ديوان الشعر الشعبي عن الثورة التحريرية بالعربية و الأمازيغية
أجدني و كل جسدي ماديا و معنويا يتوحد تماما مع ثورة نوفمبر المجيدة تلكم الثورة التي واكبت زمنها الفذ الخصب الخالد من قبل اندلاعها غضا فيافعا,فمساهما في نشاطها بشرف لا شرف مثله.
أجدني خجولا أن أدعي أني قدمت لهاما تستحق و عاجزا عن إيجاد لغة تسعفني على قول كل شيء عنها. و مفتريا إن ذهب بي الغرور إلى القول بأني أقدم لديوان الشعر الشعبي عن الثورة التحريرية , ليقيني أن كل دائرة من دوائر الوطن , إن لم أقل كل بلدية من بلدياته اليوم يمكن أن يجمع فيها ديوان عنها و لأن عذري تضبطه المقولة "مالا يدرك كله لا يترك جله". فقد أقبلت أول ما أقبلت على الموضوع بنشر مقالات في جريدة النصر في بداية السبعينات, مواصلا جهدي ذاك بأول دراسة جامعية أكاديمية بتناول مدونة لهذا الشعر تحض دائرة "مروانة " . ثم أخرى جامعية أكاديمية أيضا تخص " و لاية الأوراس" متبعا ذلك بدراسات أخرى بعضها شكل كتابا قائما بذاته و بعضها شكل فصولا أو موضوعات في عناوين صدرت لي في فترات مختلفة فضلا عن مقالات منشورة في صحف و مجلات وطنية و عربية. و هي معروفة و مداولة و بخاصة عند القارئ المتخصص . ثم أصدرت عملا بهذا العنوان " ديوان الشعر الشعبي عن الثورة التحريرية في الولايات التاريخية الأولى بالعربية و الأمازيغيه :جمع و توثيق و تصنيف و ترجمة و شرح و تعليق و تقديم" سنة 2003 تولى السيد والي و لاية باتنة طبعه ضمن مواد "جائزة الأوراس للقصيدة الشعبية عن الثورة التحريرية" .و تألفت مادته من 564 نصا بمجموع 1587 بيتا.
و قد أعتمدت هذا المنهج الجزئ في العنوان هذا لأن الدراسات الشعبية . بل و حتى الأبداع الشعبي يتميز بخصوصيات كل منطقة لهذا فإن توسيع دائرة جمعه أو تناوله يستدعى آليات لا تتوفر للشخص (أي شخص ) مهما امتلك من الإمكانات ما امتلك. و لأن الموضوع كما مر متصل بحد ث من أعظم و أخلد و أشرف الأحداث في العالم المعاصر و هو ثورة نوفمبر الخالدة من جهة. و لأنها التي علمتني كيف أمسك القلم و اسبح في رحاب مرجعيتي التراثية العربية الإسلامية المجيدة خصوصا و الإنسانية بشكل عام فمكنتني من اعتلاء منابر ندوات و ملتقيات و مؤتمرات عالمية ...من جهة أخرى . فإني كلما سهوت , أو أصبت بإغفاءة عن تناول أي شيء يخصها أحكم على نفسي أني من أكبر ناكري الجميل ,و من أسوإ جاحدي النعمة, و من فاشلي صناع الحضور في الحياة.
وكوني بفضل هذه الثورة دائما و ابدا استطعت الحصول على مادة شعرية شعبية تخصهاعن طريق طلبتي الذين و جهتهم إلى جمعها أو بحثها , و عن طريق مذكرات , و رسائل و بحوث طلبة زملائي. أو عن طريق المطبوع المحدود عنها ارتأيت أن يظل وفائي الأبدي الذي عاهدت الله و نفسي به لها, فتكون المادة المجتمعة لدي كما ذكرت وهي التي أخرجها بين دفتي هذا الجزء الجديد الذي يحمل عنوان " ديوان الشعر الشعبي عن الثورة 1954-1962 بالعربية والأمازيغية (الشاوية)" جمع و توثيق وتصنيف و شرح وتعليق و تقديم" على أن يتولى غيري متابعة الدرب بالإضافة و الشرح و التعليق...الخ. وهو الأقل القليل القليل مما يجب على أي كان منا أن يقدمه للثورة التحريرية المباركة و لأبناء نوفمبر الأشاوس في الذكرى الخمسين لتفجيرهم الثورة و للشعب الجزائري العظيم المتطلع إلى أخذ موقع في صدارة أقرانه من الشعوب على الأقل.
