المغربية (المغاربية) سكانا وثقافة وهي موضوعات لم يعطها الدارسون – في تقدرينا - ما تستحقه من البحث، والدراسة، وأما الفصل الأول فعالجت فيه مضامين شعر الديوان، الذي جمع عن الفترة المحددة، والتي مثلتها النصوص الشعرية، التي تمكنت من جمعها، ويتجاوز مجموعها ألف بيت، قالها أصحابها في الفترة التي حددها البحث مكانا، وزمانا، وقد بدأت بنصوص الشاعر (بكر بن حماد) الذي يعد الوحيد المتحدث عن وجود ديوان له بالرغم من عدم الوصول إلى أية نسخة له إذ أنه لو أمكن ذلك لنا لاستبعدناه عن المدونة كونه يحتاج تحقيقا مستقلا قائما بذاته، شأنه شأن أي ديوان شعري تراثي بطبيعة الحال، وأشعاره هذه المجموعة كان قد أعدها بصورتها هذه قبلنا المرحوم الأستاذ "محمد بن رمضان شاوش" مع ترجمة مستفيضة عن الشاعر. وشروح أيضا متنوعة للمعاني التي رأى أنها تستدعي ذلك من وجهة نظره. والشاعر قد عاش في الدولة الرستمي.
وفي الفصل الثالث حاولنا الإلماع إلى بعض الخصائص الفنية، التي تميز الشعراء هؤلاء. وهو إلماع يمكن أن يفتح الافاق أمام كل من يريد الغوص في أعماق هذه النصوص إلى أكثر مما توصلت إليه،لأن القصد عندي ليس بذلك وإنما القصد عندي هو وضع هذه الأشعار بين أيدي القراء ليس إلا.أما الفصل الرابع فهو الذي خصصته للفنون النثرية، والتي تمثلت أساسًا في الخطابة، والرسالة، والوصية، وما يتفرع عنها من وعظ وأقوال وإرشاد وتوجيه كما يسميه البعض.
وقد اعتمدت في تحقيق ما أردت تحقيقه وبخاصة في الشعر على النص الذي يعود إلى الفترة المقصودة في أقدم مصدر، أو مرجع تمكنت من الحصول عليه، ثم موازنته أو مقارنته مع أي مصدر أو مرجع أخر وجد فيه قديما كان أم حديثا وحصلت عليه لكي نحقق ما طرأ عليه من تغيير أو أدخل عليه من تعديل.
وسلكت في ترتيب الشعراء ونصوصهم طريقة ترتيب المصادر التي أخذت عنها لهؤلاء، والتي تبدو خاضعة للتسلسل التاريخي، إلى جانب ترتيب ثان تبنيته بالإضافة إلى السابق وهو الذي يخص المراجع التي أخذت منها إذ اعتمدت "الحلة السيراء" لابن الابار، ثم "ترتيب المدارك للقاضي عياض" وبعدها "ورقات" و"مجمل تاريخ الأدب التونسي" لحسن حسني عبد الوهاب "فرياض النفوس للمالكي" ثم "الدولة الرستمية" لبحاز والذي لم اخذ عنه إلا نصا واحدا للإمام افلح بن عبد الوهاب أحد الأمراء هذه الدولة.
وقد كان اعتمادي هذا الترتيب مبينا على بعض الملاحظات التي سجلتها على هذه المراجع، ومنها أن "الحلة" تبدو لي اكثر غلوا في ماضي شعراء هذه الفترة كما أنها أكثر استيعابا للنصوص الشعرية التي قيلت في تلك الفترة، وكذلك "ترتيب المدارك" للقاضي عياض، الذي وإن كنا لا نجد فيه مقدارا كبيرا من النصوص التي وجدناها في " الحلة " فإنه كان دقيقا قي الترجمات التي ترجم بها الشعراء الذين تحدث عنهم، والأمر نفسه بالنسبة للنصوص التي أخذت من مرجعي حسن حسني عبد الوهاب، حيث نجد أن أصحابها عاشوا في الفترة الأولى من الفتح الإسلامي إلا القليل منهم جدا جدا وأما "رياض النفوس" مع أهميته فان النصوص التي أخذناها منه نلاحظ أن أصحابها متأخرو العهد بالموازنة مع الذين اثبتناهم من المراجع السابقة، وهذا يعني ان صاحب "رياض النفوس" لم يحاول الانطلاق من البدايات الأولى الخاصة بالشعر العربي في هذه المنطقة، لكنه اهتم أكثر من غيره بنصوص من جمع أشعارهم، إذ حاول أن يكون أكثر جمعا لنصوص الفترة التي أرخ لها، فمكننا من مادة شعرية معتبرة، كما أحالنا في مرات كثيرة شأن صاحب الحلة بالإشارات المختلفة على ما كان ناقصا من تلك النصوص أو ما كان مشكوكا فيه .
