الأعمال الشعرية الكاملة
وإذ أنهي صفحات ما سودته مما ينسب إلى الشعر، فإني أردت أن أخالف المألوف، الذي اعتاد الشعراء سلكه، وهو تقديم بكيفية من الكيفيات أعمالهم، لسببين:
الأول، وهو أن أشرف نفسي باعتماد كلمات بعض من كتب عني بدءا بالأستاذ الدكتور الأخ العزيز (عبد الملك مرتاض) التي ترجم لي بها في معجمه الرائع "معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين". والثاني وهو أني لا أود الرد عن أي كان عما كتبه عني، لأن ذلك ينتهي بي إلى قول شيء من أمثال أحد الصبية المتأدبين والذي سيصيبه في القلب ويكشف عن سلوكه الذي لا أجد عبارة وصف تنطبق عليه إلا عبارة "الدناءة"، وهي لطيفة في واقع الأمر لطيفة ومهذبة جدا، لأنه كتب ما كتبه في أقل من ربع صفحة في جريدة مصدرا حكما عده إختراعا لم يسبق إليه وقد دل فيه عن قمة غباوته كونه حكم عن مجموعة شعرية كاملة بـالضعف من خلال خمسة أسطر شعرية. وقد تبين بالدليل القطعي أنه قال ذلك وهو في موقع من يوصف عند العامة " أعلى كرشو أخلى عرشو". ولما كان د/حسين زيدان رحمه الله متوفيا، فلا يمكن له أن يقدم شهادته في هذا السياق و لكنه قد حكاها لأكثر من واحد ما يزال حيا ، ومنهم الدكتور "رحماني". فإن الأستاذ "عبد الله بو فولة" ما يزال حيا، وأرجو بكل محبة وأخوة أن يكشف عن ذلك للقارئ بأي طريقة أراد، وهو الأصيل الذي لا أظنه يكتم الشهادة. وإنه بفعل ذلك يؤكد صدق حدس الدكتور عبد المالك مرتاض، ويعري طلبة زمننا البليد الذين تجاوزوا في لؤمهم قول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
و ترجمة الدكتور عبد المالك مرتاض نصها :
"العربي دحو وجه من وجوه الحركة الثقافية والأدبية المعاصرة في الجزائر. فقد عرفناه متعدد النشاط الثقافي والسياسي والإجتماعي فبينما هو شاعر يقرض الشعر، هو في الوقت ذاته جامعي يلقي المحاضرات على طلاب جامعة باتنة، ويبحث في الأدب الجزائري: قديمه وحديثه، وفصيحه وشعبيه. وبينما هو عضو قيادي سابق في اتحاد الكتاب الجزائريين، هو عضو سابق في البرلمان الجزائري على عهد الحزب الواحد.
تجمعني بالعربي دحو علاقة ثقافية وعلمية خاصة، تبلورت حين كنا في قيادة اتحاد الكتاب الجزائريين أيام الحزب الواحد، فقد كنا نقضي أياما معا في أنشطة ثقافية بالشرق والغرب والوسط كان الإتحاد يقيمها. كما أتيح لنا السفر معا إلى خارج الوطن، بحكم ذلك.
وقد حضرنا معا، أيضا، مهرجانا نظمه اتحاد الكتاب الجزائريين في بداية الأعوام الثمانين بمدينة الشلف للشعراء الجزائريين الشباب، وهنالك لاحظنا بشيء كثير من الغبطة أن حركة شعرية جزائرية هي توشك أن تنطلق بعنفوان و وهجان. وهي مختلفة كل الإختلاف عن الحركة الشعرية، الإيديولوجية، التي ظهرت في الأعوام السبعين، بل ما قبلها ! ...
وأعرف أن العربي دحو كان يرى أن الناقد لا يكون ناقدا متألقا خريتا في جنس أدبي ما، إلا إذا ما كان أديبا فاعلا في ذلك الجنس، فناقد الرواية لا يكون ناقدا متمكنا من إجراءاته ما لم يمر بالتجربة في الكتابة الروائية، ولا يقال إلا نحو ذلك في ناقد الشعر، وهلم جرا ... ونحسب أن هذه المسألة نسبية وليست من المسلمات، فقد يتفق أن يقع هذا، ويتفق أن لا يقع. فليس ضرورة أن لا يكون الناقد كبيرا إلا إذا كان أديبا في جنسه ... ولكن أحسب أن العربي دحو كان يكتب ذلك، وأظنه في جريدة "النصر"، وهو في معراض تبكيت خصمه في الجدال، وإقحام محاوره في المقال ! ... [ لم أتنازل قط لتبكيت المعني عند الدكتور عبد المالك مرتاض لأنه أقل من أن أدون اسمه في أية ورقة من الأوراق التي دبجتها في حياتي لأن سلوكه المذل لنفسه و هو يتلطفني لأمنحه نقطة في مقياس الأدب الشعبي الذي درسه عندي أكد لي بالقطع أنه يحتاج موقعا في موقع من مواقع "نماذج بشرية" للمرحوم الدكتور "أبو العيد دودو"]
والذي أعرف أيضا أن العربي دحو نشر ديوانين اثنين عنوانهما: "ذاكرة الظل الممتد"، و"تعال أيها الطوفان". [و نشرت آخرين – أخي الدكتور عبد المالك مرتاض – هما "أهازيج جزائري عاشق" و "تواشيح البنفسج و الحضور و الإحتضار".]