و قد اعتمدت في تصنيف مادة الديوان على منهج شكلي في عمومه بحيث ابتدأت بالقصائد في القسم الأول منه ثم الرباعيات والأبيات في القسم الثاني منهيا بنصوص الشعر الأمازيغي الشاوي ثم أيضا محاولة توزيع النصوص على حقول أغراضها سواء في القصائد أو في المقطوعات بالعربية كما وضح ذلك في العناوين التي تتصدر النصوص باستثناء المستدرك من القصائد والذي عثرت عليه بعد انجاز العمل فأني لم أخضعه للكيفية هذه ولعلي أحتاج بعد تحديد هذا الإطار العام أن أنوه إلى الآتي في بعض ما يخص مادة الديوان :
1- أن المدونة تتكامل نصوصها في تغطية الوطن كله ويبلغ عدد نصوصها الإجمالي بالعربية والأمازيغية ثلاثة وعشرين وسبعمائة نص (723) وعدد أبياتها ست وخمسون ومئة وخمسة آلاف (5156). فالعربية منها عدد نصوصها احد عشر وستمائة نص (611) وعدد الأبيات أربع وثمانون وسبعمائة وأربعة آلاف (4784). بينما بلغ عدد نصوص أمازيغية الشاوية التي تؤول إلى لهجة أو لغة زناتة أحد عشر ومئتي نص (211) بمجموع اثنتين وسبعين وثلاثمئة بيت (372) يضاف إليها مادة الترجمة التي لم تعتمد في الرقم الإجمالي العام للمادة.
2- نتيجة لكون نصوص العربية جمعت من مختلف جهات الوطن فإنها تتسم بلغة عربية متفاصحة أصلا و لكنها متفاوتة في معجمها بين لهجة و أخرى ما يصعب فهم بعض المفردات و العبارات من قارئ إلى آخر, و هو ما يستدعي التنويه إلي وجوب و ضع معجم لها في الطبعة التالية إن وفقنا الله إلى ذلك. أما نصوص الأمازيغية (الشاوية) فإن معجمها لا يعني إلا منطقة الشرق الجزائري وبعض سكان آخرين في جهات أخرى من الوطن باعتبار تنوع لهجات الأمازيغية ومنها الشاوية وكثرة عددها لدرجة أن الباحث الفرنسي (باصي) يراها تتجاوز خمسة آلاف لهجة.
3- تكرار عناوين عند أكثر من شاعر مثل "قداش انفكر في الجزائر" و"اللي تحب لافريك دينور"و"حزب الثوار" و"جيش التحرير"و" جبهة التحرير" و غيرها لأنها قاسم مشترك بين هؤلاء الشعراء.
4- أن نصوصا كا لتي سبقت و بخاصة غير المدونة من قبل أصحابها في أثناء إبداعها خضعت لتغييرات حذفا و إضافة, بترا ,ودمجا إلى غير ذلك مما لا يخفى على متناول لها.
5- كثير منها قالها مجاهدون و مجاهدات عاشوا أحداثها أو واكبوها عن قرب و هو ما جعل اغلبها معروفة المبدع لها , و ما لم يكن كذلك فهو صادر عن الشعب , وبخاصة مغنيه الذين يشاركون في الحفلات الاجتماعية و السياسية المختلفة التي كانت تقام في الثورة التحريرية. 6- يصعب التعريف بأسماء كثيرة و كذلك بالأماكن و الأحداث التي يتحدث عنها النص "أي نص" مالم تكن مشفوعة بتوضيح الشاعر لها أو الوصول إلى الشخص الذي كان قد عاشها لتوضيحها للمتلقي.
7- و مع كل هذا , و في كل الأحوال فتقديري أن المدونة حفظت لنا من الثورة أشياء مهمة جدا لا يمكن لنا الحصول عليها في غيرها و أكدت لنا حضور الثورة الجزائرية في كل ربوع الوطن لدرجة أنه يمكن لنا رسم خارطة المعارك و الأحداث في أثنائها من خلالها كما قدمت لنا العدو بكل بطشه و جرائمه ووحشيته التي لم ينج منها حتى الشجر و الحجر ففضح ممارساته التي سعى و يسعى إلى طمس كل معالمها, و آثارها بشتى الوسائل خجلا من صنعته تلك التي اسقطت أقنعته المتبجح به بخطابات مزيفة لم تعد تنطلي حقائقها و دلالاتها على أي عاقل كان.
8-أن بعض نصوص المدونة لم تكتب في عهد الثورة التحريرية و تناولت أشخاصا أو أي موضوع آخر متعلق بالثورة و هي لا يبلغ عددها أصابع اليد الواحدة أثبتها لأهميتها و لكونها تكشف عن نظرة جيل ما بعد الثورة إلى الثورة. و من تلك النصوص على سبيل المثال نصي "المجاهد" و العقيد المرحوم "شعباني" و مهما يكن فإنها تتبنى قيم الثورة و كل ما يتعلق بها. و لعل الفرصة تسنح يوما فأنجز عملا آخر للأجيال الجديدة كهذا بالمادة الشعرية المتوفرة لدي, فيتكامل الموضوع والأجيال معا كونها لحمة واحدة- ولا شك- التي ستبقى متميزة بهذه الخصوصية إلى أبد الآبدين.