اطلالات مقارب للأدب الجزائري
مقدمة الطبعة الثانية
حين صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى، كان موسوما بـ" دراسات و بحوث في الأدب الجزائري، وكانت صفحاته لا تبلغ مائة صفحة، و قد تكونت مواده من "مقدمة"، و" مفهوم اللغة الشعرية عند القدماء والمعاصرين" و بين " محمد العيد وابن الخلوف"، و" في التعبير الشعري الشعبي عن المقاومة في التاريخ". و "حظ القصيدة الجزائرية في التشكيل الموسيقي المعاصر" بالنسبة للشعر. أما بالنسبة للنثر فالمنشور فيه هو " رصيف الأزهار لا يجيب " و "الشهداء يعودون هذا الأسبوع ".
و حين قدم العمل من قبل " ديوان المطبوعات الجامعية " إلى زميل عرفته من هو لاحقا، حكم على أن الكتاب لا يشكل موضوعا واحدا. يعني أنه ظنه رسالة جامعية. بل أوجد هذه التخريجة لإقناع نفسه و إقناع إدارة المؤسسة آنذاك، فرفض نشر العمل. و عندما بلغت بالقرار ظننت أن القارئ غير جامعي ما جعله لا يفرق بين كتاب عام، و رسالة جامعية، فطلبت قراءة أخرى للعمل على أكاديمي معروف، و هو ما حدث بالفعل إذ قدم لقارئ مقوم آخر لم أعرف من هو بعد فأثنى على العمل، و أمر بنشره، فخرج كما أسلفت بالمادة المذكورة، والحجم المحدد، و كان له صدى من التناول ما له بحيث أنه نفد قبل سنة أو سنة و نصف على الأكثر، ولست أدري ما رأي الزميل الذي رفض العمل إن كان يتابع و أدرك هذه الحقيقة. و علم من جهة أخرى أني عرفت اسمه، و أن رفضه للعمل لم يكن بداع أكاديمي علمي بحال من الأحوال، و إنما كان بداع مذهبي "إيديولوجي" بحت كوني أقف معه على طرفي نقيض، و لأني أتموقع في انتماء حزبي و طني هو "جبهة التحرير الوطني"، و منتصر لكل قيم الأمة و ثوابتها. في حين يتموقع هو في "أيديولوجية اليسار" الشيوعية تحديدا. و يرى في القيم و الثوابت رجعية مكبلة، و في "جبهة التحرير" دكتاتورية و قمعا، و الأممية العمالية هي الإله المخلص للشعوب. و منهم الشعب الجزائري. و سبحان مغير الأحوال، إذ دار هذا الزميل و إلى الآن من زاوية حادة إلى زاوية المائة و التسعين درجة بدءا من 1990.
أما أنا فلا أزال بجلدي وشحمي وعظمي و موقعي، و هاهي تلك الصفحات تغذى بل تدعم بشقيقات لها و تعاد للطبع لفائدتها في تقديري مع ما أضيف لها و هو من صميم الثقافة الوطنية. بل صميم الأدب العربي الجزائري، و المصنف كما بين دفتي الكتاب هو "من واقعنا الأدبي..." و أثبته كمدخل للعمل كله، كعملية إجرائية منهجية كونه يتصل بحال من الأحوال مع كل مادة الكتاب. و تعديل موضوع " في التعبير الشعري..." إلى "المقاومة العربية في نماذج من الشعر الفصيح والشعبي..." و إضافة بحث عن الشاعر المجاهد "مدني رحمون و تأريخه الشعري للثورة التحريرية المباركة ". وموضوع آخر هو " في الذكرى الخمسين لاندلاع ثورة نوفمبر من أقصى أغنية الثورة..."؟ لأني لاحظت خللا فادحا على التكريمات التي تمت بالمناسبة، و إقصاء كليا لأولئك الذين كانوا الروح المعنوية العميقة و الصادقة لجنود جيش التحرير، و مناضلي جبهة التحرير، و مسبليها أثناء الثورة بالنصوص التي أبدعوها و التي يغنونها في كل التراب الوطني والتي كانت في مستوى " صوت الجزائر الإذاعية..." و بنادق جيش التحرير، و الموضوع الآخر بعنوان " التأبله الاستعماري و مدونة الشعب الشعرية الفاضحة "، و قد جاء ردا على القانون الفرنسي الممجد للإستعمار بدعوى تحضيره للشعوب التي احتلها، و بخاصة منها الشعب الجزائري، إذ تابع الشاعر الشعبي جرائم فرنسا منذ دخولها إلى الجزائر إلى أن غادرتها، و هي أبلغ رد عن ذاك الزيف، و تلك الدعاوى الضالة الباطلة التي تتقنع بها المؤسسات الاستعمارية الفرنسية الرسمية بكل وقاحة، و تحد للقيم الإنسانية، و لمشاعر الجزائريين الوطنيين الشرفاء الأصلاء، و المتناقضة مع العقل و المنطق أبد الآبدين. أما في النثر فقد أضيف موضوعان أحدهما عن "بحيرة الزيتون" للدكتور "أبو العيد دودو" و الآخر عن المجموعة القصصية لـ "الهاشمي سعيداني" الموسومة بـ" المتسللون".
و تحقيقا لما هو قريب من إجراء منهجي أكاديمي فقد قسمت العمل إلى قسمين.
ففي القسم الأول الخاص بالشعر،و عنونته بـ " قضايا في بنيات شعرية"
أما القسم الثاني الخاص بـ"النثر" فعنونته بـ" سرديات متقاطعة" لأن مضمون الأعمال التي تناولتها توزعت على فضاءات تقاطعت مع قضايا وطنية واجتماعية لأزمنة مختلفة، في مواقع متعددة. وهو اجتهاد أسس على هذه القناعة، و من يدري فقد يرشدني أي متلق لما هو أدق، و أمثل فنأخذ به في أي طبعة أخرى لاحقة إن شاء ال
له. و يبقى في النهاية أنه بمثل ما أشرت إلى موقف الزميل الذي لم أسمه من قبل من العمل الأول فإن أحد المتكاتبين الذين يدعون ذلك، و الذي لم أقرأ له في حياتي سطرا واحدا بعد فإنه، و لتموقعه كذلك في موقع سيده المشير إليه آنفا قد شن حملة عن المرحوم الدكتور " حنفي بن عيسى " الرجل الوطني العظيم الأصيل المترجم لـ"رصيف الأزهار لا يجيب" بدعوى أن ترجمته سيئة و انه أساء إساءة تامة لعمل المرحوم "حداد " و أني في دراستي كذلك للعمل أسألت له لأني بنيت عملي على الترجمة المشوهة كما زعم، كان هذا الموقف من الكتابي هذا كما أسميته في ملتقى العلمة للقصة سنة 1998، على هامش مؤتمر إتحاد الكتاب الجزائريين، تعقيبا منه على مداخلتي عن الموضوع و حين سألته أن يحدد لنا بشيء عملي مشين في ترجمة المرحوم "بن عيسى" و شيء من ذلك عن مداخلتي بهت الذي كان نسجه فيما قال "أوهن من بيت العنكبوت"، ثم تدخل الحضور طالبين منه الإجابة، فما حرك ساكنا و ما أجاب بكلمة، و البقية بعد ذلك لا تحتاج إلى توصيف، أو تشخيص، و لكن نحتاج أن نقول لهؤلاء و أمثالهم اعملوا، أو دعوا الناس تعمل. و في كل الأحوال فإن "القافلة تسير و الكلاب تنبح ".
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و الله أنبت
باتنة في: 16/06/2008