وتبقى العناوين الأخرى القديمة، ذات الشأن نسبيا في موضوعنا، والتي منها : الطبقات لأبي العرب، والأنيس المطرب لابن أبي زرع، وجذوة الاقتباس لأحمد ابن القاضي، ومعالم الإيمان في معرفة أهل القيران، للدباغ، وكلها قديمة، ثم الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى لابن تاويت، والإستقصا في أخبار دول المغرب الأقصى، للناصري، والأدب المغربي من خلال ظواهر وقضاياه، للدكتور عباس الجراري، وهي مراجع حديثة لباحثين وكتاب من المغرب الأقصى، ودولة الادراسة وملوك تلمسان وفاس وقرطبة لإسماعيل العربي، والمغرب العربي تاريخه وثقافته، لرابح بونار، وهما لكاتبين من الجزائر، ومحاضرات في الشعر المغربي القديم للمرحوم الدكتور عبد العزيز نبوى من سورية، وهي عبارة عن دروس لطلبة الليسانس، قدمها لطلبة جامعة عنابة في أثناء وجوده بها .
هذه المراجع، وبالأخص منها القديمة فإنها مع إحتوائها على نصوص من التي أثبتناها في الديوان كما أشرنا إليها في الهوامش، فإنها لم تكن بالكمال الذي ننشده، ولعلنا نستفيد منها في مجالات التراجم والتاريخ أكثر من الإستفادة منها في النصوص الشعرية، وذلك ليس قصدنا هنا، ولهذا عددناها في المرتبة الثانية بالقياس معه التي اعتمدناها مصدرا لكل النصوص التي أثبتناها في الديوان .
هذا بالنسبة للشعر. أما النثر فإنه مع قلته لم نجتهد كثيرًا في متابعة مظانه، بحيث وجدنا أن النصوص الخاصة به تتكرر في كل المصادر والمراجع، وبالرواية نفسها ما جعلنا نحجم عن الموازنات والمقارنات بينها.
وللمحقق في هذا الموضوع، أن يأخذ علينا تجاوز مصادر، ومراجع يظنها مهمة كالأمالي لأبي على القالي والعقد الفريد لابن عبد ربه، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، وخريدة القصر وجريدة العصر، والبيان المغرب، وعناوين أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وكذلك بعض أمهات كتب التاريخ كتاريخ ابن الأثير، والطبري، وابن خلدون، ونفح الطيب، وغيرها كثير، وأيضا بعض العناوين الحديثة التي لها صلة بالموضوع ككتاب شعر الفتوح الإسلامية للنعمان عبد المتعال القاضي، والمجتمعات الإسلامية في القرن الأول، للمرحوم الدكتور شكري فيصل، وغيرها الكثير. فنقول إن ذلك لم يغب عن بالنا ولكننا لم نجد فيها إلا النزر اليسير، واليسير جدا من المادة الشعرية المقصودة، والمراد من لدنا، ووجدناها أيضا في العناوين التي اعتمدناها، الأمر الذي خول لنا تجاوزها، ويقينا أن تلك كلها، أو بعضها على الأقل يفيد من يقدم على مثل هذه المهمة في الفترات الزمنية اللاحقة، وبالأخص أواخر عهد الدولة العبيدية، وما تلاها بعد ذلك من دول عربية إسلامية في المنطقة، ومن جديد أكرر أني سأكون شاكرا مسبقا لكل من يلفت انتباهي إلى شيء ذي بال في الموضوع، وتجاوزته، وحتى أحظى يذلك الشرف فإني أرى من واجبي، وأنا أختم المقدمة أن أشير إلى أن ما يلاحظه أو يسجل على هذا الجهد من نقص، فإن الله يشهد على ان ذلك، إذا حدث لم يكن تقصيرا أبدا مني، ولكنه قصور ولاشك، وما أظن ان أيا كان يبلغ في أي عمل قدمه الكمال بحال من الأحوال .
ولعلي اسمح لنفسي بالقول إني بجهدي هذا في كل الأحول قد أسست أو أصلت أسلوبًا أو منهجًا ربما آخر لم أعثر على مرجع بكيفيته، مما وقعت عليه يدي، وهو جمع النصوص الأدبية المشتتة والموزعة في المصادر والمراجع القديمة والحديثة، والتي لم تعط لها مثل هذه العناية حتى تكون في متناول الدارسين، وحتى تكشف لنا عن واقع المغرب العربي إبداعيًا في فترة هي أساس فترات تأسيس الإبداع الأدبي العربي في المغرب العربي. إلى جانب الموازنات والمقارنات التي تمت بين النصوص للوصول قدر المستطاع إلى كل ما يقرب من المعرفة شبه اليقينية للنص.
والله من وراء القصد، فهو حسبي وهو نعم المولى ونعم النصير
باتنــة في 17 رجب 1427 هـ
الموافق لـ : 11 أوت 2006 م
العربـي دحــو