غير أننا لم نعد نقرأ له أشعارا جديدة لاشتغاله بالبحث الأكاديمي، فيما يبدو، على الرغم من البحث الأكاديمي لا ينبغي أن يكون له ذنب في عزوف الشعراء عن كتابة شعرهم إذا ظلوا في ذلك راغبين. ولعله أن يأتي ذلك ككثير مثله من الشعراء الجزائريين الذين ابتدءوا حياتهم الأدبية شعراء، وانتهوا إلى غير شعراء ! ... فهل يعني بعض ذلك أن صاحبنا طلق الشعر نهائيا، واستراح من رسيسه وهو يلذع قريحته؟ وإن كان قد فعل فمن تراه من شعراء القرن العشرين، وخصوصا في عهد الإستقلال، يبتدئ شاعرا حتى يموت شاعرا، بعد العيد وزكرياء؟ ! [لم أزل أكتب الشعر أخي عبد المالك و لكن لم يصلك ما ينشر منه ]
ذلك، وإني كنت قرأت شيئا من النقد كتبه الصديق الأستاذ ابراهيم رماني عن ديوان العربي دحو "تعال أيها الطوفان" فلم يعجبني نقده الذي كتبه عنه، على الرغم من أنني معجب إعجابا لا حدود له بما يكتب رماني من نقود، لأشعار أخرى. ولعل قرب الدار، ودنو المزار، بين الأديبين حملا الصديق رماني على أن يقول قولا لا يرعوي فيه. و التهجم يبدأ من عنوان مقالته في صاحبه: "بحثا عن الشعر المفقود في مجموعة "تعال أيها الطوفان"، [العنوان في سطوره الصحفية ليس هكذا أخي الدكتور عبد الملك]. ونحن نعلم أن الشعرية الكاملة لا توجد حتى في شعر أبي الطيب، كما يرى ذلك كثير من نقاد الشعر العالميين المعاصرين منهم جان كوهين، وإنما الناس يتحدثون عن نسبية هذه الشعرية. ثم إذا كان رومان ياكبسون نفسه لم يستطع تحديد أدبية الأدب (والغاية أساسا هي شعرية الشعر) في مقولته الشهيرة، فبأي إجرام صارم يستطيع الواحد من النقاد تصنيف الشعراء، وترتيب درجاتهم في هذا التصنيف، بناء على مقدار الشعرية الذي يخامر أشعارهم فيجعلها شعرا مصنفا في درجة معينة من الجمال: نسجها ولغتها، وتخيلها وتصويرها...؟
وما دامت المسألة الشعرية، كالحقيقة، هي نسبية جدا، فإن الواحد منا قد لا يكون منصفا إذا هاجم شاعرا أو روائيا على أن ما كتب ليس على شيء..."
أما الدكتور "صالح مفقودة" فإني أستدعي فقرة من كلمته التي قدمها بمناسبة تكريمي بسطيف و هي "...و لعلني سأقف وقفة قصيرة مع ديوانه "ذاكرة الظل الممتد" و لفظة ذاكرة هذه صارت فيما بعد عنوانا لبعض الأعمال السردية كذاكرة الماء، و ذاكرة الجسد...و لعل هذا العمل يعد مرجعية لأعمال أخرى فقد استعار منه بعض الأدباء هذا العنوان بقصد أو بغيره و لكن العنوان يبقى لدى الدكتور دحو متفردا بشاعريته هذا العمل الصغير الحجم يضم مطولتين من نوع الأوبرات أو الشعر المسرحي [...]
في هذا العمل يطل علينا الدكتور دحو بشعر مسرحي تمثيلي لعله يكون جديدا في الأدب الجزائري فهو يقدم أوبرات تصور تاريخ الجزائر عبر العصور، و هو النوع الذي برز فيه لاحقا الشعراء و على رأسهم ابن سطيف عزالدين ميهوبي[...] وصديق دحو ".
و يتناول الدكتور "علي خذري" مجموعة تعال أيها الطوفان في بحث نشره متسلسلا في جريدة المساء نثبت منه الآتي "... و تنساب قصائد الديوان واحدة بعد الأخرى في عرض بحر الحياة، في نفثات حارة مليئة بالرفض، تدندن حولها رياح الأحزان و الآمال تلاحقها أحلام الشاعر التائه في طرقات الزمن. و نلاحظ في شعر دحو رؤية فلسفية لهذا العالم و الناس و الحياة المعقدة، و كأنه يقف من كل ذلك وقفة متميزة من حقائق الحياة و طلاسم وجود الإنسان، فإذا به يطل على هذا العالم من خلال قصيدة "رحلة بدون حدود" ..."
في حين يقول الشاعر "أحمد شنة" في ( كلمة لا بد منها ) :
" حينما تدخل عوالم الدكتور العربي دحو الشعرية، تستوقفك التجربة الإبداعية المتميزة، و يشدك هذا الرحيل المتواصل، بحثا عن فتوحات لغوية جديدة تختصر اللحظات النادرة في حياتنا، بأروع المشاهد و أجمل العبارات...
الدكتور العربي دحو مسيرة طويلة... من الفكر إلى النقد، و من الشعر إلى الدراسات و البحوث الجامعية المتخصصة، من تجميع الأوراق الخاصة عن الثورة، إلى إذابة ركام الجليد في طريق الأقلام الجزائرية الجديدة على إمتداد ربع قرن من الرعاية و التشجيع...
هو هذا و أكثر، و لعل التقاسيم التي بين أيدينا نافذة أخرى نطل من خلالها على تفاصيل جديدة في قلب هذا الرجل الكبير، الواقف في الصفوف الأولى من المشهد الثقافي الجزائري المعاصر" .